قرأت لكم

بقلم
ناجي حجلاوي
حوار مع كتاب ‘أنوار’
 أصدر الكاتب مصدّق الجليدي كتابا جديدا عن الدّار المتوسّطيّة للنّشر بعنوان «أنوار من أجل رؤى حداثيّة أصيلة»، وهو كتاب يحتوي على ثلاث وثمانين وأربعمائة صفحة من الحجم الكبير وهو كتاب يثير إشكالات فكريّة على درجة كبيرة من الأهميّة وتزداد أهميّة هذا المصنّف لا من خلال ما يُوفّره من أجوبة وإنّما من خلال ما يثيره من أفكار وتساؤلات في ذهن قارئه.
فبعد المقدّمة الّتي أثارت الهواجس الّتي أنتجتها الثّورة والأحلام الّتي غذّاها الطّموح والرّغبة في التّغيير يحاول المؤلّف الوقوف مع القارئ على أرضيّة منهجيّة عمادها النّقديّة البنائيّة، وذلك تجنّبا للإسقاط المنجرّ عن القياس (1) ورغبة في تفجير طاقات التّجدّد في توسّط بين الشّعور بعقدة الاستعلاء والشّعور بعقدة النّقص وإبرازا للأصالة المبدعة أو الحداثة الأصيلة. ورغم  هذه المبرّرات الكامنة وراء اعتماد المنهج البنائي النّقدي فإنّ السّؤال يظلّ قائما لماذا تمّ الاختيار على هذا المنهج دون التّحليليّة أو التّفكيكيّة أو المقارنيّة؟ علما بأنّ كلّ تركيز على البنية وما فيها من أنساق قد أعلنت موت المعنى، ومن ثمّ موت الإنسان بالرّغم من أنّ المؤلّف قد انتبه إلى كلّ هذه المعاني وعالجها ضمن الفصل الأوّل: في نقد العقل الدّيني اليومي(2)، وضمن الفصل الرّابع: الغرب والإسلام، وبالتّحديد في الورقة الّتي سمّاها بالخلفيّات التّاريخيّة والأسس الفلسفيّة للتّجاذب بين الغرب والإسلام (3).  وقد سبق أن أشار صراحة إلى أنّ للمعنى قيمة كبرى في حياة المجتمعات والأفراد (4). 
إنّ المؤلّف قد ركّز على لمحات ثقافيّة مضيئة من تاريخ البشريّة في مسيرتها الكادحة ضدّ الجهل وغلبة الأوهام والخرافات الّتي تلبّست بلبوس الكونيّة المزعومة البادية في المركزيّة الأوروبيّة في نزعتها المادّيّة الحربيّة. ويخلص الكاتب إلى أنّ الاستقراء وتطبيق مناهج العلوم الإنسانيّة وأدواتها بخلفيّة بحثيّة شهوديّة على مسطّح ختم النّبوءة هو ما يمثّل العُدّة المنهجيّة والخلفيّة النّظريّة في عمله هذا. يقول: «يمثّل مسطّح ختم النّبوءة إطارا نظريّا للوعي المنفتح على كلّ اجتهادات العقل البشري وإبداعاته مهما كانت القوميّة أو الثّقافة الّتي ينتمي إليها. فهو ليس خاصّا إذن بالمسلمين فقط أو بورثة التّقليد الإبراهيمي فقط، بل هو يشمل كلّ الجنس البشري على اختلاف انتماءات أفراده.» (5)
وتتجلّى المقاربة السّوسيولوجيّة من خلال بيان ضرورة العمل الفكري في ممارسة وظيفة رمزّية داخل المجتمع في نقد باد لسكونيّة الرّؤية الفقهيّة وما ينجرّ عن مزاحمة المناهج الحديثة من انفصام بين التّقليديّة والحداثيّة والتّذبذب بين المرجعيّات في مجالات الأحوال الشّخصيّة والاجتماع والسّياسة.
ثمّ إنّ المؤلّف يقف على أنّ الحداثة هي تمشّ ليست مجرّد إنتاج يوفّره الآخر لنا كأيّ مادّة استهلاكيّة، بل هي تمشّ واع وتنشيط من أجل التّحرّر من الاستلاب الميتافيزيقي (6). وعليه فالحداثة مسؤوليّة المفكّرين في كلّ مجتمع يرغب في تحقيق النّهوض والتّقدّم على أنّ العقلانيّة ليست نُسخة واحدة في كلّ التّجارب وهكذا نتخلّص من أن تكون الحداثة إيديولوجيّة هيمنة وإنتاجا للعبوديّة.
ولا تفوتنا الإشارة إلى أنّ المؤلّف قد عالج مسألة الاختلاف في مستوى العقيدة معالجة إيمانيّة، وقد اعتبر الإيمان نعمة (7).  ونحن نشير إلى أنّه لا مهرب للّذي ينضوي تحته من أن يعتقد في صحّة عقيدته مقابل تخطئة العقيدة المقابلة، والعكس بالعكس. ومصداق ذلك ما ذكره من أنّ « إلههم مات (قتلوه مرّتين ابنا وأبا، ماديّا ورمزيّا، وفق الرّواية المسيحيّة أو المناهضة للمسيحيّة) لأنّه ولد ميّتا (عقيدة التّثليث والحلول والخطيئة الأصليّة المزمنة)» (8). والحال أنّ شريطة أن يكون الباحث باحثا هو اتّصافه بالحياديّة المفضية إلى الموضوعيّة، وعندئذ يقف من الدّوائر الإيمانيّة على نفس المسافة، لاسيّما وأنّ المؤلّف قد أشار في موضع آخر إلى أنّ العلم لا يكون معياريّا يعيّن للنّاس ما يجب أن يكون وما لا يجب أن يكون (9) . وأنّ تشبّث كلّ طرف بما لديه من حقيقة يولّد نزعة استعلائيّة (10). 
ثمّ إنّ المؤلّف يعمد إلى التماس معنى النّبوءة والرّسالة بالعودة إلى المعنى اللّغوي بالاعتماد على كتاب «سعيد رمضان البوطي» المعنون بـ «كبرى اليقينيّات الكونيّة» (11).  ولا نرى وجها لعدوله عن العودة إلى الموسوعة اللّغويّة العربيّة المعروفة بلسان العرب لابن منظور الّتي جمعت ما استقرّ عليه الاستعمال في اللّسان العربي. وفي موضع آخر يعمد المؤلّف إلى الاستشهاد برأي «محمّد الطّاهر ابن عاشور» بخصوص ضروب من السّلوك الفكري العليق ببعض الفرق الإسلاميّة فيقتصر على ذكر الجزء الأوّل من التّحرير والتّنوير دون ذكر الصّفحة. كما نلفي استشهادا بأفكار كانط دون ذكر الصّفحة والمرجع كي تسهل العودة لمن يهمّه الأمر (12). كما أنّه يعمد إلى ذكر الحديث دون تخريجه (13).  
إنّ هذا الكتاب محاولة جادّة في بيان الأدلّة على تنسيب الحداثة العربيّة في غير ادّعاء في سبيل إرساء فهم جديد للظّواهر النّصّيّة والكونيّة كما بدت في قولة محمّد إقبال: « إنّ النبوّة لتبلغ كمالها الأخير في إدراك الحاجة إلى إلغاء النّبوّة نفسها.» (14) 
إلاّ أنّ القول بالأصالة المُبدعة قول محفوف بالعديد من الأسئلة لعلّ من أهمّها ما يتعلّق بكيفيّة إعادة بناء التّراث الّذي، وإن سكن فينا، فإنّ حقبا من النّوم الحضاري تفصلنا عنه، وقد زادتها الحضارة الغالبة في العصر الحديث تجاوزا، فليس من الهيّن ولا من البيّن كيفيّة إحداث التّطابق مع روح الحضارة الأصيلة الّتي هي روح متحرّرة من قيود التّقليد ومجترحة لسنّة الإبداع والتّجديد على حدّ عبارة المؤلّف (15).  والّذي يزيد الأمر تعقيدا أنّ الأصالة أصالات، فبأيّ نوع منها يتعلّق القصد؟
ثمّ إنّ المؤلّف ينخرط في التّصدّي لمناقشة القضايا الاعتقاديّة المتنوّعة بحسب الفرق الإسلاميّة ويخلص إلى مسألة شعار تجديد أصول الدّين. وبغضّ النّظر عن المسائل المتفرّعة عن هذه القضيّة فإنّ السّؤال المركزيّ يتمثّل في كنه المقدار المعرفي الّذي سيحقّقه هذا التّجديد وبه يفارق الابستيميّة في المنظومة الدّينيّة التّقليديّة التّي كثيرا ما تجرّ الرّاغبين في التّجديد إلى السّقوط في الإحيائيّة والتّمجيديّة. ولاسيّما أنّ الأطر المعرفيّة في المنظومة التّقليديّة ما تزال تمارس ضغطها على الضّمير المسلم بشكل ملحوظ.
ولقد أشار المؤلّف في موضعيْن إلى عصمة الرّسول المتمثّلة في انعدام نطقه عن الهوى (16) دون الوقوف عندها ومناقشتها عمّا إذا كانت هذه العصمة عليقة بالقيل القرآني وحده ولاسيّما أنّ مجادلة القرشيّين للرّسول كانت بخصوص القرآن وأنّه حسب زعمهم أنّه تقوّلٌ وشعر وسحر وبعض إملاءات من الكهنة اكتتبها أم أنّ هذه العصمة القوليّة تشمل كلّ ما تفوّه به الرّسول، وعندئذٍ نستحضر حادثة تأبير النّخل وما تلاها من القول: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم». كما نتذكّر قوله: «بل هي الرّأي والمكيدة» (17).  بالإضافة إلى ما يثيره اعتبار الحديث أصلا ثانيا من مشاكل كبرى.
ومن المواضيع الخلافيّة المثيرة للنّقاش تعريجه على موضوع النّسخ (18). وقد اعتبره علامة بارزة على مراعاة النّصّ القرآني لعنصر الزّمن ومسألة مراعاة تغيّر الأحوال وضرورة اعتبار مقتضيات الأحوال. وقد استفاد منه الأصوليّون القدامى ولم يُشر إلى أنّ قولة النّسخ بما هي إبطال حكم نصّي سابق بحكم نصّي لاحق سيجعلها بالضّرورة عمليّة محدودة بحياة الرّسول ونزول النّصوص النّاسخة. والحال أنّ الواقع بعيد عن هذه الصّورة تماما إذ نجد أنّ الأصوليّين قد اتّخذوا هذه الظّاهرة النّصّيّة أداة يستعملونها كما شاؤوا خدمة لمصالح الحكّام ومن ثمّ مصالحهم الخاصّة. وعليه فقد تزايد عدد النّاسخات والمنسوخات من مفسّر إلى آخر ومن أصولي إلى آخر وإلاّ فكيف يُفسَّر هذا التّباين الغريب بينهم:
ولاسيّما أنّ كلّ استثناء ورد في الآيات القرآنيّة أو كلّ تنصيص أعدّه الأصوليّون والمفسّرون عبر الأيّام ضربا من ضروب النّسخ وهو انزياح باد عن مفهوم النّسخ كما وُضع، ممّا حدا بابن الجوزي إلى اعتبار أنّ القائلين بهذه الأقوال هم مجرّد ناقلين للتّفسير ولا فهم لهم وأنّهم يتلاعبون بالقرآن (19). 
وقد أشار المؤلّف، في موضع آخر، إلى رأي «عبد الله العروي» المتمثّل في نقد حضارة الاسم على حساب الفعل باعتبار أنّ الاسم مدعاة إلى الانحباس في الخيار الواحد في حين أنّ الأفعال مدعاة إلى البدائل المتعدّدة وهذا المذهب في حقيقة الأمر تضييق لمناحي النّحو العربي الّذي يُعدّ منطق العلوم لدى أهله، والحال أنّ اعتبار الاسم مصدرا في الاشتقاق هو مذهب أهل البصرة، وعلى خلاف ذلك ذهب أهل الكوفة إلى أنّ الأصل في الاشتقاق هو الفعل، فلماذا يتمّ تعميم الجزء دون الانتباه من المؤلّف إلى ذلك. ثمّ إنّ الله في القرآن ليست كلمة أو كلاما (20) وإنّما هو فعل وانظر إلى أسمائه الحسنى: جبّار قهّار، غفّار، فعّال لما يريد، فلماذا يقع الإغضاء، مرّة أخرى، عن كلّ هذه المعاني ويتمّ التّركيز عن معاني دون أخرى.
وما عدا ذلك فإنّ للمؤلّف ورقات علميّة ذات إفادة للقارئ بادية فيما تلامسه من آفاق ثقافيّة وفكريّة من قبيل التّعليم الزّيتوني وما يُثيره من قضايا، ومن قبيل نقد العقل الإسلامي التّربوي ونقد ملكة الحكم الأخلاقي...
وعلى هذه الشّاكلة يكون الكتاب جماعا لمقالات ومداخلات علميّة يجمع بينها السّؤال والرّغبة المستديمة في محاولة الإجابة.
الهوامش
(1)  أورد الكاتب في ص 250 مفهوم البنائيّة انطلاقا من معجم التّربية أنّها صفة تطلق على كلّ النّظريّات والتّصوّرات الّتي تنطلق في تفسيرها للتّعلّم من مبدأ التّفاعل بين الذّات والمحيط من خلال العلاقة التّبادلية بين الذّات العارفة وموضوع المعرفة.
(2)  انظر أنوار، ص ص 289- 293.
(3) انظر أنوار، بالتّحديد ص 346.
(4)  أنوار، ص 310.
(5)  أنوار، ص 35.
(6)  م.ن، ص 32
(7) م.ن،  ص 65
(8)   م.ن، ص 34 و ص 345.
(9)  م.ن، ص 83.
(10)  عالج المؤلّف نزعة الكنيسة الاستعلائيّة في ص 351.
(11) م.ن، ص 37.
(12)  أنوار، ص 194.
(13)  انظر حديـــــث «يبعث الله علـــى رأس كلّ مائة سنــــة». ص 190. و «أنّ صلاة الجماعــــة تفوق صـــــلاة الفذّ»، ص 200. و «العلماء ورثة الأنبياء»، ص 372.
(14) م.ن، ص 55.
(15)   م.ن، ص 62.
(16) انظر صفحتيْ 114 وص 150.
(17)  إنّ الحُباب بن المنذر قال: «يا رسول الله، أرأيتَ هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّمه، ولا نتأخّر عنه، أم هو الرّأي والحربُ والمكيدة؟» قال: «بل هو الرّأي والحرب والمكيدة». ابن هشام، السّيرة النّبويّة، تحقيق طه عبد الرّؤوف سعد، ج3، دار الجيل، بيروت، ط1، 1991، ص ص 167-168.
(18) أنوار، ص 115.
(19) ابن الجوزي، نواسخ القرآن النّاسخ والمنسوخ، تحقيق خليل إبراهيم، شرح ومراجعة إبراهيم رمضان وعبد الله الشّعار، بيروت، دار الفكر اللّبناني، ط 1، 1992، ص157 وص 174.
(20)  خليل أحمد خليل، جدليّة القرآن، دار الطّليعة، ط1، 1977، ص 205.