فوزي أحمد عبد السلام
حول اللغة كخاصية إنسانية ونبذة مختصرة عن نمذجتها الرياضية : 125 - 2017/12/01
نظام للتشغيل الجسدي والميتافيزيقي يقول السّيوطي نقلا عن الشّافعي في الرّسالة‏‏ «لا يحيط باللّغة إلاّ نبيّ‏»[1]، وقريب من ذلك قاله ابن فارس في الصّاحبي، وكأنّ اللّغة تحتوي على شيء ما له بعض معاني اللاّنهاية، ويقول جاليليو:«اللّغة أعظم الاختراعات البشرية قاطبة، فهي الوسيلة لتوصيل أفكارنا الأكثر سرّية إلى أيّ شخص آخر بعدد قليل من الأحرف»، مرّة أخرى يعكس لانهائيّة اللّغة. ويقول تشومسكي بتصرّف «تبدو ملكة اللّغة البشريّة «خاصّيّة نوعيّة» تختلف قليلا فيما بين البشر وليس لها شبيه ذو أهمّية في عوالم أخرى غير البشر، وهي المسؤولة عن امتلاك الجنس البشري وحده تاريخا وتطوّرا ثقافيّا، يتمّ توارثه، حتى إنّ العالم المرّيخي «عالم افتراضي يعيش على سطح المرّيخ» الذي يرصد الأفعال الغريبة على الأرض من الصّعب عليه أن يتجنّب الإصابة بالصّدمة من بروز وأهمّية هذا الشّكل الفريد ظاهريّا من التّنظيم الفكري، وقد يستنتج بشكل معقول أنّ ثمّة لغة بشريّة واحدة، مع اختلاف في الهوامش فقط»[2]. لهذا كلّه نؤمن أنّ الإنسان ليس حيوانا ناطقا وليس حيوانا عاقلا وليس حيوانا مفكّرا. نحن نؤمن أنّ الإنسان إنسان وأنّ الحيوان حيوان، والفارق أنّ الأخير من الممكن فهم كلّ شيء يصدر عنه بشكل آلي ومن ثمّ نمذجته، أمّا الإنسان فلا يمكن بحال من الأحوال فهم كلّ ما يصدر عنه بشكل آلي. فالطّفل لا يولد ككائن بيولوجي فقط، لا يولد ككيان فارغ ثم يملأ من خلال التّصرفات الخارجيّة من حوله، وإنّما يولد وبداخله عالم جوّاني، هذا العالم الجوّاني لا يوجد في الحيوان، يولد الطفل وبه نظام تشغيل للبعد المحسوس أو للماكينة المسمّاة بالجسد «وهو يتّفق مع الحيوان في ذلك» مثل الأكل والشّرب والنّوم والتّكاثر ...إلخ،
اقرأ المزيد
حين لا يسعك الصمت ولا الكلام : 124 - 2017/11/03
دخلنا منذ زمن طويل في ثقب أسود. يتنامي عدد الثّقوب السّوداء غير المعزولة في منظومتنا المعرفيّة باستمرار حتّى كاد أن يبلغ حدّ اللاّنهاية ولا أدري ماذا بعد اللاّنهاية، لا قوانين تحفظ العلاقات بين النّاس، تدان على كلّ شيء وضدّه، تتماهى الأقطاب المتناقضة، تضيع الحواجز والفوارق بين الصّمت والكلام. كنّا في الماضي - حين ننشد السّلامة - نتعلّم «أمسك عليك لسانك وابك على خطيئتك وليسعك بيتك»، والآن لم يعد بيتك يسعك حتّى لو أمسكت عليك لسانك، لم يعد الصّمت يغني عنك من الاستبداد شيئا، فقد علم المستبدّون أنّ «الصّمت فنّ من فنون الكلام»، فعندما نصمت يستقيل الجزء الظّاهر من اللّغة وهو الكلام، ويبحر الإنسان داخل نفسه في عالمه الخاصّ وداخل الظّواهر، وربّما أبدع أكثر وأكثر ممّا لو تكلّم، وكانوا يعلّموننا أيضا «لا تتكلّم فللجدران آذان»، أمّا اليوم فقد صار للصّمت تُرجمان، هذه ضريبة صمتنا بل نومنا لقرون طالت أكثر من مدّة أهل الكهف، حتّى انقلبت المفاهيم وظنّنا أنّ طول النّوم يمدّ في الأجل، ندفع ثمن هذه الغفلة غاليا من تخلّفنا، فقدنا عُملة التّداول العقلي بيننا، نقاشاتنا أقرب إلى الاتهام والتّخوين منها إلى النّقاش العقلي الجادّ لاستجلاء الحقيقة، فقدنا مفردات اللّغة التي نتفاهم بها، عدنا إلى ما قبل «وعلّم آدم الأسماء كلّها». هذه ليست لغة تشاؤميّة، ولست يائسا من إصلاح ما نحن فيه، لكنّها محاولة توصيف مختزل جدّا لحالتنا، وواجب الوقت هو محاولة الخروج من هذا التيه، وأقلّ ما فيه فضّ الاشتباك الاستبدادي بيننا، لأنّ الاستبداد لم يعد يخصّ علاقة السّلطة بالمواطن لكنّه تعدّى إلى علاقة المواطن بالمواطن وربّما كانت علاقة المواطن بنفسه.
اقرأ المزيد
المسافة بين الحقيقة والبرهان في رحلة البحث عن اليقين : 123 - 2017/10/06
اليقين مع دخول اللاّنهاية البرهان علي صحّة جملة ما أو خطئا شئ عظيم بل وجميل ولكن تظلّ هناك مسافة بين الحقيقة كما هي والبرهان على ما نظنّ أنّه حقيقة، وفي واقع الأمر نحن لا نبرهن إلاّ على ما نعتقد صحّته وفق مجموعة نعتقد أنّها معطيات وبديهيّات هذا الشّئ، وممّا يدلّ على ذلك تعديل كثير من التّصورات بمرور الزّمن مع استمرار الشّك حتّى فيما حسم بيقين عند البعض. أنظر إلي هذه المفارقة في إثبات أنّ شيئاً ما غير قابل للإثبات وغير قابل للنّقض، لقد قام «كورت جوديلKurt Gödel» في عام 1940 بإثبات أنّ فرضيّة الاتصال التي قدّمها «جورج كانتور» وهي حدس رياضي عن أحجام اللاّنهايات 1878 م لا يمكن نقضها، وفي عام 1963 أثبت بول كوهين أنّه لا يمكن إثباتها. لذلك يعتبر اليقين كلمة محبّبة جدّا إلى كلّ النفوس سواء تلك المطمئنة بإيمانها أو المزلزلة بشكوكها لأنّ الإنسان بشكل عام يحتوي بداخله على الإبهام والارتباك والحيرة، وربّما ينبغي أن يكون اليقين نقطة مرجعيّة خارج تركيبة النّفس. وإذا كان الصّفر «المعبّر عن العدم» هو النّقطة المرجعيّة للقياس في دنيانا الطّبيعية، إلاّ أنّنا لا نستطيع قياس العدم نفسه. فإنّه ينبغي أن تكون اللاّنهاية هي النّقطة المرجعيّة لكلّ وجودنا، ولن نستطيع أيضا قياسها، وربّما يكون من الخطأ سحبه أي اليقين على دنيانا المليئة بالشّكوك.
اقرأ المزيد
نظرة الغرب للحج : 122 - 2017/09/01
في الوقت الذي يحرص فيه الغربيون على الحفاظ على وحدة دولهم وبناء التكتلات [2] نجدهم جاهدين منذ القدم في تفكيك التكتلات الإسلاميّة وآخرها الدولة العثمانية التي تمّ تفكيكها عبر «سايكس بيكو» أسوأ اتفاقية في التاريخ الحديث، وتأتي فريضة الحجّ لتكون جرس إنذارسنوي عالمي يحيي في نفوس المسلمين آمال الوحدة ومعلنا أن الأمة المفتتة ليست أمّة ميتة. يغرس الحجّ في الأمة فكرة مفادها أن اتفاق الملايين القادمة من كل فج عميق في المظهر والحركة والغاية لابدّ وأن يؤدي إلى الوحدة في الواقع. تطبيق عملي لوحدة الاعتقاد يأبي مبدأ التقسيم القطري الذي يحارب من أجله الغرب لتبقي دولنا مفتتة ويؤكّد أنّ الدّين له أعظم الأثر في النفوس من القيم التي يسعى الغرب إلى ترسيخها
اقرأ المزيد
مآلات تطبيع الفقه مع السياسة : 121 - 2017/08/04
أفكّر مرّة بعد مرّة في حديث النّبي صلّي الله عليه وسلّم الذي قال فيه:«لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضاً: الحكم، وآخرهن الصلاة»[1]، وكنت أرى أن فقهاء[2] كثيرين يفسّرون ذلك بأنّ نقض الحكم في الحديث هو الحكم بغير ما أنزل الله. وهذا وإن كان لا شكّ في صحّته إلاّ أنّه آخر ما ينقض في الحكم، فالحكم عمليّة في غاية التّعقيد والتّركيب، فلا تنقض دفعة واحدة، وبالتّالي كنت استنتج أنا من الحديث أنّ نموذج الحكم الإسلامي قد تمّ تجسيده بشكل عمليّ كامل في عهد النّبوة واستمرت الخلافة الرّاشدة علي نفس النّهج وأنّ بداية الانتقاض الفعلي منه ستكون عمليّا في سياسة اختيار الحاكم - حتّى وإن حكم بما أنزل الله - فهو العمل الجماعي الأكبر والنّاظم للأمّة كلّها، وذلك ربّما يؤيّده حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تكون النّبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النّبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون مُلكا جبريّة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النّبوة ثمّ سكت»
اقرأ المزيد
رؤية تفكيكية لبنية الهزيمة : 120 - 2017/07/07
يولد الإنسان على الفطرة التي فطر الله النّاس عليها وهي تمثّل الرّصيد الغيبي الضّخم في التّفاعل مع المتناقضات في الواقع، في مقاومته للتّغير ابتداء ثمّ قبوله إذا تمّ الاقتناع به، وتظلّ الفطرة هي المنارة التي تهتدي بها النّفس عندما تقع في ظلمات الحيرة والشكّ وتتقاذفها التّناقضات من كلّ جانب، والملاذ الآمن الذي يلوذ به الإنسان إلى رشده حين يخلو بنفسه وربّما حين تتوقّف أدوات العقل، حين لا يعرف الإنسان كيف يثبت أو ينفي ولا يكون إلاّ الاطمئنان الدّاخلي، وإذا لم تكن الفطرة قد شوّهت فإنّ النّفس سرعان ما تؤوب إلى اليقين وإلى السّكينة، تؤوب إلى الحالة التي تعاين بها النّفس أحيانا الحقيقة شبه المطلقة، وتكون النّفس مستعدّة لأن تضحي بالجسد في سبيلها،
اقرأ المزيد
البساطة والجمال في البنية الرياضية للطبيعة : 119 - 2017/06/02
يقول الجاحظ: «المعاني ملقاة في الطّريق يعرفها العربي والعجمي، وإنّما الشّأن في إقامة الوزن وتخيّر اللّفظ وسهولة المخرج وجودة السّبك فإنّما الشّعر صناعة وضرب من النّسج وجنس من التّصوير». لذلك أقول المعاني تشبه الرّوح، ليس لنا فيها كثير ولا قليل، والتي هي هبة من الله للطّين حوّلته إلى إنسان، أمّا الذي لنا فيه دخل كبير فهو صبّ تلك المعاني في قوالب، ولذلك قيل الألفاظ قوالب المعاني وقد يكون المعنى عاليا وصبّه الإنسان في أردى قالب. ومعاني الطبيعة كتاب مفتوح من الذّرة إلي المجرّة وأعظم قالب استطاع الإنسان إلي الآن صبّ معاني الطّبيعة فيه هو القالب الرّياضي. بل وتتمثّل النّقلة النّوعية الكبرى في الحضارة الغربيّة في نجاحاتها المتكرّرة عبر محاولاتها غير اليائسة في وضع نماذج تفسيريّة للظّواهر الطّبيعيّة التي تنتمي لصف واحد، ثم يبحث بعد ذلك في توحيد تلك الصّفوف في نماذج تفسيريّة كبرى أشبه بالسّرديّات الكبرى في علم الاجتماع، وتوضع معظم هذه النّماذج،إن لم يكن كلّها، في هيئة بنى رياضيّة تتّصف أول ما تتّصف بالمعياريّة ثمّ الصّرامة ثم البساطة ومن ثمّ الجمال. ولا يعني ذلك أنّ الإنسان قد وصل إلى هذا القالب الرّياضي المبهر للطّبيعة بقفزة واحدة بل بقفزات تراكميّة للحضارة البشريّة ساهم فيه كلّ البشر من عرفه التّاريخ ومن لم يعرفه.
اقرأ المزيد
ألحان حزينة من الغربة : 118 - 2017/05/05
لي صديقان حميمان أحدهما مصريّ والآخر تونسيّ وليس للتقديم تفضيل للمصري على التونسي، فليس إلاّ عامل الزّمن والسّبق إلى الصّحبة ومشاركة المجال، فقد عرفت المصري وأنا أستهل الثّلاثينات من عمري وعرفت التّونسي بعد ذلك بعشر سنين، فكانا نعم الصاحبين. وهما من أحب النّاس إلى قلبي، يجمعنا نحن الثّلاثة الاغتراب عن الوطن، في وطن للمسلمين أجمعين، تشعرك المعيشة فيه أنّك لست في غربة، لكنّ عصر الغثاء الذي نحياه يؤلمك أكثر وأكثر ويشعرك أنك غريب عن الدّنيا كلّها. هذه الحالة الغثائية تتعاظم هنا جدّا، فالملايين في الحرمين في كلّ صلاة، وعلى عتبات الأقصى لا يستطيع المسلمون، وخصوصا أهل القدس، الصّلاة. تشعرك هذه الحالة بأنّنا لسنا فاعلين، وفي الحقيقة لا وزن لنا في الحضارة الحديثة، حتّى دخولنا في لعبة موازين القوى هي من قبيل الغنيمة الثّمينة التي يتقاسمها أطراف اللّعبة غيرنا، أي أنّنا مفعول بنا على الحقيقة والمجاز، تُغتصب الأوطان حتى النّخاع، حتى من بني جلدتنا ويصادر بعضنا بعضا حقّ الحياة وحقّ الحرّية و.. و... غربة حقيقية أن نعيش في حالة لا نعمّر فيها أرض ولا إنسان.
اقرأ المزيد
الموت نهاية البداية وبداية اللانهاية : 117 - 2017/04/07
يقول الله تعالي: «وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ»[1]، خلق الإنسان للخلود، لكن ليس في الدنيا خلود، فلابدّ من الخروج منها أوّلا ثمّ العودة من غربتنا فيها إلى الدّيار التي خلقنا فيها، ولا أدلّ على ذلك من الناحية العقليّة الصّرفة من الخوف الفطري المبثوث في كلّ النفوس من الموت والذي يبلغ أحيانا حدّ الذّعر، فلو لم يكن بعد الموت شئ إلاّ الفناء، لما كان للخوف منه أيّ مبرر، ولما ملئ كلّ النّفوس ولما أصبح هو القاعدة، حتّى إنّ الخوف من الموت نفسه هو في حدّ ذاته باعث على حبّ الخلود الزّائل في الدّنيا وعلى إثبات الخلود الحقّ في الآخرة. وثبات البعض عند الموت ورباطة جأشهم هو ثبات يظهر لنا قبل حلول مقدّمات الموت الحقيقة، وإلاّ فدخول نفق الغيب المطلق يحول بينه وبين أولئك الذين يعيشون في عالم الشّهادة. بل ويدلّ على أنّ ما وراء هذا الثّبات هو استقرار فكرة الخلود في نفسه، وأغلب الظّن أنّ الخوف من الموت هو خوف من معرفة الحال المجهول في عالم اللاّنهاية. ولا أدلّ على ذلك أيضا من النّاحية النّقلية من قصّة نبي الله موسى عليه السلام حين عرض عليه ملك الموت أن يضع يده على متن ثور فله بكل شعرة «مستها يده» سنة؟ أي يعيش سنين عددا بعدد الشعر التي تقع تحت يده، كان جواب موسى عليه السلام: ثم ماذا؟ فأجابه الملك: ثم الموت، فأجاب نبي الله موسى على الفور بجواب المؤمن بالخلود بعد الموت: فالآن [2].
اقرأ المزيد
أزمة الأخلاق في الصراع الأيديولوجي : 116 - 2017/03/03
يظنّ البعض أنّ الأخلاق مسألة شخصيّة تفرضها جملة المعتقدات بشكل إلزامي فردي، وتنعدم عند المرور من المجال الخاصّ للفرد إلي المجال العام للسّياسة المشبّع بجملة من الإكراهات يفرضها القانون ومن ثمّ لا يوجد إلاّ المصلحة والمصلحة فقط، لكن في الحقيقة تتبلور الأخلاق الفرديّة ومن محصلتها تنبع الأخلاق الجماعيّة أو القيم والتي يمكن تعريفها بأنّها «جملة المقاصد التي يسعى القوم إلى إحقاقها متى كان فيها صلاحهم، عاجلا أو آجلا، أو إلى إزهاقها متى كان فيها فسادهم، عاجلا أو آجلا» [1]. وبالتالي فلا يمكن النّظر إلى قانون السّياسة المصلحي بمعزل عن قانون الأخلاق القيمي، فكلاهما يغذّي ويتغذّى من الآخر لكن بعد تكييفه لذلك. فمثلا، لا يكون السّلوك الفردي الحرّ إلاّ بالاقتناع وهو جوهر الأخلاق الفرديّة والتي تختلف من فرد لآخر ومن ثمّ لا يمكن أن يكون الاقتناع ضمانة لسياسة فاعلة وفعّالة، لكن من الممكن تكييف الاقتناع بالتّوافق لمصلحة الوطن، وهذا هو الاختلاف الذي يراه «ماكس فيبر» بين أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤوليّة. إذ أنّ الحياة السّياسية من الممكن أن تفسد وتؤدّي إلى نتائج كارثيّة بالأخلاق المثاليّة مثل الصّدق والطّيبة والإخلاص المعلن، كما أنّ قرارا سيّئا من وجهة النّظر الأخلاقيّة قد يعطي نتائج جيّدة. لكن المشكلة تكمن في تضارب المصالح عند دخول حلبة الصّراع السّياسي وكلّ منا محمّل بهموم أيديولوجيّته «دولته الذّهنية» لا بهموم وطنه، وكما يقول أحد المفكّرين «نحن نخدم الدولة لأنّها ضروريّة، لكنّنا لا نحب الدّولة ولا يمكن لنا أن نحبها، لا يمكن أن نحبّ إلاّ الوطن الذي يعدّ رمز القيم الأخلاقيّة والدّينية التي تتجاوز الدّولة».
اقرأ المزيد
الديموقراطية آلية أم نظرية للحكم : 115 - 2017/02/03
تنشأ الأفكار أول ما تنشأ بشكل مجرد وحرة من كل قيد داخل رؤوس الفلاسفة والمفكرين بل وبأشكال متباينة للفكرة الواحدة، لكنها حين تعبر إلى الواقع لابدّ من تهذيبها وتقييدها بقيود يتّفق عليها جميع المهتمين بها. والحرّية مثال جيّد على تلك الفكرة المجرّدة والحكم هو تقييدها في الواقع. ولمّا كانت الحرّية هي أثمن ما يملك النّاس وهي الطّريق الحقيقية للإبداع، بدء من اختيار المعتقد دون أيّ قيود، وانتهاء بممارسة الفعل الحضاري، ولمّا كان مفهوم الحرّية عند المؤمنين مرادف لمفهوم العبوديّة المطلقة لله، فمعنى أن تكون عبداً لله، هو أن تكون حرّاً إزاء غيره مهما كان. لذلك كان ولا بدّ من تقييد الحرّية بنظام للحكم يمنع الفوضي عند ممارستها من جهة الجماهير، ويمنع استبداد الحاكم من جهة تقييدها. فليس من الحرّية مثلا الاعتداء على أجساد أو أموال الآخرين. ولمّا كانت الحرّية المطلقة أسبق في الظّهور والفهم من إنتاج قيود لها لذلك اعتدى الإنسان على أخيه الإنسان حين قتل قابيل هابيل، وسبق إخضاع الإنسان الضّعيف لرغبات القوي، فيما عرف بعد ذلك بعصور الديكتاتوريات، حتى أنتج الفكر البشري فكرة أن يحكم الشّعب بشكل مباشر في القرن الخامس قبل الميلاد وسمّيت حينئذ «الدّيمقراطية»، لكن هذه الفكرة غابت لقرون أخرى وسط ديكتاتوريات جديدة إلى أن أعيد إنتاجها بشكل حديث في القرون الثّلاثة الأخيرة في عصر الأنوار في أوروبا. لكن الجدل الدائر في عالمنا العربي الإسلامي لم ينته من وقتها، هل الديمقراطية مذهب سياسي للحكم أم طريقة إجرائية للوصول إليه.
اقرأ المزيد
بناء الأنماط وكسرها : 114 - 2017/01/06
لكي تنهض المجتمعات وتصنع وتشارك في الحضارة الإنسانية، لا بدّ من قدر معقول من الاستقرار الحقيقي، لكنّ هذا الاستقرار يجب ألا يكون مرادفا للسّكون المطلق، وفي ظلّ وارف من الحرّية تترسّخ خلاله الأفكار البناءة في العقل الجمعي. ووجود سلطة قويّة تقوم على النّهضة وترعاها، فنحن في زمن يفوق قدرة الأفراد كمجهودات فرديّة في تنشئة الحضارات، فالشّركات العابرة للجنسيات معظمها إن لم يكن كلّها ليست شراكات أفراد عاديّين بل شراكات أنظمة سلطويّة في الغالب أو أفراد فاعلين في مراكز السّلطة واتّخاذ القرار في بلدانهم. فالسّلطة القوية وحدها هي القادرة على إنشاء المصانع العملاقة للصّناعات الثّقيلة بل وفرض تشريعات تؤطّرعليها المجتمعات أطرا، ولو فسدت السّلطة فقل على المجتمع السّلام.
اقرأ المزيد
يا وطنا يسكننا ولا نسكنه: وطن بلا مواطنة : 113 - 2016/12/09
في ظلّ غياب تطبيق منظومة العدالة، يسكننا الوطن ولا نسكنه حتّى وإن كنّا فيه، تنهار قيم الانتماء حتّى ولو تغنّينا بها. يسود شعور بالغربة داخل الوطن، ولا تكاد تشكّ أنّ الوطن محتلّ من فريق من بني جلدتنا يتكلّمون بألستنا، لكنّهم صادروا كلّ شيء، الأرض والإنسان والقيم لأنفسهم. هذه فحوى عبارة رأيتها منذ حوالي ربع قرن من الزّمان في منزل مؤرخ فاضل وهي «يا وطنا يسكننا ولا نسكنه» وكانت تحت خارطة جرح الأمّة النّازف «فلسطين الحبيبة»، تذكّرتها الآن فأثارت شجوني في الكتابة عن الوطن الذي يعيش بداخلنا والمواطنة التي لا ننعم بها فيه.
اقرأ المزيد
الحج المبرور ولادة ثانية : 111 - 2016/10/07
الحج هو الفريضة التي تجمع طرفا من كل أركان الإسلام، فرحلة الحج أصلا رحلة التّوحيــد، تنفي كلّ أشكال الألوهيّات الباطلة وترسّخ ألوهيّة الله عز وجل فقط، وهي بذلك تجسّــد عمليّــا الرّكـــن الأول من أركـــان الإســلام، ويأخذ الحجّ من الصّلاة الإعراض عن الدّنيا «فالله أكبر» إحرامنـــا بالصّلاة و«لبيـــك اللّهم لبيـــك» إحرامنــا بالحــجّ وكليهما بمعان متقاربة تحرّم عليك أمــورا كثيــرة من الدّنيا تناديك من داخلـــك بأن تترفّـــع عن اللّغــو، ويشارك الصّيــام في الخشيــة والتّقــوى والمســاواة، ويشترك مع الزّكـــاة في البـــذل والتّضحيــــة والإنفـــاق. لذلك كان الحـــــجّ مؤتمرا عالميّا لإطـــــلاق الرّوح وتقييدهـــا بمنبعهـــا «وَيَسْأَلُونَــكَ عَنِ الرُّوحِ قُـــلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُــم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً»(1) وتكبيل الجسد وتحريكه من خلال أوامر التّوحيد فمهمــا كنت متعبــا ستجد نفسك خفيفــا ساعيا لتنفيذ أوامر غيبيّة غير صادرة من بشــر، أرأيت قطرا بأكمله عدد سكّانه خمسة ملايين ينتقلــون في خفّة ويسر من مكان لآخر؟.
اقرأ المزيد
الانقلابات سنة العسكر المؤكدة - تركيا كلاكيت 2016 م : 110 - 2016/09/02
الانقلاب هو تحرك عسكري يستخدم القوّة أو يلوح باستخدامها، يتدثّر بغطاء شعبي أو مستقلّ عنه، يستهدف الإطاحة بالنّظام السّياسى القائم فى الدّولة لأغراض في نفس القائمين عليه وأغلبها السّيطرة على السّلطة. وقد تكون السّلطة المنقلب عليها شرعيّة أو غير شرعيّة، عادلة أو ظالمة، مدنيّة أو عسكريّة، لكنّ الأعراف استقرّت حديثا بأنّ استخدام القوّة في فرض الرّأي شيء مستهجن إلّا في الحالات المجمع على سرطنتها لجسد الوطن، حينئذ ينبغي استئصالها بكلّ سبيل. وعلى مرّ تاريخ الدّول الإمبراطوريّة منها أو القطريّة، كانت الجيوش تلعب دورا أساسيّا ومحوريّا في مرحلة التّكوين ومن ثمّ أصبح لزاما أن يستمرّ أساسيّة هذا الدّور في مرحلة الاستقرار.
اقرأ المزيد
الأيديولوجيا والسياسة انتحار أم ازدهار : 109 - 2016/08/05
تعرف السياسة في لسان العرب [1] بأنها القيام على الشيء بما يصلحه. وفي الحديث: «كانت بنو إسرائيل تَسُوسُهُمُ الأنبياء، كُلما هلك نبي خلفهُ نبيٌّ، وإنهُ لا نبيَّ بعدي، وسيكون بعدي خُلفاء فيكثُرون. قالوا : يا رسول الله فما تأمرنا ؟ قال: أوفوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، واسألوا الله الذي لكم، فإن الله سائلهم عما استرعاهُم»[2]. وتعرف السّياسة في الاصطلاح بأنّها فنّ إدارة ورعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية عن طريق صنع قرارت ملزمة لكلّ المجتمع تتناول قيم ماديّة وربما معنويّة أيضا، وتعرف إجرائيّا عند عالم الاجتماع الأمريكي «هارولد لاسويل» بأنها دراسة السلطة التي تحدد من يحصل على ماذا (المصادر المحدودة) متى وكيف، أي دراسة تقسيم الموارد - يشمل ذلك توزيع القوة والنفوذ- في المجتمع عن طريق السّلطة (ديفيد إيستون)، وعرفها الشّيوعيون بأنّها دراسة العلاقات بين الطبقات، وعرفها الواقعيون بأنّها فن الممكن أي دراسة وتغيير الواقع السّّياسي موضوعيا وليس الخطأ الشائع وهو أن فنّ الممكن هو الخضوع للواقع السّياسي وعدم تغييره بناء على حسابات القوّة والمصلحة.
اقرأ المزيد
عين على مجتمعاتنا من الداخل : 108 - 2016/07/08
أديت العمرة لتوي برفقة مجموعة من أهلي، وكما قال الصادق المصدوق «عمرة في رمضان تعدل حجّة معي» ولي في ذلك وقفة طالما استوقفتني كثيرا في عمرات كثيرة لي في رمضان وكنت أقول لنفسي لعلها مرّة ولم تصل لحدّ الظّاهرة، جموع حاشدة بالملايين لا يحدّها الناظرون في الحرمين الشريفين تجأر وتلهج لله بالدّعاء وتنفطر القلوب من البكاء وتبلّل الخدود بالدّموع، ثم تخرج الجموع الهادرة من الحرم وعلى بعد أمتار تتدافع بشكل غير آدمي على مركبات النّقل العام وعلى محلاّت الطّعام بل وقبل ذلك في الطّواف وعند الحجر الأسود، وعند الدّخول والخروج من وإلى صحن الكعبة حواجز ترفع وتوضع وتمنع من الوصول لزوجك وأولادك في لحظات، حيث لا نظام ولا ترتيب نخبط خبط عشواء.
اقرأ المزيد
بين التربية والتدريب : 107 - 2016/06/03
تختلف التعريفات في التربية اختلافا واسعا وجل هذه التعريفات تخلط بين مفهوم التربية ومفهوم التدريب. والتربية لغةً اسم مشتق من الربّ وهو المالك والسيد والمُدِّبر والمُربيِّ والقيِّم والمُنعم. وإذا حاولنا صك تعريف للتربية نقول بأنّها عملية إصلاح الناشئة للقيام بالدور الإنساني المختلف عن غيره علي أكمل وجه. وبهذا المعني قال الزمخشريُّ في التربية بأنها «التهذيب وعلو المنزلة»[1]. أما التعريفات الاصطلاحية فهي: مجموعة من العمليات يستطيع بها المجتمع أن ينقل معارفه وأهدافه المكتسبة ليحافظ على بقائه. ومنها تعريف هربرت هنان «التربية علم يهدف إلى تكوين الفرد من أجل ذاته، وبأن توقظ فيه ميوله الكثيرة» أما دوركايم فيذهب إلي الجانب الاجتماعي للتربية «تكوين الأفراد تكويناً اجتماعياً» ويرى الفيلسوف النفعي جون ستيوارت مل بأن التربية هي «التي تجعل من الفرد أداة سعادة لنفسه ولغيره». أما جون ديوي فيرى أنَّ التربية « تعني مجموعة العمليات التي يستطيع بها مجتمع أو زمرة اجتماعية، أن ينقلا سلطاتهما وأهدافهما المكتسبة بغية تأمين وجودها الخاص ونموهما المستمر. فهي باختصار«تنظيم مستمر للخبرة». بينما يعرف التدريب على أنه عملية كمية يقصد بها إستخراج الجانب المادي من العنصر البشري لأجل تنمية قدرات الفرد وتنمية مهاراته وسلوكياته في استخدام وتطوير التكنولوجيا الحديثة، مما يجعله قادراً على أداء مهامه على الوجه الأفضل.
اقرأ المزيد
تاريخ البلاهة : 106 - 2016/05/06
عن «تيران» و«صنافير» أتحدث، أتذكّر،أحلم، أتألّم، أنزف، أعطيت مقالي عنوانا غريبا نسبيّا وهو «تاريخ البلاهة» لأنّ ذلك يؤرّخ لعصر إنتاج البلاهة وسيادة التّفاهة وفشوّ الغباء وتوزيع الجهل الذي يراد لنا أن ننزل بساحته بل نحياه بكليتنا بأن نتنازل إن طوعا أو كرها عن جزء غال وعزيز من جغرافيا وتاريخ الوطن والتي هي أعزّ من جغرافيا وتاريخ الجسد الفردي، فجغرافيا الوطن هي تفاصيل الجسد الجمعي وتاريخه تفاصيل الذّاكرة الجمعيّة للأمّة، والتى كتبت ملاحمه بدماء المخلصين وآهات الثكالى والأرامل وأنات الأطفال اليتامي، ويتصرف فيه العملاء كأنّه التركة التي ورثوها عن ذويهم. وكأنّ الأوطان صارت منازل تستبدل بحفنة نقود بحثا عن منزل أرحب أو فندق تنتهي إقامتك فيه بنهاية حجزك له. يا سادة من يبتاع منزلا لايشتري تاريخ ساكنيه، لكن وفي نفس الوقت حين يتحوّل البائع إلى مسكن آخر يظلّ جزءً عظيما من تاريخه لا ينفك عن إحداثيات ذلك المسكن المبتاع من هذا الكون العظيم.
اقرأ المزيد
ثورة الفوضي تجريف للوعي وفقدان اختياري للأمة : 105 - 2016/04/08
تجتاح الفوضي عالمنا الإسلامي وخاصة العربي، تستبيح العشوائية حياتنا على كل المستويات، بدءً من المستويات المادية الحسية البحتة مرورا بالمستويات الخلقية وحتى المستويات المعنوية والفكرية، فوضي على المستوي الفردي والمستوى الجماعي. يختلط الحابل بالنابل، وكما يقول تيموثي ميتشل في كتابه «استعمار مصر» [1] نقلا عن جوستاف فلوبير في رسالة أرسلها الأخير من القاهرة في عام 1850 م «وها نحن الآن في مصر. فما الذي يمكنني قوله عنها؟ وما الذي يمكنني أن أكتبه لك فحتى الآن لم أكد أتجاوز الانبهار الأولي ... وكل تفصيل يبرز لكي يمسك بك، ويبرحك، وكلما زاد تركيزك عليه قل استيعابك للكل، ثم شيئا فشيئا يصبح كل ذلك متناغما، تتكامل الأجزاء من تلقاء نفسها وفقا لقوانين المنظور. أما في الأيام الأولى فيشهد الرّب أنّها فوضي ألوان محيرة ....» ثم يكمل جوستاف فلوبير وأنا أختصر اختصارا غير مخلّ، إن القاهرة اضطراب بصري، عصيّة على الوصف إلاّ بوصفها فوضى ترفض التّشكّل في صورة، لهجات غريبة وغرباء يتدافعون في ملابس غريبة وألوان غير عادية وأصوات وروائح غير مألوفة. انتهي،. هذا كله في عام 1850م أمّا الآن فلا يوجد عاقل يقول إنّ الصّورة تحسّنت، فمن رأى القاهرة في بدايات القرن العشرين كان يتملّكه الانبهار مقارنا بوضعنا الحالي.
اقرأ المزيد
إشكالية الإلحاد والعلوم الطبيعية - حلقة الأخيرة : 103 - 2016/03/04
كان كل شئ على ما يبدو متّسقا مع المنطق عندما كان التّعامل يتمّ منذ أيّام اليونانيين مع الخطوط المستقيمة. لكنّ الإشكال حصل مع المسائل المتعلّقة بالحركة، أي مع دخول الفيزياء على الخطّ. كيف تضبط مسار أو مدار كوكب ما، أو خط سير قذيفة؟ الإشكال هنا أنّهما يقطعان مساراً منحنياً. وهنا نشأت فكرة التّفاضل والتّكامل، بعد استخدام نظام الإحداثيّات الهندسي الذي جاء به «فيرما» ومعاصره «ديكارت» في آن معاً. الحقيقة أن المشكلة تتعلق في الأساس بالصّفر. فليس أكثر إشكالاً في الرّياضيات من الصّفر، واللاّنهاية. وفي حساب التّفاضل والتّكامل تجد نفسك أمام مشكلة القسمة على الصّفر، أو على كمّية مقاربة جداً الى الصّفر. وهناك فرق بين الحالتين، لأنّك لا تستطيع القسمة على الصّفر بينما تستطيع القسمة على كمّية مقاربة الى الصّفر. كطريقة عمليّة معقّدة لترويض القسمة علي الصّفر. كأن نقول هنا إنّ نهاية الكميّات المتناهية الصّغر هي الصّفر. فأصبح في وسع الرّياضي أن يقسم المقدار على الكمّية المتناهية الصّغر عندما تصبح نهايتها صفراً. وبذلك يتلافى مشكلة القسمة على الصّفر.
اقرأ المزيد
إشكالية الإلحاد والعلوم الطبيعية - ج 3 : 102 - 2016/02/19
لقد حقّقت الرّؤية الجديدة المتمثّلة في نظريتي الكَمّ والنّسبية والمنهجيّة الجديدة التي اتّبعت (التّعامل مع المجرّد لفهم المجسّد) نجاحًا كبيرًا، خلال العقود السّتة الأولى من القرن العشرين لفهم المادّة والطّاقة ونشأة الحياة، إذ فتحت آفاقًا واسعة أمام علوم الكيمياء الحياتيّة لفهم كثير من التّفاصيل المتعلّقة بالتّراكيب الحيويّة التي تؤلّف بنية الخليّة الحيّة، وقادت هذه الآفاق علماء الأحياء الجزيئيّة إلى اكتشاف الحامض النّووي DNA، وبالتّالي اكتشاف الشّفرة الوراثيّة التي هي سرّ ديمومة الحياة وتطوّرها ضمن أبحاث «واطسن»، و«كريك» في الخمسينيات من القرن الماضي.
اقرأ المزيد
إشكالية الإلحاد والعلوم الطبيعية - ج 2 : 101 - 2016/02/05
تمثل العلوم الطبيعية بمنهجيتها القائمة علي الملاحظة، الفرضية، التجربة، الإستنتاج إنجيلا للملحدين المعاصرين، والفيزياء أهم آياته على الإطلاق، برغم ما في الكلمة من إشكال، فهم ملحدون فكيف يكون لهم إنجيل؟، وما أجمل عبارة عالم الفيزياء الشهير فيرنر هيزنبرج، صاحب «مبدأ عدم اليقين، أحد أعمدة فيزياء الكم» «أول جرعة من كأس العلوم الطبيعية تحوّلك إلى ملحد، لكنك ستجد الله عند اكتمال الكأس» وبالرّغم أنّي لم أجد هذه العبارة في كتاب محدّد يعزي إلى «فيرنر هيزنبرج» لكني وجدّتها منشورة في مواقع أجنبية كثيرة تعني باقتباسات من كلام هيزنبرج بالإضافة إلي وجوده في [1] ونص العبارة بالإنجليزية هو:
اقرأ المزيد
إشكالية الإلحاد والعلوم الطبيعية - حلقة 1 : 100 - 2016/01/22
«الإلحاد» في اللّغة هو مطلق الميل، و اصطلاحا «الملحد» هو المائل عن الصواب، فكل مشرك أو كافر ملحد لميله عن الحق، واختصاص اسم الإلحاد بمن ينكر وجود الله تعالى اصطلاح حادث، والملحد بهذا الاصطلاح أي المنكر لوجود الله. الملحد هو ذاك الذي لا يعتقد في وجود الله أو أنّه أرسل الرّسل بكتب تحمل تعليمات للبشر تنظّم دنياهم وأخراهم. والملحد الذي يناقش قضايا فرعيّة (فقهيّة وأغلبها خلافيّة تتعلّق بفروع دين الإسلام على وجه الخصوص كأنّما صنع الإلحاد للهجوم على الإسلام كدين) ويترك هذه القضايا الأساسيّة الكبار كالإيمان بوجود إله له صفات الكمال والجلال هو ملحد تافه يقتات علي فضلات ملحدين آخرين أكبر منه تفاهة وسفاهة، ويصحّ أن يطلق عليه أنّه كائن يأكل فعلا على كل الموائد. أمّا الملحد الذي يناقش القضايا العظمي أوّلا بتجرّد وصبر ربّما يكون باحثا عن الحقيقة فعلا. الملحد ينظر إلى أنّ أصل مادّته جاءت من حشرة أو فراشة أو من كلب أو من خنزير أو من بشر مثله أو من أيّ شئ آخر عبر دورة كونيّة كبرى
اقرأ المزيد