شكري عسلوج
أزمة الهندسة في تونس... الواقع، الأسباب، المآلات والمحاذير : 125 - 2017/12/01
أفاق الرأي العامّ التونسي مشدوها على خبر إعلان عمادة المهندسين التونسيين، في أعقاب استشارة قواعدها الهندسية في الجهات وإثر انعقاد مجلسها الوطني الخارق للعادة في أواخر شهر أكتوبر الماضي، عن البدء في مسار نضالي متدرّج وتصاعدي، قد يصل إلى الإضراب العامّ في كلّ الأسلاك الهندسيّة في غضون نهاية السّنة الحاليّة، في صورة لم تتعامل الحكومة إيجابيا مع المطالب المشروعة للمهندسين التونسيين.
اقرأ المزيد
المهندس التونسي والرهان المصيري : 66 - 2014/10/03
استحقاقات انتخابية مفصلية ستحدّد المشهد السياسي في ربوعنا لعقود قادمة كما سترسم مستقبل الشعب التونسي وتكون بذلك الفيصل في تحقيق أحلامه أو وأدها. وسط اللغط والهرج والمرج والتدافع الذي يُحدثه الصراع السياسي حول الترشحات للرئاسية وحول القوائم الانتخابية للتشريعية من قبل، تمّ الإعداد لاستحقاق من العيار الثقيل (لو كانوا يعقلون) وكأنه حدث عارض خفت موازينه حتى لم يكد يأتي على ذكره أحد في وسائل الإعلام. فبعد تجديد كل الهياكل الجهوية والقطاعية من خلال أول انتخابات حرة ونزيهة في تاريخ المهندس التونسي، غابت فيها الإملاءات والإكراهات التي درج النظام البائد على ممارستها تكريسا لمبدأ الوصاية على المهندس، دعا المجلس المؤقت لعمادة المهندسين التونسيين بعد كر وفر وطول انتظار، إلى إجراء انتخابات مجلس كبار الناخبين (مجلس التسعين) والذي سينبثق عنه المجلس الوطني لعمادة المهندسين والذي سيختار بدوره عميد المهندسين من بين أعضاءه. الدعوة وجّهت إلى كل المهندسين المرسمين بالعمادة للالتحاق يوم السبت 27 سبتمبر 2014 بأي مركز من مراكز الاقتراع الموزعة على كامل ولايات الجمهورية، للإدلاء بأصواتهم ولاختيار من يمثلهم من خيرة زملائهم ليحمّلوهم أمانة التأسيس لمرحلة جديدة تقطع مع الماضي التي كانت فيه العمادة أداة بيد الحاكم بأمره يستعملها متى عنّ له ذلك، لكبت تطلعات المهندس ولتأبيد السيطرة عليه ومطية للوصوليين لتحقيق المآرب الشخصية، لقاء خدمات مُسداة للنظام القائم على حساب المهنة.
اقرأ المزيد
التنوير لمنع التزوير رسالة مفتوحة إلى القائمين على الانتخابات : 59 - 2014/06/27
تتسارع الأحداث وتأتينا الأخبار تباعا عن استكمال آخر اللّبنات التي ستُفضي بالبلاد أخيرا إلى الخروج من نفق المرحلة الانتقاليّة عبر انتخابات مؤسّسات الدّولة الدّائمة، بعدما طال انتظارنا ومرّت البلاد في العديد من المناسبات على شفى جرف هار، كان يُنذر بالسقوط في جحيم الاحتراب الأهلي أو الفوضى العارمة أو تفكّك الدّولة أو الانقلاب على الثّورة ومكتسباتها، ولكن الله سلّم وهو وحده المُطلع على ما يزال يُحاك وراء الأبواب الموصدة وما يُدبَّر بليل . الطريق إلى هذه المرحلة، كان قد زُرعت مطبّات وألغاما، حيث تفنّنت مراكز قوى النّظام السّابق أو ما أُصطلح على تسميته بالثّورة المضادّة، تُعاضدها في ذلك القوى ذات المصالح الاستعماريّة والاستبداديّة، في استنباط الوسائل بالعنف والقتل حينا وبالخبث والخديعة أحيانا أخرى، لحمل الشّعب سواء بالإرغام أو بالإقناع، إلى الرّجوع إلى بيت الطّاعة والكفر بالحريّة والدّيمقراطيّة، حيث لم يشاءوا له أن يرى منها سوى إنخرام الأمن وبروز الإرهاب وغلاء الأسعار وتدهور الاقتصاد وانتشار المزابل وتفشّي الأوساخ وتغوّل النّقابات وصراعات الدّيكة بين الفرقاء السّياسيين.
اقرأ المزيد
ثلاثة أسئلة إلى النخبة (10) : 48 - 2014/01/24
اختلفت الآراء والتحليلات والتأويلات والفرضيات حول ما حدث، منذ أن أقدم محمد البوعزيزي على إضرام النار في جسده وما تلا ذلك من تدحرج مدهش لمجريات الأمور وصولا إلى هروب حاكم قرطاج مع ليلاه وتركه حَبْلَ البلاد على غارِبِها. المُسمَّيات تواترت وتباينت لتوصيف ما حدث في تونس، فمن ثورة الحرية والكرامة أو ثورة الياسمين كما يحلو للغرب نعتها، إلى انتفاضة الجهات المُهَمَّشة ومن ثَمّ تضامن عموم الشعب المقهور معها من أقصى الوطن إلى أدناه، ومرورا بالانقلاب العسكري المدعوم بالقوى الأمنية ودسائس القصر وصراعات الأجنحة داخل النظام السابق وصولا إلى الإدعاء بأن كل ما عشناه وشهدناه لم يكن سوى مسرحية محبوكة الأطوار من إخراج أجهزة مخابرات القوى الخارجية، الدولية منها والإقليمية والتي لم يُترك للشعب الكريم فيها سوى دور «الكومبارس» الذي يعيش على وهْم بطولة ليس لها وجود إلا في مِخياله الجمعي، فقد سمعنا بكل هذه التسميات المختلفة والتقييمات المتضاربة للحدث الجلل الذي عاشته تونس، والذي هزّ في ما بعد المنطقة العربية والعالم برمته، والذي ما زالت أصداء ارتداداته تُدوّي حتى يوم الناس هذا. كثير من الحقائق والوقائع ما زالت تحيطها السرية ويطويها الكتمان ويكتنفها الغموض والإبهام، لذلك فإنه يَعِنّ علينا الجزم بما حدث وإصدار القول الفصل في حقائق وكُنَه ما جرى ويجري ولا يبقي لنا حينئذ إلا التحليل والاستنتاج انطلاقا من وقائع ثابتة بُغية توظيف المعلوم للكشف عن السرّ المكتوم. ولتعميق الفهم فمن المفيد في هذا الصدد أن أسوق لكم ظاهرة فيزيائية، تتعلق بالأنظمة الطبيعية غير المستقرة وكيف أَنّ فعلا ضعيفا يكون قادرا على إحداث تأثير عظيم، وفي هذا الإطار تتنزّل ما يُسمى بظاهرة الفراشة، والتي تتلخص في أن جناح فراشة ترفرف في الهند يكون قادرا في حالات معينة، على التسبب في إعصار مدمّر في أمريكا الشمالية، ويرجع ذلك إلى أن الغلاف الجوي للأرض يُعَدّ من أكثر الأنظمة الطبيعية غير المستقرة ، التي درسها البشر وخَبَروها. أسوق لكم مثالا ثانيا من علم دراسة المخاطر والحوادث والكوارث حيث يُجمِع المختصون أن الكوارث الصناعية وحوادث تحطم الطائرات وغيرها من الأحداث الكبرى، لا تقع إلا بتسلسل وقائع متعددة، يستحيل عادة حدوثها تباعا لأن كل الاحتياطات والتدابير الممكنة انطلاقا من المنطق والفهم البشري، قد تم اتخاذها سلفا لمنع حدوثها مجتمعة. وقياسا على ذلك فإنه يمكن القول بأن نظام الاستبداد والظلم والقهر هو نظام غير مستقر، رغم سطوته وجبروته في ظاهر الأمر ورغم سعيه الدءوب للسيطرة على حركات الناس وسكناتهم، بُغية إلغاء أي عنصر حي، يُمكن أن يتطور يوما ليُشكّل خطرا على كيانه. حرق المرحوم البوعزيزي لنفسه لم يكن في حد ذاته السبب الذي أسقط الطاغية ومن بعده النظام العربي برمّته، وإنما كان خفقة جناح الفراشة الذي تداعت تفاعلاتها فولّدت الإعصار الذي ذهبت رياحه العاتية بعرش الظالم المستبد. ما حدث في تونس كان تسلسلا شبه مستحيل، لأحداث بدأت كفعل تراجيدي معزول تحوّل سريعا إلى هَبّة محدودة فانتفاضة شعبية بفعل تراكمات الغبن والحرمان في الجهات المُهمَّشة ثم سرت كالنار في الهشيم وتحولت إلى ثورة عارمة عندما طفحت إلى جهات أخرى ووصلت إلى العاصمة ومن ثَم عمّت في كل ربوع الوطن بعدما تبنّتها قطاعات شعبية واسعة وأطّرتها قيادات نقابية وسطى وكانت كل هذه الوقائع وبشهادة أعرق مراكز الدراسات الغربية ودوائر المخابرات الأجنبية، مفاجِئة وغير مُتوقَّعة. لم يكن لهذه الثورة لتنجح بهذه السرعة وبهذه التكلفة المتدنية لو لم تكن مدة صلاحية الرئيس المخلوع قد نفذت ولو لم يكن قد أستوفي دوره في نظر القوى العظمى ذات الطول في بلدنا والتي نصّبته من قبل، ولنا في تسريبات ويكيليكس وما رشَح عن زيارة كوندوليزا رايس ودونالد رامسفيلد إلى تونس، الإثباتات والقرائن على ذلك. قد تكون هذه القوى هي من أوعزت لقيادات الجيش بعدم التورط في حمّام الدّم الذي كانت معالمه تتضح شيئا فشيئا إبّان الثورة، كضريبة يدفعها الشعب لتثبيت النظام القائم ولإطالة أنفاسه قسرا، وقد تكون هي من أوعزت له ولبعض القيادات الأمنية فيما بعد، بتخويف الرئيس السابق لإقناعه بأن الأمر قد قُضي ولم يبق له سوى أن ينجو بجلده. القوّة الرئيسية الداعمة لهذا التمشّي، قد تكون جَنَت تبعات موقفها هذا باقتحام وحرق سفاراتها في ما بعد لإقامة الدليل بأنها أخطئت في خيارها وتوجُّهِها الجديد. مخابرات القوى الإقليمية والدولية الراتعة في ربوعنا وصاحبة المصالح الحيوية في بلادنا والمؤثرة على قرارنا، أرادت استرجاع التحكم في مجريات الأمور بين أيديها منذ أن استفاقت من هول الصدمة التي ولّدها زلزال سقوط النظام، وذلك بالاستعانة بطابورها الخامس على الأرض، والذي برع في استنباط الوسائل لتأجيج الأوضاع والحيلولة دون استقرارها عبر مسلسل انقلابي تصعيدي وصل إلى حد الاغتيال السياسي والإرهاب، حيث أن المكر السيئ كان يحيق كل مرة بأهله ويمنعهم من بلوغ مآربهم في الالتفاف على ثورة الشعب التونسي ووأدها في مهدها. صراعات أجنحة النظام التي كانت تنخر بنيانه من الداخل وعدم الثقة المتبادلة بين كبار مسؤولي الدولة والخوف والتوجس الحتمي الذي يسكن قلب المُنقلِب في أن يصبح بدوره ضحية للانقلاب والارتباك العام في أخذ القرارات وعشوائيتها خلال الأيام المفصلية العصيبة للثورة بما ذلك المحاولة الأخيرة واليائسة للرئيس السابق في تسويق أصهاره ككبش فداء والأمر بالقبض عليهم في المطار، أملا في إنقاذ نظامه وريثما تستقر الأمور من جديد، ساهمت أيضا وبشكل أساسي في الانهيار السريع والمدوّي لمنظومة الحكم وهذا ما يتجلى حاليا، في الاتهامات المتبادلة بين أقطاب النظام السابق عبر وسائل الإعلام. كل هذه العناصر برمتها والتي عادة لا تحدث مجتمعة هي سرّ نجاح الفصل الأول من الثورة التونسية، التي حار الكثيرون في فك شفرتها.
اقرأ المزيد
ما هكذا تُبنى الأوطان، ما هكذا تنهض الأمم ... : العدد 47 - 2014/01/10
أبدأ هذا المقال بحكمة هي من أبلغ ما تطرق إلى سمعي وما وقعت عليه عيني وما كان له أعمق الوقع في نفسي. في منفاه في أقصي سيبيريا أو الجحيم المتجمد كما يسميه البعض، كتب ألكسندر سولجينيتسين كتابه «أرخبيل الجولاج»، والذي اقتطفت لكم منه الفقرة التالية: «... ورويدا رويدا، تبيّن لي أن الخطّ الفاصل بين الخير والشر لا يمرّ عبر الدول، ولا بين الطبقات أو الأحزاب السياسية، بل يمرّ مباشرة خلال قلب كل إنسان وعبر قلوب البشر جميعا. وهذا الخط يُغيّر موضعه، فحتى داخل القلوب التي يغمرها الشرّ، يظل هناك رأس جسر صغير من الخير قائما، وحتى داخل أطهر القلوب، تظل هناك مضغّة صغيرة من الشّر لم تُجتث ...»
اقرأ المزيد
الإرهاب ، ما أشبه اليوم بالأمس : العدد 43 - 2013/11/15
باستثناء بعض الأحداث الشحيحة والمتفرقة مثل حادثة سليمان، فقد ضلّت تونس عصيّة على الإرهاب وفي مأمن منه في ظل الجمهورية الأولى. حتى عندما استعرت حرب أهلية في بلد شقيق ومجاور بين نظام الجنرالات ومجموعات ثائرة وُصمت بأنها إرهابية، كنتيجة لإلغاء انتخابات كانت تشي بارتقاء الإسلاميين للحكم، فلم نرى في تونس لذلك من أثر يُذكر، إذا استثنينا طبعا الفظاعات والانتهاكات الوحشية التي مورست على قطاعات واسعة من الشعب الشقيق والتي كانت نشرات الأخبار تطالعنا بها بانتظام مقيت، ناسبة إياها للإرهابيين. في نفس السياق، طلع علينا في المدة التي تلت الانقلاب وبعد مقتل جنود مصريين على أرض سيناء، جنرالات العسكريتاريا الحاكمة في بلد الكنانة لمطالبة الشعب المصري بالخروج إلى الميادين في جموع جمّة ومنحهم تفويضا مطلقا لمقاومة الإرهاب، الذي لم نرى إلى حد الآن من ترجمة له على أرض الواقع، سوى التنكيل بالخصوم السياسيين وتقييد الحريات والإسراف في القتل والإثخان في الجراح وانتهاك حرمات العُزَّل الذين وقفوا بسلمية ضد الانقلاب الذي أطاح بحكم الإسلاميين، والذي جاءت به أول انتخابات حرة ونزيهة في تاريخ بلاد الفراعنة الموغل في القدم.
اقرأ المزيد
لمذا أفلس التعليم في تونس؟ : العدد 39 - 2013/09/20
من بين نذر الشؤم والفشل والخسران، الأكثر وقعا على نفسي والتي ما فتئت وسائل الأعلام تطالعنا بها في كل آن وحين، بسبب وبدون سبب ، خبرا مفاده أن أول جامعة تونسية تأتي في المرتبة 70. عندما نستحضر أن الدولة التونسية قد راهنت منذ فجر الاستقلال على التعليم وعلى التنمية البشرية أو الاستثمار في «المادة الشخمة» كما درج الرئيس بورقيبة على التأكيد على ذلك في خطاباته وتوجيهاته الشهيرة، حيث كان يفاخر بأن تونس لا تشتري سلاحا وإنما ترصد ثلث ميزانيتها للتعليم، قد يذهب البعض منا إلى الاعتقاد أن التصنيف قد شمل دول العالم قاطبة أو دول العالم الإسلامي أو حتى دول العالم العربي مجتمعة، ولكننا عندما نتأكد يقينا بأن الترتيب لا يتجاوز حدود القارة السمراء، وأن جامعات من أوغندا وكينيا وبتسوانا وأثيوبيا وبوركينا فاصو والصومال، تتوشح بمراتب متقدمة بالمقارنة بالجامعات التونسية، فأن كل ذي بنان لا يلبث أن يدرك الحالة الكارثية التي تدحرج إليها التعليم في ربوعنا وينفطر فؤاد كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد على الجرائم التي أُرتكبت بحق هذا الوطن وبحق أجياله الصاعدة.
اقرأ المزيد
ثورة الفرص الضائعة : العدد 38 - 2013/09/06
أبلغ وأدق ما تطرق إلى سمعي في تعريف السياسة، أنها فن المُمكن. في هذه الخانة تتنزل بامتياز التطورات الأخيرة على الساحة السياسية، والمُتمثلة في التقارب بين حركة النهضة ونداء تونس، واستتباعاتها الجذرية التي ستنكشف أطوارها تباعا والتي ستقلب ومن دون شك، المُعطى السياسي في تونس ما بعد الثورة، ظهرا على عقب، والتي ستكون بذلك حدثا فارقا سيؤثر حتما على مآلات التحول الديمقراطي في تونس. ورغم الدهشة بل والصدمة وردات الفعل الانفعالية، الرافضة والحانقة على هكذا تطور والمواقف المعلَنة التي تصل إلى حد التخوين واتهام اللاعبين الأساسين (الغنوشي والسبسي) بعقد صفقة مشبوهة تلتف على أهداف الثورة ومكتسباتها وتتاجر بدماء الشهداء وعذابات جحافل السجناء السياسيين ومجموع الشعب التونسي في ظل دولة الاستبداد وذلك بتمكين النظام القديم، من الرجوع إلى سدّة الحكم من الباب الكبير بعدما لفظه التونسيون، فإني أقول جازما بأن كل هذا كان متوقعا، بل حتميّا كصيرورة منطقية لما حدث ويحدث في ربوع وطننا وفي محيطنا الإقليمي والعالمي. وقد كنت وثّقت هذا التحليل في مقال بعنوان : « التحيل ... عفوا، التحول الديمقراطي في تونس» (1) جاء فيه : «وبين هذا وذاك قد يجلس الفرقاء تحت يافطة الحوار الوطني، بعدما يئس كل واحد منهم من أن يحسم الأمور لصالحه ويُحكّمون بينهم في منأى عن مرجعية الشعب، ما يُسمّى بالواقعية البرغماتية أو العقلانية السياسية ويبرمون صفقة لإنتاج نظام هجين، يحفظ للنظام الجديد حدّا أدنى من هامش المناورة السياسية ولكن داخل حدود حمراء لا يُمكن تجاوزها، تُمكنه من النأي بالوطن عن الدخول في متاهات صراعات داخلية وخارجية وتقطع السبيل على رجوع الاستبداد، على الأقل بأشكاله البشعة والموغلة في الظلم وامتهان الكرامة البشرية وفي نفس الوقت، تحفظ للنظام القديم بشقيه الداخلي والخارجي، مواقعه ومصالحه وتحصّنه من المساءلة والمحاسبة». ليس ما كنت قد نشرته في 27 فيفري 2013 والذي يكاد يكون توصيفا دقيقا لما جرى ويجري هذه الأيام وسيجري إن شاء الله في قادم الأيام، والذي يبدو أنه قد أخذ الكثيرين منا على حين غِرّة، نبوءة أو رميا بالغيب أو حتى فراسة المؤمن الذي ينظر بنور الله، ولكنه لا يعدو أن يكون سوى قراءة موضوعية ومتأنية، تنأى بالفكر عن الدغمائية والاصطفاف الحزبي والإيديولوجي الأعمى.
اقرأ المزيد
والتاريخ يعيد نفسه ... : العدد 36 - 2013/08/09
تُدمى الأفئدة وتفيض المُهج في كل مرّة تُزهق فيها الأرواح وتُسفك الدماء وتُثخن الجراح على ثرى هذا الوطن العزيز. وقد كانت التطورات الأخيرة التي حصدت أرواح المدنيين والعسكريين على حد سواء ويتّمت أطفالهم ورمّلت نساءهم، وزلزلت ضمائر كل من يغار على هذا الوطن، منعطفا خطيرا يوحي بعظائم الأمور في قادم الأيام. نعم، لم يُقدَّر للشعب التونسي أن يفرح بثورته التي بدأت بوادرها بعبق الياسمين قبل أن تختنق في نتن الزبالة المتكدسة في كل مكان، ولم تستطع حكومة بطمها وطميمها ارتضاها الشعب، ولم يكتنف وزراؤها عن ترك مكاتبهم للإشراف الميداني على حملات النظافة في أن تُغير من هذا شيئا. نعم كان مكتوب عليهم الفشل وبأي ثمن حتى في تأمين النظافة العامة، لكي يعي الشعب الذي ثار وأختار، بأنه سيندم لخياراته ويدفع الثمن من أمنه وقوت يومه ويعضّ على أنامله ندما وكمدا وحسرة لأنه تجاسر يوما، وأراد لنفسه مكانا تحت الشمس المشرقة بين الأمم الحرة.
اقرأ المزيد
وإذا الديمقراطية سُئلت بأي ذنب وُئدت ... : العدد 34 - 2013/07/12
يوم حزين ولاشك، يوم أفقنا على دوي البيان الأول للجيش المصري وتأكد لدينا أن التلوث البيئي بأنواعه وخاصة المُتأتي من المحروقات والمُتسبب في الاحتباس الحراري والمُؤدي بدوره إلى الكارثة المناخية التي جاءتنا نذرها من قبل والتي تتهدد مستقبل كوكبنا، قد وجد ما يرادفه في ثوراتنا العربية من تلوث إعلامي ومال فاسد تم توظيفهما بكيد بارع من القوى الاستعمارية المُتصهينة في الخارج وبتواطؤ مخجل ومفضوح من طابورها الخامس في الداخل، لتأجيج الفتن والتلاعب بالرأي العام والتغرير بالشباب والدفع بالاحتقان الاجتماعي إلى أعلى المستويات، فطال شرّه الربيع العربي وحوله إلى خريف قاتم يُنبئ بشتاء قارس بل بعصر جليدي قد يأتي على ما بقي قائما من أسس هويتنا ومجتمعاتنا ودولنا ويقضي على من بقي صامدا من الضمائر الحية والنفوس الحرة في هذه الأمة بعدما نهضت الهمم ورجع الأمل في أن يحيى العربي المسلم محفوظ الكرامة، حرّ الإرادة وسيد نفسه على ثرى وطنه.
اقرأ المزيد
المعوقات الفكرية لرقينا الحضاري : العدد 26 - 2013/03/22
يومها في مقتبل العمر، وكنت قد تركت ورائي الأحبة والديار ووليت وجهي شطر القارّة العجوز، مهد الحضارة الغربية طالبا لعلم، لعلي أنفع به وطنا ترعرعت بين أحضانه ومَلئْت صدري من نسائمه وعبق شذاه وتوطد في وجداني حبّه وإكباره. كانت الصدمة الثقافية والحضارية، قاسية على إدراكي الغض آنذاك وكادت تهزّ ثوابتي وتربك قناعاتي، خصوصا عندما وقفت على البون الحضاري الشاسع، بين ما هم عليـــه من تقـــدّم ورقـــيّ وما نحن عليه من تخلّف وتقهقر.
اقرأ المزيد
الإبداعات العبثية في إهدار المصلحة الوطنية : العدد 20 - 2012/12/28
عاش التونسيون منذ أن أهلّت علينا الثورة، على وقع التجاذبات والصراعات بين الفرقـــاء السياسييـــن وبين مكونات المجتمع بمختلف ألوان طيف التوجهات الفكرية والإيديولوجية وحتى الانتماءات العشائرية والفئوية. الأحداث كانت متواترة ومتسارعة واتخذت منحى يشي بأننا نواجه مخططا تآمريا يدعو إلى الريبة بل إلى اليقين بأن تفاصيله قد حُبكت من طرف دوائر مؤثرة وفاعلة تمسك بخيوطه وتحرك الأطراف المشاركة فيــــه، عــن وعـــي أو عـــن غيـــر وعــي، بما في ذلك امتداداتها الداخلية والخارجية. وكان السيل قد بلغ الزبى في الأيام الأخيرة بعدما احتدم الصراع ووصلت إرهاصاته إلى مستويات غير مسبوقة، هددت الأمن القومي لبلادنا في الصميم، وما زالت كذلك. الصراع الأخير كان محموما ومفتوحا ومعلنا بين حركة النهضة كأقوى حــــزب سياســـي وكشريـــك رئيســي في الحكم وبين الإتحاد العام التونسي للشغل كحاضنة ذات ثقل ميداني وإرث تاريخي والذي تخندقت فيه أحزاب يسارية وفاعلون في المجتمع المدني وورثة النظام السابق في محاولة لخلق توازن على الساحة السياسية. التوازن الطبيعي، كــــــان مـــن المفـــروض أن تُحدثه أول انتخابات حرة وشفافة في تاريخ تونس ولكنها لم تفعل حيث أتت النتائج بما لا تشتهي الكثير من الأطراف، ممن لا تتوافق مصالحها واختياراتهــــا مع مصالح واختيارات أغلبيــــة الشعــب التونســــي. وفي غياب التوازن الطبيعي ”الشرعي“، فقد أراد الفاعلون الذين سبق ذكرهم، الاستعاضة عنه بتوازن مصطنع وذلك بالزجّ بالمنظمة الشغيلة في المعترك السياسي من أجل ترجيح كفة التيار الحداثي الذي رأى نفسه في صراع وجودي أمام الزحف العرم للتيار المحافظ.
اقرأ المزيد