تطوير الذات
| بقلم |
![]() |
| محمد أمين هبيري |
| قانون التيسير |
في مسيرة الحياة، يسعى الإنسان جاهدًا إلى تحقيق النّجاح والتّوازن، لكنّه كثيرًا ما يواجه عقبات وصعوبات تعيق تقدّمه. غير أنّ القوانين الإلهيّة، كما وردت في القرآن الكريم، تحمل بين طيّاتها سننًا كونيّة تعمل لصالح من يسير وفقها. ومن بين هذه القوانين ما يمكن تسميته بـ «قانون التّيسير»، المستوحى من قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ* فَسَنُيَسِّرهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾(الليل: 5-7). هذا القانون يوضّح أنّ العطاء والتّقوى والتّصديق بالخير تفتح للإنسان أبواب التّيسير في الحياة، حيث تسير الأمور بانسيابيّة وتتحقّق الأهداف بأقلّ عناء، وفق سنن ربّانيّة دقيقة.
قانون التّيسير هو قاعدة حياتيّة تنصّ على أنّ من يسلك طريق العطاء والتّقوى والإيمان بالخير، يجد الأمور ميسّرة له في حياته، وتتهيّأ له الفرص وتسهل أمامه الصّعاب. وهو ليس مجرّد قانون نظري، بل يمكن ملاحظته في حياة الأفراد والمجتمعات؛ فمن يحرص على فعل الخير ويتحلّى بالقيم النّبيلة يجد أنّ حياته مليئة بالبركة والتّيسير، بينما من يختار طريق التّعسير والتّضييق على الآخرين يجد نفسه محاطًا بالعقبات والمحن،﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ* فَسَنُيَسِّرهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾(الليل: 8-10)
على المستوى الشّخصي، يمنح قانون التّيسير الإنسان شعورًا بالرّاحة والطّمأنينة، إذ يدرك أنّ الخير الذي يقدّمه يعود إليه بطرق غير متوقّعة. عندما يكون الفرد معطاءً في ماله وعلمه وجهده، ومتقرّبًا إلى اللّه بالتّقوى، فإنّه يجد نفسه محاطًا بالفرص، ويسير في درب النّجاح دون تعقيدات مرهقة. كما أنّ هذا القانون يسهم في تعزيز حسن الظّنّ باللّه، ويدفع الإنسان إلى التّوكّل مع الأخذ بالأسباب، ممّا يعزّز ثقته بنفسه ويزيد من إنتاجيّته وسعادته.
أمّا على المستوى المجتمعي، فإنّ انتشار ثقافة التّيسير يخلق بيئة متعاونة يسودها التّكافل والإيجابيّة. فالمجتمع الذي يقوم على مبادئ العطاء والتّعاون، يجد أنّ أفراده أكثر ترابطًا، ممّا يؤدّي إلى ازدهار اقتصادي واجتماعي. كما أنّ تطبيق هذا القانون يحدّ من النّزاعات والصّراعات، حيث يسود التّسامح بدلاً من التّعقيد والتّضييق، ممّا يسهم في بناء مجتمعات مستقرّة ومزدهرة.
إنّ قانون التّيسير ليس مجرّد نظريّة، بل هو قاعدة إلهيّة مثبتة في القرآن الكريم، تتحقّق لكلّ من يسير وفقها. فالعطاء، والتّقوى، والإيمان بالخير ليست مجرّد فضائل، بل هي مفاتيح لحياة سهلة ميسّرة، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.
يمكن تقسيم الموضوع إلى جزءين؛ جزء أول نتحدث فيه عن القانون في ذاته وجزء ثان نتحدث فيه عن القانون في موضوعه.
الجزء الأوّل: قانون التّيسير في ذاته
يمكن تقسيم الجزء الأوّل إلى عنصرين؛ الأوّل نتحدث فيه عن مواصفات القانون والثّاني عن خصائصه.
العنصر الأول: مواصفات القانون
يعدّ قانون التّيسير إحدى السّنن الكونيّة التي وضعها اللّه سبحانه وتعالى لتسيير حياة الإنسان وفق نظام دقيق يربط بين السّلوك الإيجابي والنّتائج الميسّرة. وقد وردت الإشارة إليه في القرآن الكريم في قوله تعالى:﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ* فَسَنُيَسِّرهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾(الليل: 5-7). وهذا القانون يعكس قاعدة الجزاء من جنس العمل أي التّكافؤ بين الأفعال الصّالحة والتّسهيل في أمور الحياة.
وهذا القانون :
1. عادل ومنصف: يقوم هذا القانون على العدل الإلهي، حيث يختار الإنسان طريقه، فإذا أعطى واتقى وصّدق بالخير، هيّأ اللّه له سبل النّجاح والتّيسير.
2. شمولي: يشمل التّيسير جميع جوانب الحياة، سواء كانت مادّية، نفسيّة، اجتماعيّة، أو روحيّة، ممّا يجعله قانونًا متكاملاً.
3. مرتبط بالأفعال: لا يعتمد على الحظّ أو العشوائيّة، بل هو نتيجة طبيعيّة للأفعال الإيجابيّة، ممّا يعزّز فكرة المسؤوليّة الفرديّة في حياة الإنسان.
4. مستمرّ وثابت: يعمل هذا القانون بانتظام عبر الزّمن، حيث يمكن ملاحظة أثره في حياة الأفراد والمجتمعات على مرّ العصور.
5. يتحقّق بالتّدرج: لا يأتي التّيسير دفعة واحدة، بل يكون نتيجة تراكم الأعمال الصّالحة والالتزام المستمرّ بالقيم النّبيلة.
العنصر الثّاني: خصائص القانون
يعدّ قانون التّيسير من أعظم القوانين التي وضعها اللّه سبحانه وتعالى لحياة الإنسان، فهو ليس مجرد قاعدة أخلاقيّة، بل هو سنّة كونيّة ثابتة تعمل وفق معايير دقيقة. وهذا القانون يعكس حكمة اللّه في تسهيل الأمور لمن يسلك طريق الخير، ويمنح الأمل والثّقة بأنّ كلّ جهد صادق سيجد أثره في الدّنيا والآخرة ومن خصائصه نجد:
1. قانون مرتبط بالأسباب: لا يمكن تفعيل قانون التّيسير دون الأخذ بالأسباب، فالعطاء، والتّقوى، والإيمان بالخير هي شروط أساسيّة لتحقيقه.
2. يعزّز الطّمأنينة والثّقة باللّه: يدرك من يؤمن بهذا القانون أنّ الحياة ليست سلسلة من المصادفات، بل هي منظومة تسير وفق سنن إلهيّة دقيقة، ممّا يزيد من الرّاحة النّفسيّة.
3. يؤثّر في الفرد والمجتمع: لا يقتصر أثره على الأفراد فقط، بل يمتد ليشمل المجتمع ككل، حيث يؤدّي إلى نشر قيم الخير والتّعاون.
4. يرتبط بالتّفاعل مع الآخرين: يعتمد على العطاء والتّعامل الحسن، ممّا يعني أنّ الإنسان لا يمكن أن يعيش في عزلة ويتوقّع أن تُحقّق له أهدافه.
5. يتناسب مع قوّة الإيمان والعمل: كلّما زاد العطاء والتّقوى والتّصديق بالخير، كلّما زاد التّيسير في حياة الإنسان.
الجزء الثّاني: قانون التّيسير في موضوعه
بعد فهم ماهية قانون التّيسير ومواصفاته وخصائصه، يصبح من الضّروري التّعمّق في متطلّباته وما يترتّب على غيابه في حياة الأفراد والمجتمعات. فكما أنّ لهذا القانون أسسًا تفعّله، فإنّ إهماله أو السّير عكسه يؤدّي إلى نتائج معاكسة قد تنعكس على مختلف مناحي الحياة.
يمكن تقسيم الجزء الثّاني إلى عنصرين؛ الأوّل نتحدث فيه عن مستلزمات القانون والثّاني عن غياب القانون.
العنصر الأول: مستلزمات القانون
لكي يتحقّق التّيسير في حياة الإنسان، لا بدّ من الالتزام بجملة من المستلزمات التي تعدّ بمثابة مفاتيح لهذا القانون، وهي على النّحو التّالي:
1. العطاء والبذل: فالآية الكريمة تشير أوّلًا إلى «مَنْ أَعْطَىٰ»، ممّا يدل على أنّ السّخاء في المال، والجهد، والمعرفة، والمساعدة، هو أحد أهمّ مفاتيح التّيسير. فكلّما زاد الإنسان عطاءً، كلّما وجد البركة في وقته ورزقه وسائر أموره.
2. التّقوى والالتزام بالقيم الأخلاقيّة: لا يكفي العطاء وحده، بل يجب أن يكون مقرونًا بالتّقوى، أي احترام القانون الطّبيعي أو الفطرة بضبط النّية والسّلوك وفق القواعد الأخلاقيّة والدّينيّة، ممّا يضمن استدامة البركة في حياة الإنسان.
3. التّصديق بالحسنى: أي الإيمان بوعد اللّه وقوانينه الكونيّة، والثّقة بأنّ الخير الذي يقدّمه الإنسان سيعود إليه بأشكال مختلفة، سواء في الدّنيا أو في الآخرة.
4. العمل الدّؤوب والأخذ بالأسباب: التّيسير لا يعني أن تتحقّق الأمور دون جهد، بل هو ثمرة سعي حقيقي، وهو ما يؤكّد أهمّية الاجتهاد والمثابرة.
5. حسن الظنّ باللّه والتّوكّل عليه: من يوقن بأنّ اللّه سييسر له أموره بعد بذل الجهد، يجد راحة نفسيّة تعينه على مواجهة التّحديات بثقة وإيجابيّة.
العنصر الثاني: في غياب القانون
غياب قانون التّيسير أو السّير بعكس اتجاهه يؤدّي إلى نتائج سلبيّة سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وهو ما نراه في مجتمعات أو أفراد يعانون من التّعقيد والمشقّة رغم امتلاكهم موارد وإمكانات. ويمكن تلخيص هذه الآثار فيما يلي:
1. ضيق العيش وكثرة العراقيل: عندما لا يسير الإنسان وفق سنن التيسير – كأن يكون ممسكًا بخله، بعيدًا عن التقوى، أو متشككًا في قوانين الله – فإنه يجد حياته مليئة بالصعوبات غير المتوقعة، حيث تتعقد أموره دون سبب واضح.
2. انتشار الأنانية والجفاء في المجتمع: عندما تغيب قيم العطاء والتعاون، يصبح المجتمع أكثر فردانية، مما يؤدي إلى تفكك العلاقات الاجتماعية وغياب روح التكافل.
3. الشعور بالتوتر والقلق الدائم: من لا يؤمن بأن الخير يعود لصاحبه، ولا يعتمد على قيم التيسير، يكون أكثر عرضة للقلق والاضطراب النفسي، حيث يواجه الحياة بشعور دائم بالخوف من المستقبل.
4. كثرة الصراعات والخلافات: غياب قانون التيسير يؤدي إلى تزايد النزاعات بين الأفراد والمجتمعات، حيث يحل مكانه قانون التعسير المبني على الظلم، والاستغلال، وانعدام الرحمة.
5. ضياع البركة من الحياة: فالموارد المادية وحدها لا تكفي لتحقيق السعادة، بل البركة هي العنصر الخفي الذي يجعل القليل يغني والكثير ينفع، وعند غياب قانون التيسير، تضيع هذه البركة ويصبح الإنسان في سباق دائم بلا راحة حقيقية.
إن قانون التيسير ليس رفاهية، بل هو سنّة إلهية ثابتة، تجعل الحياة أكثر انسجامًا وسهولة حين يلتزم الإنسان بمستلزماته. أما في حال غيابه، فإن الفرد والمجتمع يعانيان من التعقيد والاضطراب، حيث يصبح النجاح صعب المنال، والراحة النفسية شبه مستحيلة. لذا، فإن تطبيق هذا القانون في حياتنا ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة لضمان حياة متوازنة مليئة بالخير واليسر.
|




