نقاط على الحروف

بقلم
محمد بوقرين
ملاحظات نقدية لبعض الأطروحات السياسية
 ان نجاح الأفكار السياسية والتشكيلات الحزبية أو فشلها يتحدد بقدرتها على قراءة الواقع ورصد عناصره الفاعلة وتعيين مهام المرحلة. والخطأ في التشخيص ينتهي الى أداء أدوار لا تستجيب لمتطلبات الظرف والعجز عن تأطير الأفراد وتكريس الاستقالة الحضارية واللامبالاة وإقامة حاجز بين النشطاء السياسيين والمجتمع.
ومن الهنات التي وقع فيها بعض السياسيين أثناء قراءتهم للواقع التونسي بعد ثورة 14 جانفي، الاسقاط الايديولوجي فقد أسقطوا مقولات ذات مرجعية ماركسية أو إسلامية على المجتمع ممّا أفقدهم القراءة الموضوعية التي تشخّص التناقضات الرئيسية والثانوية وتحدّد كيفية المعالجة. ومن المقولات التي استعملها اليسار الماركسي مقولة الطبقة المناضلة وأولوية الوطني. فقد اعتقد أصحاب هذا الاتجاه أن الثورة التونسية قام بها الفقراء والمهمّشون، أما البرجوازية فهي دوما عدو لطموحات الثوريين. ودعت بعض الأحزاب اليسارية الى النضال ضد الرأسمالية على أرضية برنامج وطني ديمقراطي، فأعطت الأولوية للمسألة الوطنية إذ لا يمكن تحقيق أية إنجازات ديمقراطية قبل حلّ المسألة الوطنية التي تعني التخلّص من التبعيّة ومقاومة الامبريالة والصهيونية وعملائهم من الحركة الإسلامية. ورفعوا شعار « الشعب التونسي شعب حرّ لا أمريكا ولا قطر». لذلك رأى هؤلاء أنّ البلاد في مرحلة تحكمها الشرعية الثورية رغم وجود حكومة منتخبة – هي حكومة الترويكا.
أما الاسلاميون من التيار السلفي وحزب التحرير فقد استخدموا مقولة الخلافة وتطبيق الشريعة إذ بالغوا في تقدير مطالب الشعب التونسي حتى تصوّروا أنّه يرفض الانتخابات والممارسة الديمقراطية والدستور وتنكبت حركة النهضة الطريق المستقيم ورفع أصحاب هذا الاتجاه شعار «الشعب يريد الخلافة من جديد». 
والتساؤل عن كيفية التعامل مع الأطروحات السياسية المنغلقة التي تعرقل الممارسة الديمقراطية من جهة وتكرّس التبعيّة من جهة أخرى يتطلب توضيح المواقف التالية : 
أ – الموقف من التيار العلماني المعادي للإسلام السياسي :
يضمّ هذا التيار شتاتا من الفاعلين في عدّة أحزاب ونقابات وأوساط طلابيّة . يجمع بينهم العمل على تخليص الرأي العام من وهم الحلول الدينية للقضايا الاجتماعية ومعاداة الحركة الإسلامية إذ تصفها بالرجعية والظلامية والعمالة للامبريالية . وقد فضّل البعض من رموز هذا التيار التعاون مع حكم بن علي المستبد لتجفيف منابع التديّن حتى يتمّ القضاء المبرم على الحركة الإسلامية. فالأولوية لمواجهة الإسلام السياسي ولا يهم كثيرا النظر في مشاكل التبعيّة والصراعات الطبقيّة وما تفرزه من ظلم واستغلال وقهر. واليوم يلتحق الكثير من أصحاب هذا الاتجاه بحركة نداء تونس ويقبلوا التموقع مع بقايا حزب التجمع المنحل بتعلّة أن العدوّ الرئيسي هو الاسلاميون الذين يخلطون بين الدّين والسياسة. لذلك غدا السعي حثيثا لإعادة رسكلة بقايا التجمع المنحل في المجال النقابي والسياسي خوفا من بقاء حركة النهضة في السّلطة . وقد تمنح مثل هذه الممارسات التيار السلفي المتشدد ذريعة ليزداد انغلاقه ويواجه الاستبداد الكافر بالاستبداد المؤمن على حدّ تعبيرالبعض .
ورغم نزعتهم الدغمائية والاقصائية الواضحة والتي تصل الى حدّ الدعوة الى الانقلاب على الشرعية الانتخابية التي أفرزت فوز حركة النهضة ، فإننا ندعو إلى التعامل مع هذا التيار باعتماد الحوار ونبذ التنافي والتعادي هدفنا من وراء ذلك ما يلي :
* اثبات أهمية الانغراس في الثقافة المحليّة وأدلجة رغبات المجتمع كما قال «غرامشـــي». فالعلمانــــي المتبـــرّم بالانتمــــاء إلى الجماعة التاريخية يشجّع على الانخلاع عن الهويّة وكره الذّات ويشكّك من مقدرة المجتمع التونسي المتمسك بقيمه الدينيّة على تمثل الحداثة ويكبّل التونسيين بمشاعر الفشل والعجز ويهزّ ثقتهم بأنفسهم واستطاعتهم الانخراط في العصر لذلك ندعو الى التواصل التاريخي مع جهود رجال الاصلاح في القرن التاسع عشر الذين ألّفوا بين الإسلام والحداثة وقادة الحركة الوطنية والنقابية أمثال محمد علي الحامي وفرحات حشاد والشيخ محمد الفاضل بن عاشور ونعتبر كتابات الشيخ راشد الغنوشي الساعية إلى دمج مفاهيم الديمقراطية والمجتمع المدني والحريات العامة والمساواة واحترام حقوق الانسان، هي محاولة لتحديث الفكر الاسلامي وإدراج مسائل لا تزال عسيرة الهضم عند بعض الإسلاميين .
* الاقنـاع بجدوى الاعتــــداد بالقيــم الاسلاميـــــة، فهي عنصر من عناصر قوتنــا. وهي ترجمة عملية للإسلام التنموي الذي يوحّـــد ولا يفرّق ويدفع إلى العلم والعمل ورفض الفقر والجهل والمرض ...بخلاف الإسلام السياسي الذي يثير الجدل والخصومة. وتجدر الملاحظــــة في هذا السياق إلى أهمية تجنب نعت الحركة الإسلامية بكونها ظلاميّة ورجعيّة وعميلة للاستعمـــار. فهو موقف لا يساعــد على تحقيق أي تقدّم في اتجاه البناء الديمقراطي لعدّة اعتبارات من أهمها، أنه لايمكن الاستغناء عن الإسلاميين لإعادة بناء المجال السياسي فهم يمثلون الأغلبية لأنهم الأقدر على التواصل مع القسم الغالب من المجتمع الذي لايزال متمسكا بالبنى التقليدية كالعائلة والعرش والجهة «القبيلة الحديثة» والتفكير النقلي.والتحريض السياسي ضد الإسلاميين يذكر عامة المواطنين بالملاحقات الأمنية واللّغة الخشبيّة التي استعملها النظام الاستبدادي لتصفيتهم وهو ما يجعل الوعي الشعبي يتضامن معهم وينفر من كل مبالغة دعائية ضدّهم .
ب – الموقف من التيار السلفي المعادي للديمقراطية : 
يضم هذا التيار شتاتا من الفاعلين في عدّة أحزاب، كحزب التحرير وحركة الاصلاح ومجموعات سلفية متنوعة . يجمع بينهم العمل على اعاقة الديمقراطية باعتبارها كفر تضع سلطة الشعب فوق حكم الله. ورغم وقوع العديد من الإسلاميين فـــي هذا التفكيـــر الذي يقـــوم على الوصاية والإقصاء وادعاء احتكار الحقيقة الدينية ورفض التعايش مع الآخر، فإننا ندعو إلى محاورتهم وعدم اعتبارهم عدوا رئيسيا هدفنا من راء ذلك :
* التفريق بين الإسلام كدين مقدس والفكر الإسلامي كفهم بشري نسبي وعدم الانجرار لدعاوى المناوئين لهم – أي للسلفيين – بنعتهم بالخروج عن الإسلام أو أنهم لا يمتلكون إسلاما حقيقيا أو أنهم يتاجرون بالدّين ليحكموا الناس كالنعاج ويسلبوا خيراتهم ...فالأجدى أن نتجنب مثل هذه المحاكمات التي تدلّ على تفكير اقصائي وأن نقارعهم بقراءة تأويليّة تثبت تهافتهم ونبيّن النتائج السلبيّة لمواقفهم الفكرية والسياسيّة ومحافظتهم على الخيارات الليبراليّة وإعراضهم عن طرح امكانيّة تجاوز الرأسمالية محليّا وعالميّا والقطع مع الاستعمار الجديد وتحقيق الاستقلال الجذري بمعنى توفير الحاجات بالاعتماد على الامكانيات الذاتية والقدرة على الدفاع عنها . 
* بناء كتلة سياسية منفتحة على الحداثة وقادرة على رفع التحديات الحضارية مرهون بمحاورة الحركة الإسلامية عموما – والتيار السلفي جزء منها – لذلك نسعى إلى دعم الإسلاميين المنفتحين للارتقاء بالمشروع الإسلامي إلى مستوى قبول التعددية والتسامح مع التيارات الأخرى المختلفة وتقوية الخيار الديمقراطي وفي نفس الوقت نتّجه الى غلاة الإسلاميين لكسب تحييدهم على الأقل .
ج – الموقف من الدعوة إلى التحرر من الامبريالية :
يرفع بعض الإسلاميين واليساريين شعار معاداة الامبريالية .
ولئن ندرك صعوبة الدعوة إلى التحرّر من التبعية في ظلّ موازين القوى الحالية وعدم قدرة الوعي الشعبي، الذي ثار ضد البطالة والاستبداد والفقر والفساد وانعدام التوازن الجهوي، على الربط المباشر أو غير المباشر بين ما ثار ضده وحالة التبعية، فإننا مقتنعون بأهمية بثّ الوعي بالتداعيات السلبية للعولمة الليبرالية المتوحشة وتوجيه التونسيين تدريجيا نحو رفع سقف المطالب الوطنية نحو توحيد العمل العربي والإسلامي الواسع للتحرّر الكامل. فالاستقلال الوطني هو هدف استراتيجي لم يتحقق بعد لأننا لم نحقق الاكتفاء الذاتي على الأقل في مستوى الحاجات الضرورية. لذلك نقترح أن يكون هدفنا القريب بناء تونس الديمقراطية التي يتوفر فيها مناخ تحرري وعدالة اجتماعية – بمعنى تعميم الخدمات الأساسية على المواطنين - وتكون أقل تبعية . 
فالأولوية لإنجاز اصلاحات للمشاكل الاجتماعية. أما التمادي في رفع الشعارات الثورية التي يصعب تحقيقها كالتحرر من التبعية فإن ذلك يعبر عن تجاهل لوعي الشعب وموازين القوى الدولية وبالتالي ينتهي بنا إلى خسارة فادحة فلا نكسب الديمقراطية ولا نتحرر من التبعية.
د – الموقف من السلطة الخاضعة للضغوطات الخارجية :
ورثت سلطة «الترويكـا» نظاما ليبراليا خاضعا لاملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والدوائر الرأسماليـــة الغربية التي كان تأثيرها على الاقتصاد التونسي وعلى الوضع المعيشي للمواطن كارثيا من قبيل التقليص في الإنفاق العمومي والتفويت في القطاع العام وارتفاع الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية والبطالة وإغراق البلاد بالقروض بتعلة المساعدة على الخروج من الأزمــات .....ولئن يصعب على السلطة الحاليّـــة التصدّي لسياسات الاستعمار الجديد والتخلـــي عن الاتفاقيـــــات التي أبرمها بن علــــي، فإنها بإمكانهــا أن تسلك مسلكية تحقق للبلاد أكثر تحرّرا وأقل تبعية فلا تخضع خضوعا كليّا لضغوطات الخارج وترفض إعطاء الأولوية للمنصب مقابل التفريط في المسألة الوطنية وتفسح المجال لنقدها من أجل مساعدتها على الحدّ من التداعيات السلبية للعولمة الليبرالية المتوحشة .
وإذا كان للأنظمة ضغوطاتها وللشعوب خياراتها، فإننا نعتقد أن النظام يقترب من التخلّص من الاكراهات المسلّطة عليه بقدر ما يلتزم بتوسيع دائرة المشاركة السياسية وتفعيل الممارسة الديمقراطية. والمطلوب اليوم التقاط اللحظة التاريخية الرّاهنة والصعود بها وفق رؤية تجمع بين الشعارات القطرية ذات الطابع المطلبي المعيشي - والشعارات المناهضة للامبريالية والصهيونية . ويقتضي هذا التمشي الحرص على مواصلة المطالبات بالزيادة في الأجور والتشغيل وتوفير الخدمات الاجتماعية والمرافق العمومية والاحتجاج على التلوث والامتيازات في الوظائف السياسية والادارية والتطبيق الصارم لمبدأ تكافؤ الفرص وإعادة الاعتبار لقيمة العمل ومراجعة المنظومة التربوية والعمل على تدعيم الصناعة والزراعة والتقليص من قطاع الخدمات ... فهي اجراءات نعتبرها المدخل الضروري للنضال ضد الليبرالية المتوحشة و التضامن مع السلطة الوطنية. إن التحديات الكبيرة التي يواجهها الحكم بعد الثورة ينبغي أن لاتدفعنا الى استسهال اتهام الحكومة بالضعف أو بالخوف والاكتفاء بالتشهير والتهديم والتيئيس بل بالعكس، يجب أن تكون استجابتنا ايجابية فننبّه الى خطر الانفراد بالسلطة وأهمية توسيع الشراكة السياسيّة في هذه المرحلة التأسيسية لتحقيق الخيارات السليمة والإسراع بايصال الثورة إلى أهدافها.
الخاتمة
هذه بعض المواقف التي يجب على العقلاء في الساحة السياسية أن يدافعوا عنها ويتبنونها والتي يجب أخذها بعين الإعتبار في تحديد المشروع الوطني الديمقراطي وتجنيب البلاد الفتن والاضطرابات السياسية وهي كلّها مواقف توحّد ولا تفرّق وتدعو إلى الحوار بدل الصراع والتقاتل وتقترب من الموضوعيّة بعيدا عن الدغمائيّة واللامعقول. 
إن ما يطالب به أغلب التونسيون اليوم هو العيش الكريم بكل ما يتضمنه من تشغيل وتحسين للمقدرة الشرائية وتوفير للخدمات الأساسية من صحة وتعليم ونقل ......ولكن التونسي له حاجات معنوية لا يمكن تجاهلها فهو يرفض حل مشكلته الاجتماعية « الخبزة» على حساب دينه أو حريته . بل قد يغلب الانتصار للدين إن أدرك أن حلّ مشاكله الاجتماعية أو السياسية سيفقده عقيدته أو حريته . 
إن من مهام المثقفين العقلاء الدعوة إلى تجاوز التجادبات الايدولوجية والسياسية وتحديد الموقع في دائرة الصراع بين أغلبية تريد تلبية حاجاتها في التشغيل والضمان الاجتماعي والصحي والحرية والكرامة وأقلية تسعى الى الاستحواذ على مزيد من الثروات وتكريس التبعية . ان ادارة الصراع اليوم تحتم التمسك بالمقاومة كحل للتناقض مع النهب الاستعماري الجديد والديمقراطية كمعالجة للتناقض مع الاستبداد واقرار بحق الاختلاف في بناء تونس الحرة والمستقلة.