ثلاثة أسئلة إلى النخبة (4)

بقلم
نوفل سعيّد
ثلاثة أسئلة إلى النخبة (4)
 1
قراءتكم لما حدث في تونس 
بين 17 ديسمبر 2010 و 14 جانفي 2011؟
إن ما حـــدث في تونــس في الفتـــرة ما بيــن 17 ديسمبر 2010 و 14 جانفي  2011 يدل بوضوح على الحقائق التالية:
* على أن الاستبداد مهما طال ومهما تسلّح بقوة الدولة لا يمكن أن يصلح لإدارة الشأن العام ولا يمكن أن يسمح للدولة بأن تجدّد آليات عملها إلى ما لا نهاية له.
* لابد من تأسيس علاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع لأن عنف الدولة لا يصلح لإخضاع المجتمع وضمان ولاءه لها.
* الاستبداد يعكس بالضرورة حيفا سياسيا وظلما اجتماعيا وتفنن دولة الاستبداد في إخفائه عبر آليات القمع والردع لا يمكن أن يكون أداة حكم متواصل.
* إن إمكانيات الدولة المستبدة في امتصاص عثراتها محدودة لا محالة لذلك لابدّ من تأسيس علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع تقوم على فسح مجالات رحبة للمجتمع كي يعبر عن نفسه.  
2
هل ترون أن النخبة التونسية قد نجحت 
في فهم مستحقات المرحلة وحققت بعضا منها؟ 
وهل نجحت في وضع البلاد 
على السكّة الصحيحة للإنتقال الديمقراطي؟
نعتقد أن النخبة التونسية سواء في سياسييها أو مفكريها لم تنجح بالقدر المطلوب في تحصين الثورة وتحويلهـــا من انتقال سياســـي إلى انتقال ديمقراطي فعلي .
كأننا بالنخبة التونسية لم تدرك أبعاد الحدث الثوري وبالتالي كانت عاجزة على إنتاج ما يكافئ هذا الحدث على مستوى الأفكار والمفاهيم بل إنهــا فضلت التموقـــع الفكــري والإيديولوجي المغلــــق الذي أنتجتـــه خلال فترة المواجهـــة مع دولة الاستبــداد وكانت عاجزة عن بلورة الأسئلة المناسبة والمتكافئـــة مع حجم التحـــول الذي عرفته البلاد .
يمكن أن نقول بمرارة أن النخبة التونسية قد أثبتت أنها عاجزة عن إنتاج نقدها الذاتي وعاجزة عن توطين ذاتها في واقع ثوري متحرك مفضلة بذلك إعادة إنتاج نفسها حفاظا على مصالحها  الضيقة  ضمن وعي مفوت لم يدرك أبعاد الحدث الثوري ومستلزماته. 
في ضوء كل ما تقدم تبدو لنا الحلول التي تمّ التوصل إليها على المستوى السياسي والمتولدة عن توافقات أو قل مقايضات أو صفقات سياسية فاقدة للعمق اللازم طالما أنها لم تكن محفوفة بطرح الإشكاليات النظرية الصحيحة التي تسمح في المقام الأول بفهم الدولة على أنها أداة عقلانية هدفها تأسيس تعايش سلمي بين المواطنين وليسـت أداة في خدمة إيديولوجية معينة يسعى كل طرف إلى امتلاكها والاستحواذ عليها.
إن التفنن في إخفاء هذه الحقيقة عبر توافقات سياسية مهزوزة فاقدة للبعد ومبنية على ترسانة مفاهيم متآكلة لا تسمح بفهم الواقع الثوري المتحرك والإحاطة به٬  لا يمكن أن  يدير أنظارنا عن حجم الرهانات النظرية المطروحة التي من الواجب التصدي لها حتى نتفادى الهزات السياسية العنيفة في المستقبل.
3
أي مستقبل ينتظر تونس؟ 
وكيف السبيل إلى تجنّب الفشل؟
إن التأسيس لمستقبل جديد ومختلف لتونس يتطلب أولا وبالذات الوعي العميق بأن التحول الديمقراطي يتطلب لكي يكون قابلا للاستمرار تأسيس و تعزيز خيارات ثقافية معينة تقطع مع الماضي وتؤسّس فعليا للدخول إلى الحداثة السياسية . فالدخول إلى الحداثة السياسية لا يمكن إن يكون بمفاهيم مفقرة لا تؤهل إلى الإلمام بالمتغيرات التي صاحبت الحدث الثوري. إن المفاهيم المهترئة لا يمكن أن تسمح بتوطيننا في مشروع حداثي قابل للعيش والاستمرار.
من هنا تبدو عملية النقد الذاتي عملية ملحة وضرورية من أجل بناء قاعدة تعايش فعلي مشترك إذ لا يمكن للتوافقات السياسية المنجزة تحت الضغط أن توهمنا بأننا أدركنا شاطئ النجاة.
لابد إذن من بذل المجهود النظري الكافي للخروج من الترسانات الإيديولوجية المتآكلة إذ لا شيء يضمـــن في غياب عملية النقـــد الذاتي الشاملة أن ننتكس و نرتد إلى مربع الاستبداد الأول في المستقبل حتى و إن كــــان لدينـــا دستورا طلائعيــــا، لأن الأهم من الدستـــور هو التعرّف على الديناميكية التي ستؤسس لعمل المؤسسات السياسية المستحدثة فيما بينها واحتكاكها ببعضها. والسؤال هنا هل أن دستورا طلائعيا كفيــــل وحده بصنع ممارســات سياسية ضمن مؤسسات حديثة جديدة تقطع مع الاستبداد في غياب المراجعات والنقد الذاتي العميقين؟.