شخصيات الإصلاح
| بقلم |
![]() |
| التحرير الإصلاح |
| محمد عبد الله دراز: رائد الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي الحديث |
في عالمٍ غلبت عليه محاولات التوفيق بين الفكر الإسلامي والمناهج الغربية، برز الشيخ محمد عبد الله دراز (1894–1958) كأحد أبرز المفكرين الذين سعوا لإثبات أصالة القيم الإسلامية ومكانتها في حقل الأخلاق والفلسفة، بعيدًا عن التبعية أو التقليد، مع المحافظة على منهج علمي صارم وأدوات تحليل دقيقة.
ولد العلاّمة الدّكتور محمد عبد اللّه دراز عام 1894م، في قرية «محلة دياي» بمحافظة (كفر الشّيخ) المصريّة. ونشأ في أسرة ذات علم وورع، ممّا وفّر له تربيّة علميّة أصيلة منذ نعومة أظافره، فوالده الشّيخ عبد اللّه دراز من علماء الأزهر المبرزين، وهو شارح كتاب «الموافقات» للإمام الشّاطبي. أكمل دراز حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، والتحق بالأزهر، حيث برز بتفوّقه العلمي واللّغوي، فحصل على شهادة العالميّة عام 1916، ليصبح لاحقًا من رموز التّجديد في الفكر الإسلامي المعاصر.
أظهر دراز نبوغًا لافتًا خلال دراسته بالأزهر، لكنّه لم يكتفِ بالتّقليد، بل سعى إلى توسيع آفاقه الفكريّة. حيث كان من أوائل المنخرطين في العمل الأكاديمي الذي يجمع بين أصالة التراث وانفتاح الحداثة في جامعة الأزهر الحديثة وجامعة فؤاد الأول. عمل مدرّسا بجامعة الأزهر عام 1928، وسافر إلى الحجّ عام 1936. وفي العام ذاته أُوفد إلى فرنسا ضمن بعثة علميّة، وهناك درس في جامعة السّوربون الفلسفة والأخلاق، وتمكّن من نيل درجة الدكتوراه سنة 1947 برسالة عنوانها «مذهب الأخلاق في القرآن» (La Morale du Coran)، وهي تُعد حتّى اليوم من أهمّ المساهمات الأكاديميّة في إثبات استقلال المنظومة الأخلاقيّة الإسلاميّة عن الفلسفات الغربيّة، وقد نالت إعجاب كبار المستشرقين الفرنسيين، ومنهم لويس ماسينيون وليفي بروفنسال.
وحينما كان دراز يتابع دراسته في فرنسا منتصف القرن العشرين ارتبط برباط وثيق مع الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي، وظهر بين الرّجلين شبه كبير في الاهتمام الفكري، وفي النّتائج التي توصّلا إليها، خصوصا في مجال تجديد الدّراسات القرآنيّة. وقد برز ذلك خاصّة من خلال تقديم دراز لكتاب بن نبي: «الظّاهرة القرآنيّة»، ومن خلال المقارنة بين مضمون كتاب بن نبي هذا وكتابيّ دراز: «النّبأ العظيم» و«مدخل إلى القرآن الكريم».
كان دراز في نفس الوقت «ابن الأزهر، وابن السّوربون». وقد أتاحت له الدّراسة المعمّقة لكلّ من الثّقافة الإسلاميّة والثّقافة الغربيّة من منابعهما الأصليّة بناء رؤية تركيبيّة تحليليّة فريدة، بعيدا عن السّطحيّة التّبسيطيّة، وعن «سوء الهضم العقلي» الذي أصاب الكثيرين ممّن وقفوا عند حدود الثّقافة الموروثة الرّاكدة أو الغربيّة الوافدة. كان متعمقا في روحانيّات الغزالي والحكيم التّرمذي وأبي طالب المكّي، متضلّعا بفلسفة «ديكارت» و«كانط» و«برجسون». وقد امتاز دراز بفضل هذا الفكر التّركيبي برحابة الأفق، وعمق التّحليل، ودقّة الاستدلال، مع حجاج مقنع، وبلاغة ساحرة استمدّها من بلاغة القرآن الكريم.
يهدف المشروع الفكري لمحمد عبد اللّه دراز إلى إثبات أنّ القرآن الكريم يحتوي على نظريّة أخلاقيّة متكاملة ومستقلّة بذاتها، لا تحتاج إلى استيراد من الفلسفة الغربيّة، ولا تتقاطع مع مذاهب النّفعيّة أو الكانطيّة أو غيرها. وقد جمع بين المقاربة النّصيّة الدّقيقة والمقارنة الفلسفيّة الواسعة، ليبرهن أنّ القرآن قد سبق الغرب في إرساء مفاهيم الحرّية والواجب الأخلاقي. فالأخلاق بالنسبة له ليست مجرّد وصايا دينيّة أو أعراف اجتماعيّة، بل هي تعبير عن مبدأ ربّاني كلّي، يقوم على الحرّية والاختيار والمسؤوليّة. فالأخلاق الإسلاميّة قائمة على التزام حرّ نابغ من الإيمان، لا على الإكراه أو التّقليد. والعلاقة بين الإنسان والواجب في القرآن تتجاوز مذهب «الواجب من أجل الواجب» عند كانط، لأنّها تربط بين العمل الأخلاقي ورضا اللّه. وبذلك يكون الدّين، بخلاف ما يدّعيه بعض الفلاسفة الغربيّين، ليس عائقًا أمام الأخلاق، بل أساسٌ لها وموجهٌ لطريقها.
لا يكاد عمل من أعمال دراز الفكريّة يخلو من نظرات تجديديّة ثاقبة، لكن تجديده تجلّى أكثر ما تجلى في الدّراسات القرآنيّة. ففي هذا المضمار يمكن القول دون مجازفة إنّ دراز أسّس علمين جديدين، هما علم «أخلاق القرآن» وعلم «مصدر القرآن». ففي الأوّل كتب كتابه «دستور الأخلاق في القرآن» وفي الثّاني ألّف كتابيه: «النّبأ العظيم» و«مدخل إلى القرآن الكريم». وقد أدرك دراز أنّه يسلك دروبا غير مطروقة، وأنّ عليه أن يبدأ عملا تأسيسيّا في هذين العلمين. ومن هنا كانت إضافته في هذا المضمار ثمينة حقّا، وهي حصيلة جهد ومعاناة فكريّة عميقة لا يقدّرها إلّا من تمرّس بكتبه واكتشف ما فيها من أصالة وعمق وصدق.
ويتجلى تجديد دراز في علوم القرآن من خلال المنهج الذي اتبعه، فقد اعتاد علماء الإسلام أن يبرهنوا على أصالة القرآن الكريم من خلال المدخل اللّغوي البياني بالأساس. أمّا دراز فانطلق من الدّراسة التّحليليّة للرّسالة القرآنيّة منطقيّا وتاريخيّا. وهذه منهجيّة تجديديّة مفارقة للمنهج المتوارث. ومن ثمراتها نقل القرآن من السّياق الثّقافي العربي، ووضعه في سياق العالميّة.
وبالرّغم من أنّ عمره العلمي لم يكن طويلاً، فإنّ محمد عبد اللّه دراز خلّف عددًا من المؤلّفات التي تُعد مراجع رئيسيّة في الفكر الإسلامي والفلسفة الأخلاقيّة، منها: «مذهب الأخلاق في القرآن» (أطروحته للدكتوراه، مترجمة للعربية) و«دستور الأخلاق في القرآن» (تلخيص موسّع للرؤية الأخلاقية الإسلامية) و«النبأ العظيم» (دراسة تحليلية لبلاغة القرآن الكريم ووحدته الموضوعية) و«مدخل إلى القرآن الكريم» (دراسة تمهيدية لمقاصد القرآن وتكوينه) و«الإنسان والدين» (عرض فلسفي لجوهر الدين وأبعاده).
توفي محمد عبد الله دراز عام 1958 في مدينة لاهور بباكستان أثناء مشاركته في مؤتمر علمي، لكنّه ترك إرثًا فكريًّا ما يزال يُقرأ ويُدرّس ويُستند إليه في حوارات الأخلاق والدّين والحداثة.
ما يميّز محمد عبد الله دراز أنّه لم يكن خطيبًا ولا مجرّد واعظ، بل مفكرًا أصيلًا استطاع أن ينقل الفكر الإسلامي إلى منابر النّقاش الفلسفي الغربي بلغة علميّة راقية. وفي زمن تعيش فيه الأخلاق أزمة، تظلّ كتابات دراز دعوة هادئة وعميقة لإعادة اكتشاف الجذور الرّبانيّة للخير، وربط الإنسان بواجبٍ يسمو على المصلحة، ويتجاوز اللّحظة نحو الأبديّة. |




