محرز الدريسي
ثلاثة أسئلة إلى النخبة (6) : 48 - 2014/01/24
منـذ الاحتــــــراق الرمــــزي للشهيــــد محمـــد البوعزيــــزي يوم 17 ديسمبر2010 وما تلاها من حراك ثوري انبثق في سيدي بوزيد وانتشر بسرعة في كامل أرجاء البلاد ومسيرات انطلقت من الوسط لتتوسع إلى الشمال وإلى الجنوب وتونس الكبرى. كانت هذه الأحداث تعبيرا عن فشل القبضة القمعية وإعلانا عن نهاية الحكم الإستبدادي، ومثلت ناقوس خطر أطلقه التونسيون أن الإحساس بالاختناق عام وفي كافة المجالات وأن كل المنافذ سدّت من قبل النظام الدكتاتوري. لهذا شكّلت تضحيات التونسيين وثورتهم أسلوبا مميّزا بحثا عن ولادة جديدة تقطع مع كل جذور الاستبداد وإيجاد صيغ جديدة للاجتماع الوطني تنبني حول مشروع يؤمن بالديمقراطية والحرية والكرامة. هذا الحراك الثوري الذي شمل كل النقاط الجغرافية في بلادنا لم يكن موجها فقط ضدّ رمز النظام بل تجسيما لمقاومة تنبذ التفاوت الجهوي وترفض الفقر والبطالة والتهميش و«الحقرة»، وتحلم بقيم جوهرية تعلي الحرية وتحقّق العدالة وتصون كرامة الإنسان. لم يكن هذا الحراك في مؤشراته الأولية مجرد انتفاضة وإنما ثورة يتراكم زخمها وتعزّز الرغبة الشعبيّة المتفاقمة نحو وضعية جديدة، تفتح الأبواب المغلقة أمام البناء الديمقراطي وإعادة صياغة النظام السياسي على أرضية دستورية وقانونية وشعبية ومؤسساتية دائمة. كما تتيح الوضعية التاريخية الجديدة إمكانية دفع المنطقة العربية نحو ظروف سياسية واجتماعية وثقافية أفضل، تمكّنها من تجديد الحياة السياسية ومن تدعيم التماسك الاجتماعي والتضامن المجتمعي ومن تحسين دورها الحضاري.
اقرأ المزيد
الإرهاب الأعمى والمشروع الغائب : 42 - 2013/11/01
ضرب الإرهاب من جديد في كل من قبلاط وسيدي علي بن عون بعد أن خرب وأسال الدماء الزكية والطاهرة في الروحية وسيدي علي بن خليفة، والسؤال المحير الذي يطرحه كل تونسي غيور هل يمكن أن يكون القتل الأعمى مشروعا؟ هل يمكن أن تكون الاغتيالات برنامجا؟ ما الذي يريده هؤلاء ؟ ما هو برنامج الإرهاب؟ ما مشروعهم؟
اقرأ المزيد
مقدمة في استئناف التفكير في وظيفة الثقافة : العدد 41 - 2013/10/18
إن الثورة التونسية في تعبيراتها المختلفة وإن اندلعت في - سياق المطالب الاجتماعية- واستحقاقات الشغل، فقد عبرت في عمقها عن رغبة كامنة في الحرية والكرامة والتنمية. هذه القيم أو المثل تتجاوز طابعها المطلبي أو السياسي وتحتاج أن تكشف عن وجهها الثقافي ومعمارها الفكري، فبناء الكرامة وإنعاشها تستوجب مضامين نظرية وفنية وثقافية وانسانية، وأن تمتد لتجعل من التنمية الثقافية أحد الأبعاد الأساسية لتنمية البلاد وبناء الإنسان التونسي الفاعل. إن الفعل الثقافي لا يختزل في أداء نخبوي بل يتّسع أثره ومغنطيسه حتى تكون الثقافة للجميع ولكل مواطن، فلا مواطنة دون ثقافة ولا ثقافة دون تأسيس للمواطنة، وأن الحق في الثقافة جزء لا يتجزأ من الحقوق الأساسية للإنسان وللمواطن. وهو خيار أساسي ومحوري واستراتيجي، فالثورة التونسية إذا لم تصحبها ثقافة تفصح عن هويتها وتترجم قيمها، مهددة بالانتكاسة، والمطلوب أن تكون محركا للإبداع ولتقريب الثقافي من الجمهور العريض وأن تنزع عن الثقافة فئويتها وتعاليها، وتصبح غذاء الروح للمواطن.
اقرأ المزيد
ملاحظات أولية حول الاسلاميين وفكر الوحدة : العدد 27 - 2013/04/05
من خلال كامل أعداد "الفجر" و"الضمير" لم أجد إلا مقالا وحيدا عن البناء المغاربي أو الوحدة المغاربية. المقال بعنــــوان "نحو اتحاد مغاربي شعبي وقــوي وحــــر" كتبه د. أحمد القديـــدي بتاريخ 27 جانفي 2012، فهل يمكن أن نعتبر ذلك موقفا أو يعبر عن موقف مضاد للتوحيد المغاربي.؟ لا أعتقد أن هناك رفضا لمبدأ البناء المغاربي، بقدر ما أن هناك معطلات فكرية وتراثية ومفهومية سياسية وثقافية في المتخيل مجموعة الصور والتصورات التي تملأ وعي الفرد والجماعة تجاه شيء محدد أو جماعة أخرى تجعل من البناء المغاربي صورة مشوهة أو منقوصة.
اقرأ المزيد
ثورة الشباب: الذاكرة المُحفزة و المستقبل الملتبس : العدد 21 - 2013/01/11
نحتفل هذه الأيام بالذكرى الثانية لثورة الحرية والكرامة، التي أنجزها كل التونسيين دون استثناء، وهـــي مناسبــــة لاستعــــادة أهم رهانات الثورة، والتي ستبقى أسئلتها مفتوحة ومجال سجالات وقادحة للتفكير والتحليل والتساؤل. فهل كان التحول السياسي في تونس مفاجئا؟ هل كان الزلزال التونسي حدثا غير منتظر؟ تعالت الأصوات بالحدث المفاجئ، كيف وقع؟ ما هي مبرراته؟ وماهي أسبابه؟ أعتقد أن هذه القراءة ساذجة، فكل العلامات والاحتجاجات المتتالية كانت تشير إلى أن حدثا ما في حالة اختمار وفي حالة تشكل وأن الوضع السياسي رغم ملامح القوّة الظاهـــــرة، فإنه لم يعد قابلا للاستمرار وأن بناء الحكــــم متآكل من الدّاخل.
اقرأ المزيد
”الوسطية“ المفردة التونسية الجريحة : العدد 17 - 2012/11/16
إذا قبلنا الثورة كخطّ افتراضي فاصل داخل ديناميكيات الساحة السياسية التونسية بين ما قبــــل وما بعد، نجد أن الوسطية ارتفعت أسهمها في سوق الدعاية الحزبية وتكثفت كفكـــــرة جذابــــة وواعــــدة إلى حد تحولها إلى شبه عقيدة مغرية أو كأنها مفتاح سحري لمعضلات الفكر السياسي والممارسة السياسية، مانحة صكوك البراءة والطهارة والعذرية المزيفة. فكل الأحزاب السياسية – بلا استثناء- تدّعي الوسطيّة وأنها تمثل الوسط، وكل الأطياف من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بأدوات التحليل "الساذج" و"اللاواقعي" تدّعي التموقع في المنطقة الوسطـــى، بل يمكن أن نضيف برحابة صدر السلفية ومجموعات الحنين إلى الماضي القريب، ولما لا المجموعات التروتسكية والفوضوية المتشظية.
اقرأ المزيد
أفكار أولية في تطوير القيادة التربوية : العدد 15 - 2012/10/19
من بين القضايا الحيوية والتي لا يتم تداولها بشكل موضوعي وشفاف مسألة القيادة التربويـــــة التــــي تخضـــع إلـــى حـــد الآن إلى تجاذبات لا تربوية، بينما المطلوب وضع معايير الانتداب ومقاييس التكوين وطبيعة الدور في مؤسسة تربوية ستكون مرآة عاكسة لما يدور في رحم المجتمع. إذ لا يمكن للمدرسة التونسيــة أن لا تساهم بفاعلية في انجاز استحقاقات التحول الثوري في بلادنا وأن لا تقدّم الصورة المناسبــــــة لتونـــس جديـــدة. فهـــل من المقبول الحديث عن قيم الديمقراطية والمشاركة والعمل الجماعي دون أن يقطع إطار الإشراف مع أدوار تتماهى مع الامتثالية والخضوع وانعدام المبــــادرة؟ بأي معنـــــى تتطــــور المدرســــة ما لم ينتقل كافة الفاعلين التربويين من وضعيات التنفيذ الآلي إلى دور المساهمين والمبادرين والمشاركين في صناعة الشأن التربوي واتخاذ القرارات؟
اقرأ المزيد
انهيار الاستبداد: انتصار للحرية أم انتصار للدولة ؟ (2) : العدد 12 - 2012/09/07
أشار الجزء الاول من المقال الى الفرصة التاريخية التي أتاحها الحراك الثوري العربي لتأسيس الحرية وبناء الديمقراطية نظريا ومؤسساتيا كمقدمات ضرورية للدخول في الحداثة العميقة. وبيّنا أن تحقيق هذه الإمكانية يستوجب من القوى الاسلامية ( النهضة- العدالة والتنمية- الحرية والعدالة) الاشتغال على حـل مجموعة من المفارقات الجوهرية في مستوى البنية الفكرية ومضامين السلوك السياسي، تناولنا المفارقة الاولى المتمحورة حــــول خصوصيـــات دور الديـــــن فـــي المجتمــع. ونطرح في الجزء الثاني من المقال المفارقات الأربعــة أو الإشكالات التي لابد للإسلام السياسي أن يجترح مسالك حلّ لها وروافد اجتهاد حقيقي يجعلنا نعيش حداثتنا وعصرنا.
اقرأ المزيد
انهيار الاستبداد: انتصار للحرية أم انتصار للدولة ؟ : العدد 11 - 2012/08/24
انتهى العنوان أو العنــــاوين الأولـــى لبعض الثورات العربيـــة ولكن لم تكتمل بقية الفصول أو هي في حالة مخاض شدّيد. ويحق لنا السؤال بل من المفروض أن نسال مـــاذا بعد الحـــراك الثوري؟ وما هو الفصـــل العربي القادم الـــذي سيلي أو سيأتي بعد الربيـــع؟ ما هي المآلات الممكنــــــــة للثورات العربيـــــــــة؟ وما هي ملامح ما بعد الاستبداد؟هل سيكون الزخم السياسي سندا للحرية كقيمة فردية ومجتمعية وإنسانية أم سيكون مجرد تغيير "اللاعبين" السياسيين؟هل يفضي الربيع العربي إلى براعم الحرية أم إلى تجديد وتجدد أظافر دولة الاستبداد؟
اقرأ المزيد
الديمقراطية: التسامح أساسها والتوافق جوهرها : العدد 7 - 2012/06/29
لا يشك أحد أن الشباب هي الفئة المهيأة بمنطق العدد و بروح العزيمة وبطبيعة الإيمان العميق الذي يسكنها، و حرارة تطلعها نحو المستقبل وقابليتها للتجدد والتجديد، ولما كان الشباب الطاقة الحية في المجتمع، وحاملا للآمال والطموحات، فلا يمكن التأسيس لتقاليد حوارية وثقافة ديمقراطية دون تشريكه. ومن هذا المنظور تقر مجمل السياسات التي تعتمدها مختلف بلدان العالم بهذه القوى كقاطرة للتغيير وعامل للتحول لا يمكن إقصاؤه أو تهميشه، فالحديث عن مفهوم التغيير الاجتماعي يرتبط وثيق الارتباط بموضوع الشباب ومنظومة القيم. والمجتمعات الإنسانية في كل مرحلة من مراحل تطورها تتحرك وتنمو لتواكب المستجدات سواء كان ذلك في نطاق المؤسسات أو في مجال المثل والمعايير. وتعد فترة الشباب فترة مرتبطة بالتنشئة والإعداد والتكوين، بغاية التدريب واستيعاب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، تهدف إلى ترسيخ صورة الشباب كفاعل أساسي في مشروع التحول الاجتماعي، وجسر للتواصل، ومقوم للحوار الثقافي والسياسي، وعامل على تقريب الفجوة بين الرؤى ووجهات النظر.
اقرأ المزيد
النخبة في تونس: المتاهة و قلق الإصلاح (5) النخبة التقليدية والنخبة السبرانية : العدد 6 - 2012/06/15
إن المشروع الإصلاحي والمجتمعي الذي دشنته الدولة الوطنية بتفكيك جامع الزيتونة برمزيته المكثفة وتهميش علماء الدين، و محاصرة كل أشكال التدين بشكل منهجي مفرغا المجتمع ومؤسساته من كل مظاهره، انبثقت عن التحديث الفوقي آثار سلبية، و تبلور على هامش ذلك خطاب "الإسلام السياسي" الذي تضخم هيكليا ولم ينجح في طمأنة النخب السياسية والثقافية، وإقناعها بأنه جزء من النخبة الديمقراطية لأخطاء فكرية وإستراتيجيته ارتكبها، ضخمت حالة التخوف والتوجس منه، و أسرعت السلطة لمحو وجوده التنظيمي. بل ضيقت السلطة على خطاب تقدمي وتنويري ممثلا في نخبة مثقفة أصدرت مجلة (15-21) روجت بالتضافر مع منتدى "الجاحظ" لقيم الحرية والتسامح والانفتاح مهتمة بالمسائل الثقافية وقراءة نقدية وتاريخية للتراث ، ومثمنة الحوار والحرص على تأسيس عقد ثقافي مجتمعي ينبذ الانغلاق الثقافي و احتكار الهوية أو احتكار الحداثة.
اقرأ المزيد
النخبة في تونس: المتاهة و قلق الإصلاح (4) الإطلالات النقدية للنخبة المثقفة وانزلا قات خطابها : العدد 5 - 2012/06/01
رغم "السياج" الشديد اخترقت بعض النخب المثقفة السقف الضاغط ومارست دورها النقدي وتمردت على مربع الدور المحدد، و صدرت العديد من المجلات منذ سنة 1963 ذات النفس النقدي ، مثل مجلة "التجديد" التي تضم خيرة النخبة المثقفة الحداثية( المنجي الشملي- توفيق بكار- صالح القرمادي- البشير التركي- عبد القادر المهيري)، و مجلة" الطليعة" و مجلة "منبر التقدم" التي أسسها أحد رفاق بورقيبة الدكتور سليمان بن سليمان . تناولت هذه المجلات مسائل سياسية ذات صلة بالأمور الثقافية، فقد عرضت مجلة "منبر التقدم" مثلا مسألة الديمقراطية في العدد 2 ، وتوضيح حول الوحدة الوطنية في العدد 11، وفضح التعتيم الإعلامي في العدد 21، وطرحت مجلة "التجديد" الجهاد في سبيل الديمقراطية الخلاقة، وتكوين المفكر الأصيل في خدمة الشعب في العدد 1، وخصصت العدد 10 لموضوع دور رجل الفكر في تونس (سنة 1961)، وفي العدد 9، ضعف الثقافة التونسية وطرحت سؤالا" هل لرجل الفكر والأدب والفن دور في المجتمع، فإن كان ما هو؟ وما هي غايته؟"، لم يجب عن السؤال أي من المثقفين المستجوبين، ( و علقت المجلة: لعل هذا الإغفال يدل على أن السؤال سابق لأوانه في بلادنا) .(1)
اقرأ المزيد
النخبة في تونس: المتاهة و قلق الإصلاح (3) مجتمع الدولة ونخبة الدولة والإطلالات النقدية : العدد 4 - 2012/05/18
مع تركز الاستعمار الفرنسي ونشر هيمنته العسكرية والإدارية على البلاد التونسية،أحدث تشويه في النسيج الاجتماعي والثقافي، و عمل على تمزيق النخبة وإحداث انشطار بين نخب حداثية وعصرية متخرجة من المعهد الصادقي ونخب تقليدية متخرجة من جامع الزيتونة، وخلق على مستوى المسميات وهيئات التدريس والمؤسسات التعليمية، حاجزا مؤسسيا و نفسيا، بتوظيف خريجي المعهد الصادقي من النخب الحديثة والتغافل عن الزيتونيين أو بتشغيلهم في أنشطة إدارية دنيا. كما زرع المستعمر بذور الانفصال والتفرقة وعدم التعايش "الاستراتيجي" بين رؤيتين ومقاربتين، جاعلا من الإقصاء أداة تسطيح للمساهمات وإفراغ لثرائها وشل للدينامية الداخلية لخطاباتها. مروجا أنه لا يمكن أن تتقاطع النخبة العصرية والنخبة التقليدية، فارضا قانون الصمت أو الصمت المتبادل ، والصمت لا يحرك والتجاهل لا يثير الفكر ولا يخصب الرموز، بل يزعزع الثقة و القيم. و تكثفت أثناء النضال الوطني النخبة في نخب سياسية بامتياز أو بصفة دقيقة اتخذ المثقفون خصائص السياسي (رجل السياسة)، ولعل طبيعة المرحلة جعلت من الكفاح السياسي له الأولوية على الثقافي وإن كان الثقافي وحتى الاجتماعي والنقابي حاضرا بعمق. وهذه الفواصل التي رسمها المستعمر الفرنسي وغذاها وضخمها ساهمت بشكل غير مباشر في الانشقاق الذي حصل سنة 1934 بين الحزب الحر الدستوري التونسي والحزب الحر الدستوري الجديد، ولم تستطع الحركة الوطنية الحفاظ على وحدتها والصمود أمام الصراعات الداخلية. ودون الدخول في تفاصيل الصراع نكتفي بالإشارة إلى نقطة وحيدة أن ما روجت له دعاية الخط المنتصر من أنه انشقاق بين حزب "نخبوي" ارستقراطي وحزب "شعبي" خاطئة تاريخيا، وهي فكرة فندها هشام جعيط مبينا أن الفكرة التي ترى أن الحزب القديم "نخبوي" (بالمعنى السلبي) أي منفصلا ومتساميا عن الجماهير لا أساس لها من الصحة، معتبرا أن خلاياه وشعبه امتدت إلى فئات اجتماعية متنوعة.(1)
اقرأ المزيد
النخبة في تونس: المتاهة و قلق الإصلاح (2) السياسي المثقف و المثقف السياسي: تكامل أم تناقض : العدد 3 - 2012/05/04
إن النخبة المثقفة بما هي الفئة التي تنتج الرموز الثقافية وتنشر معيارية القيم والآفاق المعرفية، لا تبعث في فضاء إقليدي متجانس أو توجد فوق الأحداث، بل تساهم الأحداث الخارجية في إثارة قدرتها على الإجابة وتقديم الحلول، دون أن تكون الإجابات مجرد استجابات ميكانيكية. مثلما يرى البعض وكأن صدمة نابليون كحدث عسكري هي القادحة للإرث الإصلاحي في البلاد العربية عموما وفي تونس خاصة، رغم أهمية الحدث وزخمه واستتباعاته المؤكدة. لا يمكننا التغافل أن العديد من السياسيين احتكوا بأنظمة أوروبا ونخبها قبل أن تطأ أقدام نابليون أرض مصر من خلال الزيارات والسفراء (المبعوثين)، ففي البلدان المغاربية كان هناك احتكاك مع البلدان الأوروبية عبر السفراء الذين كانوا يعودون إلى بلدانهم فينقلون ما شاهدوه وما تابعوه هناك. فالزيارات والتفاعلات مع فرنسا والأفكار التنويرية و الحداثية كانت كثيفة، ففي أربعة سنوات مثلا زار خير الدين باشا كمبعوث للباي أكثر من 12 بلدا أوروبيا. وقد انبهرت البعثات (العلمية – الدبلوماسية- التجارية...) بالتقدم الأوروبي علميا وتقنيا وسياسيا، واعتبر كل من خير الدين التونسي وابن أبي الضياف أن التقدم التكنولوجي وبنية النظام السياسي هي السبب و المسبب في تقدمهم ، ورأوا أن ازدهارهم وتطورهم ناتج عن معايير سياسية ونواميس الحرية لديهم. فهاجس الإصلاح ناتج عن شعور بخطورة الأوضاع وحالة الضعف الشامل، في مقابل الآخر"المتحضر" و"المتقدم"، أي لعب استحضار الآخر/ الأوروبي دورا هاما في رصد المتغيرات الجديدة عبر مقارنة أوضاع البلاد التونسية ونظامها السياسي بأوضاع أوروبا وأنظمتها.
اقرأ المزيد
النخبة في تونس: المتاهة و قلق الإصلاح (1) المنسوب المكثف لمفهوم النخبة : العدد 2 - 2012/04/20
هناك ثلاثة مداخل في مباشرة النخبة في تونس: (1) تتبع الأصول الاجتماعية للنخبة وانتماءاتها المجتمعية ،وقد يؤدي ذلك إلى تشريح اجتماعي عام مع تصنيفات فئوية، إلا أن ذلك قد يحجب عنا الهجرات الاجتماعية في اتجاهاتها المختلفة. (2) التناول التأريخي المحض لخطابات النخبة ومنزلتها وأدوارها، وهذا يتطلب الاشتغال على تفاصيل المكونات النظرية و المفهومية والمنهجية، وقد يفضي ذلك إلى الانغماس في مقارنات غير خصبة الآن وهنا. (3) تطبيق مفهوم المثقف العضوي الغرامشي، مما يثير مشروعيته الابستيمولوجية وفاعليته المفهومية والمنهجية، وقد يترتب عن ذلك استنتاجات متشائمة دون نجاعة معرفية. ننطلق في ورقتنا هذه، مستفيدين من كل المداخل دون الانزياح لمدخل دون آخر، لأننا نعتبر أن الظاهرة المعقدة complexe) ) تتطلب منهجية معقدة، وأن ظاهرة النخبة كظاهرة متشابكة تستوجب منهجية تعقدية وتركيبية، تدمج مختلف المداخل في شكل يحلل المفهوم- الظاهرة واستخداماته المتكاثرة، ونحن نعلم أن النظر في النخبة يستدعي أسئلة حارقة أكثر من الإجابات المطمئنة. لهذا حين سئل المرحوم محمود درويش أن يحدد ماهية "المثقف العربي" أجاب" من السهل أن أحدد جنس الملائكة من أن أعرف المثقف العربي"(صحيفة القدس العربي).
اقرأ المزيد
في استراتيجيات تقييم المنظومة التربوية بعد الثورة : العدد 1 - 2012/04/06
كل نشاط مجتمعي وإنساني لا بد أن يخضع لآلية التقييم، خصوصا حقل التربية والتعليم لما يمثله من عمق في صياغة ملامح الأجيال وبلورة قيم الشبان وكفاياتهم بما أنهم عماد نهضة المجتمع وتطويره والمساهمة في تنميته. و لا يختلف اثنان في أهمية الرهانات التي تمثلها المنظومة التربوية لكافة الأطراف دون استثناء، والدور التاريخي الذي تلعبه في نسج شبكة القيم والسلوكات الفردية والمجتمعية. إلا أن التربية فكرا وممارسة لم تخضع لدينا لمبدأ التقييم الشامل قبل الثورة ، بل إلى تقييمات مشوهة ومأزومة وأزمتها ببساطة من أزمة الاستبداد السياسي. فلا وجود لتقييمات جدية وعلنية وأفقية بل تتم في دوائر مغلقة ومقفلة لأبواب الحوار والجدل للنظر في اختيارات التربية وجدوى إصلاحاتها و طبيعة مآزقها وصعوباتها،فهي تكاد تكون من "الأسرار" التي لا ينبغي كشفها.
اقرأ المزيد