دردشة مع أديب

بقلم
محمد بن الظاهر
في حوار مع المبدع ياسين أرحال
 1 - مرحبا ياسين بك معنا في هذا الحوار، في البدء من هو ياسين أرحال؟
مرحبا سيدي محمد ... صراحة لا أرى نفسي محصورًا في تعريف محدد، طفل فَقَدَ الألوان ذات موت، فبلغ من العمر عتيا. ابن واحة «تغجيجت» بإقليم «كلميم» محب للأدب وللكتابة . أجد في الكلمات ملاذًا يعكس هواجسي ورؤيتي للعالم.
2 - لماذا الشّذرة وليس جنساً إبداعيّاً آخر؟
الشّذرة هي الأكثر قربًا لنبض الكتابة الذي يسكنني. إنّها شكل أدبيّ حرّ،  مكثّف، قادر على التقاط اللّحظة والإحساس، ومناسب تماما للبحث عن المعنى في عالم متشظٍّ. فالحياة كما تعلم ليست خطًا مستقيما، بل لحظات متفرّقة، ومواقف متقطّعة، وأحاسيس مباغتة. الشّذرة تلتقط هذا التّبعثر، تصوغه في كلمات قليلة، لكنّها تحمّله زخم تجربة كاملة. إنّها تقبض على اللّحظة الهاربة قبل أن تتلاشى. كتابة تنبض بالفوضى مثلما تنبض بالعمق. كما ترفض الامتداد السّردي الطّويل، لأنّها تدرك أنّ الحقيقة لا تُقال دفعة واحدة، بل تُلمَح، تُبثّ في جمل مقتضبة تترك أثرًا أطول من الصّفحات الممتلئة.
3 - شكّلت الأمّ تيمة مهمّة في الأعمال الأدبيّة العالميّة؛ مثل رواية «الأم» لمكسيم كوركي وبيرل باك وشخصيّة «أمينة» في ثلاثيّة نجيب محفوظ، وفي «بداية ونهاية» وغير ذلك من الأعمال؛ هل غياب الأمّ رمزيّاً ومعنويّاً شكّل لك دافعا للإبداع وما محورها في المنجز؟
الأمّ هي أوّل من يهبنا المعنى، فهي السّامعة لهذياننا الطّفولي، والمفسّرة له بفيض من الحنان. وكان فقدي لها زلزلةً داخليّةً غيّرت موقعي في هذا الوجود، وزعزعت نظرتي إليه. لم تكن الأمّ مجرّد كيانٍ حيّ ارتبطت به بيولوجيًّا، بل كانت نقطة الارتكاز الأولى، ونافذتي التي أبصرت منها الكون لأوّل مرّة. وإنّك إن تفقد هذا الرّمز، تتهدّم أركانك، ويتشظّى مصيرك.  وكما كان غياب الأمّ في «الغريب» لألبير كامو انعطافةً أفضت إلى العبث، إذ جعل موتها حياة «مورسول» أقرب إلى الفراغ والتّيه، ففجّر في داخله أسئلةً عن المعنى واللاّمعنى، كذلك أثّر الغياب في منجزي؛ فالأمّ قد لا تحضر في نصوصي بلفظها الصّريح، لكنّها ماثلة في الأسئلة التي تثيرها الكتابة، وفي الشّعور المستمرّ بالنّقص، وفي السّعي المضني لاستبدال حضورها الغائب ببدائل رمزيّة. إنّ الكتابة، بهذا المعنى، ليست إلاّ ضربًا من الاستعادة، أو محاولةً لتخفيف وطأة الفقد، إذ ما من نصّ أكتبه إلاّ وفيه ظلٌّ لها، تارةً في الكلمات ذاتها، وتارةً في الفراغات بينها، في حنينٍ يمرّ عابرًا بين السّطور، وفي فقدٍ يتسلّل من غير تصريح. إنّها المحور الخفيّ الذي يُحرّك الإبداع، فهي الجرح الأوّل، والخسارة التي لا تُعوَّض، ومن أجل ذلك، تغدو الكتابة في غيابها سعيًا دؤوبًا لاستحضارها، ولو في الكلمات.
4 - هل ترى الشّذرة وسيلة للتّعبير الشّخصي أم نافذة للتّأمل الجماعي؟
الشّذرة، في جوهرها، كيان مزدوج يجمع بين الذّاتي والجماعي، بين البوح الفردي والتّأمّل الكوني. فهي، من جهة، وسيلة للتّعبير الشّخصي، لأنّها تُكتب غالبًا بوهج التّجربة المباشرة، وتنقل خلجات النّفس في لحظات التّأمّل أو الاضطراب. الشّذرة ليست مقالة ولا قصّة، بل ومضة تنبثق من أعماق الذّات، محمّلة بكثافة شعوريّة وفكريّة. لكنّها، في الوقت ذاته، ليست مجرّد بوح معزول، بل نافذة مشرعة على التّأمّل الجماعي، إذ إنّها، رغم طابعها الشّخصي، تمتلك قدرة على ملامسة قلق وجودي أو سؤال فلسفي يتقاسمه الجميع. إنّها، إن جاز القول، ليست مجرّد انعكاس لصوت الكاتب، بل مرآة قد يجد فيها القارئ صورته، بقدر ما يجد فيها أثرًا من الكاتب. فهي، بهذا، همسة داخليّة تتردّد أصداؤها في وعي الجمع.
5 - كيف يمكنك أن توازن بين الغموض الذي تكتسيه الشّذرة وبين الوضوح في التّعبير عن المكنون الذي يكتسحك؟
التّوازن بين الغموض والوضوح في الشّذرة يتحقّق عبر التّكثيف والاقتصاد اللّغوي، حيث تُلمِّح دون أن تُصرِّح، وتفتح المعنى دون أن تغلقه. الغموض يمنحها عمقًا وتأويلات متعدّدة، بينما الوضوح يضمن لها التّأثير والوصول. إنّها معادلة تُبنى على انتقاء الكلمات بعناية، بحيث تترك أثرًا دون أن تفقد سحر الإيحاء.
6 - أنت من أبناء واحة «تغجيجت» بإقليم «كلميم»، ماهي الصّعوبة التي تواجه مبدعي الجنوب؟
مبدعو الجنوب محكومون بنفي مزدوج: جغرافي يجعلهم على تخوم المشهد الثّقافي، ورمزي يرسّخ الهامشيّة داخل وعي أدبيّ مشروط بالمركزيّة. يكتبون في فضاء يتحدّد بالغياب، حيث المكتبات نادرة، والمنابر شحيحة، والاعتراف مؤجّل. وأشدّ ما يعترضهم هو هذا النّفي المضاعف، حيث يُقصَون عن دوائر الاعتراف، ويُراد لهم أن يظلّوا في الأطراف(الهامش)، كأنّ الكلمة لا يُكتب لها أن تُسمع إلاّ إذا خرجت من صُلب المركز. لكنّهم، وهم الذين ألفوا الصّبر على الضّيم، لا يضعفون، بل يجعلون من الكتابة جسرًا يعبر بهم من التّهميش إلى الخلود، ومن العزلة إلى كونيّة الحرف، فتصير كلّ صفحة يخطّونها معراجًا نحو المعنى، وكلّ نصّ ينشرونه ردًّا على الجحود، لا سعيًا إلى تصفيق عابر، بل توقًا إلى الحقيقة التي تتجلّى حيث لا ينتبه الكثير.
7 - نحن ممتنون لك سي ياسين على مشاركتنا أفكارك ورؤيتك.
الشّكر لكم سيدي محمد، الحوار هو امتداد للنّص وبالأسئلة نمنح فرصة أخرى لاكتشاف جوانب وأبعاد جديدة في النّص.