خواطر

بقلم
لسعد الماجري
ضرورة منحى جديد للتعامل مع النص القرآني
 إن كل متطلع إلى حال الأمّة العربيّة والإسلاميّة اليوم يرى بوضوح مدى التأخر في العقليات ومدى التخلف في الممارسات – فليس هذا حال المسلمين الطبيعي – فلقد عرف المسلمون في تاريخهم عصورا راقية من الحضارة والنضارة – يتفق الجميع يمينا ويسارا على أن الوضع الرّاهن وضع مرضي وغير صحّي بالمرة. فالمسلمون مشتتون متصارعون وضعفاء. والغرب الأوروبي والأمريكي بتحالف مع قوى أخرى طامعة له مصلحة كبرى في تخلف هذه الأمة وتمزيق أوصالها. وهذا ليس نوعا من التفسير التآمري إذ نؤكد على أن هذه الأمة وهنت بشكل كبير ليس بعده وهن وتسارع الآخرون إلى التهام ما تبقى فيها من ثروات ومن مصادر طاقة. ثم إن العرب والمسلمين لم يقوموا بأي جهد لنهضة شاملة بل إن حكوماتهم سارعت دوما إلى إجهاض أي محاولة جادّة للنّهضة والرّقي بمصادرة الحريات – وساهم الوضع العالمي المحارب للإرهاب والمتخندق في خندق واحد ضد كل حركة مقاومة واصما إياها بالإرهابية وبالعنف. فسارعت كل التكتلات العسكرية والتحالفات السياسية إلى خنق كل صوت مقاوم- فتلاشى أمل هذه الأمّة في النّهوض من جديد إلاّ من بوادر بعض الإشارات المقاومة التي ما انقطعت هنا وهناك في فلسطين والعراق ولبنان...الخ ...  حتى أن ثورات الربيع العربي الأخيرة لم تؤت أكلها كما كان منتظرا ووقع استثمار بعضها من طرف القوى المعادية للأمة.
بدأنا نفهم يوما بعد يوم أن «هذا الربيع العربي» ليس كما كنّا نأمل فهو لم يرتق إلى مستوى الثورات التي تؤدّي إلى التغيير الجذري للعقليات والقضاء نهائيا على مظاهر الاٍستبداد والنهوض والتنمية. فنرى مجمل البلدان التي عرفت «ربيعا عربيا» كتونس ومصر وبعدها بشكل مختلف ليبيا واليمن ثم سوريا، لم تنجح نجاحا واضحا في رسم خطيّة ثوريّة كالقطع مع النظام القديم والاستقلال عن النظام العالمي «المتعولم» اقتصاديا واجتماعيا، وإنما كانت الثورة في هذه البلدان مجرد انتفاضة للشعب على الظلم والقهر المسلط عليه دون طرح بدائل ثوريّة ترتقي إلى المستوى المطلوب. وما زال المستبدون وأزلام النظام القديم أو ما سمي بالثورة المضادة في هذه البلدان يرتعون ويكتسحون الواقع من جديد ويتشكّلون كقوة سياسيّة جديدة في قناع جديد تراهن على انقطاع نفس الثورة وتكيل للدولة الناشئة اللكمات تلو اللكمات وتحاول أن تتخندق مع الاٍحتجاجات الشعبية عن التغيير الذي تأخر اٍنجازه في واقع الناس ومأكلهم ومشربهم. 
ثم برزت مظاهر جديدة في المجتمع مثل الفوضى العارمة والانتصاب الفوضوي والعنف السياسي والديني والمذهبي. وأصبح لا يخفى على أحد ارتباط  بعض التيارات السياسية أو المتديّنة ببعض الدول الإقليمية حيث تحصل منها على الدعم المالي والإعلامي واللوجيستي كما حصل في سوريا حيث ينكشف يوما بعد يوم دعم بعض الدول العربية للمحاربين المسلّحين اللذين يصنّفون كسلفية مجاهدة ترى في نفسها الحلّ الأمثل لمشكلات الشعوب العربية والتي يتلخّص فكرها المتساهل والمتهافت على أن الحلّ في الإسلام وأن القرآن دستور وتطبيق الشريعة حلّ أمثل. وسريعا ما تحوّلوا إلى تكفيرييّن وانطلقوا في فرض أنفسهم بالقوّة واتّخذوا لأنفسهم شكلا غاب عنه المعنى فحضرت اللّحية الطويلة والنّقاب واللّباس الأفغاني والقمصان المتدلية ...الخ. وغاب عن هؤلاء أن الحلّ ليس في اللّباس وليس في الاٍرتماء في أحضان بعض الشعارات الدينيّة والقول بأن القرآن هو الدستور أو الشريعة قانونا وإنما كان عليهم أن يبرزوا للمجتمع رؤى علمية واضحة في الاستنباط من القرآن ما يصلح للمجتمع المعاصر دون السقوط في الاٍختزال. 
وكان أجدى بهم أن يتصالحوا مع مجتمعاتهم عوض تخويفها والتناقض معها. وكان أحرى بهم تقديم فهم مقاصدي للشّريعة عوضا عن الاقتصار على فهم سطحي للنصّ، فكان عليهم الاٍنكباب على دراسة القرآن وكتب التراث وكتب المفكرين المسلمين وغيرهم من أجل بلورة رؤى معاصرة بدلا عن الأخذ مباشرة عن مشائخ القنوات الفضائية اللذين يقولون ما لا يفعلون، يحرّضون الشباب على «الجهاد» والثورة  وهم في بلدانهم غير الديمقراطية لا يخرجون ولا يثورون.  ويدعون المرأة إلى لباس النقاب حتى يتمكنون من المرأة ولنزواتهم يرضون.  وبات واضحا أن هؤلاء الشباب مما يحسب على السلفية شباب بسيط متحمّس للدّين باحث عن الهويّة عطوف على دينه ، ولكن هذا غير كاف لبناء الحضارات وتشييد المدنيّة، فتراهم يخرجون إلى الشوارع والسّاحات لردّ الفعل على عرض أفلام أو رسوم مسيئة للنّبي الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى التّسليم كما حدث عند عرض الشريط المسيء للاسلام PERSEPOLIS، أو الاعتداء على الفنّانين والمبدعين ومنعهم من تقديم أعمالهم كما حصل في العبدلّية والاٍعتداء على السفارات الأمريكية في المنطقة حتّى أصبح استفزازهم سهلا ورد فعلهم معروفا مسبقا وبذلك أصبح من السهل على أعداء الثورة إجهاض الثورة باستخدام هؤلاء في إثارة العنف والفوضى في البلاد وبين العباد.
إلى جانب هذه الحالة المتمزّقة تعطّل التفكير بتعطّل الحوار فلا تسمع إلا صوتا واحدا وفكرا واحدا... هذه أول الملاحظات التي يصل إليها كل دارس لوضع الأمّة الرّاهن، فيستخلص مدى الوضع المهين الذي وصلت إليه في هذا القرن من التاريخ. 
إلى جانب هذا الاٍستنتاج الأول لوضعية الأمّة يمكننا بسهولة أن نلحظ إجماعا على مستوى علماء الأمّة كما على مستوى العامّة من النّاس بأن القرآن كتاب «جمع فأوعى» وأنّه كتاب شامل لكل الحلول لمشاكل هذه الأمة : ففيه الدواء لكل داء وفيه الإجابة لكل سؤال وفيه الطمأنينة لكل حيران وفيه العلم لكل متعلّم وفيه الماء لكل ظامئ وعطشان. الكل يجمع مفكرين وعلماء وساسة وشيوخ علم وثوّار ودعاة على أن هذا الكتاب هو سبب عزّة المسلمين الأولى وأنه قدّم للأمة كل مصادر قوّتها وأنه ساهم في حمايتها في العصور الصّعبة من التفكّك والاٍندثار- فكان الحامي لها في الحروب والاٍستقلال وكان الواقي لها في فترات النهضة والازدهار. فماذا حصل إذن ؟
إن الكتاب المقدس مازال بين أيدينا لم يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد حفظه الله وتعهّد بحمايته من الزّيف والبطلان، ونحن هاهنا أحفاد الأوّلين من المسلمين الذين صنعوا الحضارة، فلماذا نحن هكذا جامدون محنّطون؟ فلا نحن اجتهدنا وقدّمنا وطرحنا مبادئ وأفكارا لنهضة شاملة ولا نحن استخدمنا هذا الكتاب الكنز من أجل القيام بدورنا في التاريخ ؟ فهل نحن من العجّز الذين غابت عناهم مقومات النهضة فلم نعد نحن روادها ولا جنودها وإنّمت هم أقوام آخرون «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ» (سورة محمد الآية 38) ؟ أم أن هذا القرآن كتاب قدّم فيما مضى لهذه الأمة طاقة عجيبة للفعل والاٍنجاز ولكّنه بخل عليها اليوم فأصبح عاجزا عن تحريضها ودفع الهمّة فيها ، فأصبح مجرّد كلمات خالية من أي مضمون واقعي، كلمات جوفاء (حاشى لله) لا تصدر أي صوت أو صدى، كلمات لا نحسّها إلا في مقامات كالموت والأحزان أونحسّها في اللحظة الآنية وسرعان ما يتلاشى تأثيرها بتدافع وترنيمة الواقع القاهر والقوي والذي تغيب تحت قوة ترنيمته وإيقاعه أي ترنيمة أخرى أو إيقاع، فيجرها ذلك السّيل العارم والهائج الذي يرمي بالناس جميعا في مستودع الظلمة فيحجب عنهم النور الصافي.  أصبح القرآن مجرد كتاب محفوظ في المساجد عند بعض المشايخ والأئمة فيقرؤونه حسب طريقتهم البسيطة ويردّدون كلماته التي لا يفهمون كنهها، وتقوم الصلاة تلو الصلاة ويصلي جموع المسلمين على ترنيمة كلاميّة لا يعونها حق الوعي ولا تدفع فيهم أي تساؤل أو حيرة ولا تصنع فيهم أي فعل، فينامون غير مكترثين من غير أرق ويستفيقون في اليوم الموالي فينخرطون كما العادة في سبل العجز والاٍستقالة، يستهلكون ولا ينتجون ويمرضون فتقدّم لهم أدوية أنتجها الغرب ويركبون سيارات وشاحنات ويستخدمون آلات للفلاحة صنعها الغرب ويصلحون أعطابا بقطع غيار يستوردونها بالعملة الصعبة  ويستخدمون حواسيب وأجهزة الكترونية لم يفكّروا يوما في كيفية تصنيعها ويرقصون على أغاني الكترونية غربية لا يفهمون كلماتها....الخ. فهل كفّ هذا القرآن نهائيا على إعطائنا تلك الومضة السحريّة التي جعلت رجالا حول الرّسول يقفون وقفة رجل واحد يؤدّون فيبدعون؟
كل هذا الحديث يصب في سياق واحد وهو أنه هناك إجماع على نقطتين:
* النقطة الأولى هي أن القرآن يحتوي ككتاب على ثراء في المعاني وعلى غنى في المباني وهو جامع على مستوى المضامين التي طرحها وعلى مستوى الأشكال التي اعتمدها وأنه بهذا هو روح للمعاني ومنجز للأماني.
* أمّا النقطة الثانية فهي أن هناك إجماعا بين جميع المسلمين وحتى بين غيرهم من الأمم على أن وضع المسلمين اليوم وضع صعب ومهين لمكانتهم التي كانوا في ما مضى يحتلونها بكبرياء وشموخ. وأنهم يعيشون حالة من العطالة الفكرية ومن البطالة الممارساتية. فانقطعوا عن الاٍنجاز وابتعدوا عن الإيجاز وتعطّل عندهم الفعل وبرز عندهم القول مكانه، فصاروا مستهدفين من أعدائهم وضلّوا المنهج القويم وساروا في دروب الآخرين حتى نسوا المسالك التي تأخذهم إلى الدرب الصحيح. إذا يمكننا القول بأن هذا الكتاب المقدس «القرآن» الذي فجّر فينا في وقت غير بعيد من تاريخنا الأشم طاقات إبداعية عجيبة يمكنه أن يلعب نفس الدور في أيامنا هذه ولكن شريطة أن نمرّ إلى جزيرة الإبداع فنجدف تجديفا قويّا ينقلنا من ساحل العجز والمهانة إلى شاطئ آخر للفعل والكرامة.
وهذا حسب رأينا لن يكون إلا إذا عدنا عودة جديدة ومختلفة إلى ذلك الكتاب نتفحّصه بدقّة، نبحث فيه عن سبل جديدة للنّجاة تاركين الآليات القديمة التي اعتمدها أجدادنا. فتلك الأدوات استنفذت أغراضها وقدّمت لعموم المسلمين في تلك العصور والأزمنة مفاهيم مطابقة لواقعهم، فكانت مستجيبة بالفعل لمتطلبات ذلك الواقع ولحيثيات ذلك الزمان.
واليوم تغيّر النّاس فتغيّرت طبائعهم، فمالوا للمادّة وللشّهوات وقلّ عندهم الأداء الرّوحي واقتربوا من تكنولوجيا وعلوم متطورة جدّا، فاكتسبوا معارف جديدة وأصبحوا يطلّـــون علـــى شرفـــات جديـــدة ولم يعودوا يقنعون بتفاسير بسيطة وإنما أصبحت لديهم قناعات جديدة وملكات جدّ معقدة للفهم والأداء. وأصبحوا معرضيـــن لتحدّيات جديــدة فهــم مستهدفـــون فـــي تربيتهـــم وفـــي سلوكياتهـــم كما في معيشتهــم- وهم يقضـــون أكثر أوقاتهـــم في مشاغل كثيرة جديدة هامّة وغير هامّة فرضها الواقع الجديد الحياتي المعقّد فما وجدوا وقتا للشغف الرّوحي أو للشّحن المعنوي - فصاروا كالحيوانات بل هم أضلّ سبيلا. يخلّطون بين الحلال والحرام ويمزجون بين الخير والشّر في مشربهم ومأكلهم وملبسهـــم وكلامهم. تغيّر الناس فعلا. تغيروا بفعل الأنساق والمنظومات الاٍقتصاديّة والاٍجتماعيّـــة والسّياسيّـــة التي أحيطت بهم من كل جانب فكانوا ضحيّة لها يستهلكــون دون حدّ ويستمتعــون دون صــدّ، فتســـاوى عندهم الليــل والنهـــار والكبيـــر والصغيـــر والعرب والغرب والإنسان والآلة والأمنية والحالة. هؤلاء الناس لم يجدوا موارد للفكر تثريه بالحقيقة ولا منابع للرّوح تشحنها كل دقيقة وأصبح شحن هواتفهم الجوالة أهمّ عندهم من شحن أرواحهم. فلا فنّ مطابق لواقع الناس وتطلعاتهم ولا فكر يستجيب لحيرتهم وتساؤلاتهم. 
إن واقع الناس هذا معقّد جدا تشابكت فيه المشاكل مع قلّة الموارد والإمكانيات، أضف إلى ذلك وجود استهداف يومي في حياتهم المعيشية التي أصبحت صعبة. فأصبح الإنسان يجري في كل واد باحثا عن الزّاد لا يجده، فكثرت الحاجة إلى أشياء لا نحتاجها فعلا وكثر الاٍستهلاك لمنتجات لا نستحقها وكثرت المزايدة بين الناس على المظاهر الحياتية يتنافسون فيها تنافس الحيوانات المفترسة فيدهس القوي الضعيف ويعصر الغني الفقير. وضاع الفكر وزيفت الثقافة والمثقفون وساد النّفاق الاٍجتماعي والتملّق السياسي واللاتكافؤ الاٍقتصادي. فمرض الإنسان وأصبح عليلا سقيما أجوف إلا من بعض الخرق التي يلبسها وبعض الأشياء التي يتقمّصها.
 إذا لا يمكن أن ننظر إلى حال الناس هذا نظرة المستقيل أو المتشفي ولا نظرة المستعلي وإنما وجب علينا البحث من جديد في منابع هذا القرآن نستلهم منه حلولا جديدة مغايرة للقديم وفكرا جديدا لا علاقة له بالقديم غير الاٍحترام ولا تقديس فيه للقديم غير الاستبيان. وجب علينا إذا كمسلمين أن ننجب فكرا جديدا وفهما جديدا يفجّر الطاقات الكامنة فينا فننتقل بإذن الله إلى عملية إبداعيّة غير مسبوقة : عملية تغيير شاملة نبدأ فيها بأنفسنا نهذبها ونربّيها على المناعة والقناعة، نصفّيها من الأدران والأوهام ونزرع فيها الحبّ والوجدان فتنعتق من أحابيل الوثن والأصنام فنؤسس لعالم الفعل والإتقان.
--------
* أستاذ  جامعي في الاٍعلامية الصناعية
وتواصل الاٍنسان والآلة 
mejrilassad@yahoo.fr