همسات

بقلم
محمد كشكار
في تقليد الرسول و أبي بكر و عمر....

 الرسالة المحمديـــة ليست ملكا لأحـــد وهي موجّهــــة للعالمِين، مسلميـــن وغير مسلميـــن، والعلاقـــة بيـــــن المخلـــوق وخالقـــه في الإسلام فرديـــة وخاصّـــة وعموديّـــة مباشـــرة ولا أحد يهـــدي أو يضلل الآخـــر، فحتـــى الرّسول محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، لم ينـــل هـــذه المرتبــــة الربّانيـــة العليـــا «هداية البشـــر» التي اختصها الله عز وجل  لنفسه فقط دون رُسلـــــه وعباده الصالحيـــن. لا يملك أي إنسان، مهما بلغ من العلم والتقوى، حقّ تكفير غيره أو الحكم على نواياه وإنما يكتفــــي بما ظهر منها من صــــدق في القول وإخلاص في العمل. لا أعادي ولا أخادع ولا أنافق ولا أجامل أحدا من العالمِين، لأنني أحمل كلّ الحبّ لكل العالمِيـــن فما بالك بأهلي وعشيرتي وقومي وانتمائي المتجذّر في وطني المتفرّع والمنفتح على كلّ ثقافات العالم غير المعزولة عن بعضها البعــــض ولو كره الكافرون. 

حديث (يقولون إنه ضعيف وأنا أود أن يكون صحيحـــا لجماليتــه في اللفظ ووجاهته في المعنـــى): «اعمل لدنيــــاك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تمـــوت غدا»(1)، أترجمهـــا بلغة العصر فأقول: «كن عَلمانيـــا مائة بالمائة وروحانيّا مائة بالمائة»، عَلمانيّا بفتح العين، يعني تنشغل بمشاكل هـــذا العالـــم المادّي المحســـوس، المشاكل البشريّـــة التـــي لا نكـــاد نلمس حضورها  فــــي جلّ الخطـــب الرنّانة لجمهرة الدعاة الإسلامييّن وما أكثرهــم علـــى الفضائيّات العربيّة.
لم أسمع أحدا منهم يتكلمّ عن النقابة وحقوق العمّال أو عن البطالة والفقر والجهل وتخلّف التّعليم في ديارنا وغياب الضمان الصّحي وغياب التّداول على السلطة ومصادرة حرّية التّعبير ومنع حرّية الصّحافة وتقنين التمديد والتوريث وممارسة التّعذيب في مراكز الشّرطة واحتراف القمع وفرض قانون الطّوارئ والتبعيّة الغذائيّة والثقافيّة والصّحيّة والعسكريّـــة في عالمنا العربي وحصـــار غزّة من قبل الأنظمة العربيّة والرّقابة على ما ينشر على الشبكة العنكبوتيّة  وشبكات التواصـــل الإجتماعـــي وغيرها من المشاكل اليوميّـــــة التي يعانــــي منها المواطـــن العربي المسيحي واليهودي والمسلــــم. أمّا كلمــــة روحانيّــــا، فأعني بها قرآنيّــــا، تتلو القرآن وتعمل بــــه ولا تكتفي بقراءته في صلاة التراويح وفي الغد تذهب إلى شغلك وتنسى أو تتناسى كلّ القيم القرآنيّة من تحابب وتآلف وصدق ومودّة وترجع صغيرا وصاغرا إلى طينتك الأصليّة وتغشّ في العمل وتتكاسل في أداء واجبك وتحتكر السّلع وتزيد في الأسعار وتكفّر الآخرين وتحاول أن تهدي بالتي هي «أخشن» وتعطي أبشع صورة على الإنسان المسلم. لو قرأ كل واحد منا القرآن وطبّقه لصلح حال الأمّة دون حاجة لتغيير ثوريّ وعنيف ودمويّ للسّلطة. ومن هي السّلطة؟ هي مبثوثة في المجتمع، هي أنت وأنا وأخي وأخيك وابن عمّك والوزير والشّرطي والأستاذ والمعلّم والتّاجر المستقيم والتاجر الذي يسرق أموال الفقراء والجزّار المستقيم والجزار الغشّاش والموظّف المستقيم والموظّف المرتشي والنّقابي المستقيم والنقابي الفاسد والداعية المستقيم  والداعية المتاجر بالدّين أو الإمام الموظّف عند السلطة.
لماذا لا نقلد محمدا؟
لماذا لا نقلد محمدا، رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونصرخ صرخته المشهورة عندما فكّر علي ابن أبي طالب رضي الله عنه مجرّد تفكير في الزّواج بثانية وهو متزوّج من فاطمة الزّهراء ابنة الرسول صلى الله عليه وسلّم : «إلا فاطمة يا عليّ». كلّنا أبناء الرّسول وكلّ بناتنا فاطمة ومعزّة فاطمة عند الرّسول لا تقلّ عن معزّة ابنتي «عبير» عندي وهي متحجّبة و متديّنة، فأكيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحبها ولا يفرّق بينها وبين فاطمة وهو المشهود له بالعدل. أصرخ إذن مقتديا بالرّسول الكريم، صلوات الله عليه وسلامـــه، أشرف وأكبر وأعظم وأنبل قدوة في حضارتنا العربية الإسلامية وأقول: «إلا عبير يا أبا بكر (زوج ابنتي اسمه أبو بكر)». لماذا لا نقلّده في تسامحه وقبوله للآخر عندما تزوّج من يهوديّة ومن قبطيّة ورضي بهما والدتين غير مسلمتين محتملتين لأولاده؟ لماذا نكفّر ونقصي النصارى واليهود ونقول عنهم خنازير؟ هل يرضى المسلم بخنزيرة أمّا محتملة لأولاده؟ 
لماذا لا نقلّده في نشره للدّعوى بمكّة في الثلاثة عشر سنة الأولى بالتي هي أحسن ونحن الآن في القرن الواحد والعشريــــن قد توفّر لدينا من علــــوم الإقنــــاع ممّا يغنينا عن السّيف. ولا ننسى أن الإســــلام انتشــــر سلميّـــا في جلّ بلدان العالــــم الإسلامــــي. فالدين الإسلامي لم ينتشـــر بالسيف وإنما الإمبراطورية الإسلاميـــة هي التي توسّعــت بالسيف والأدلة التــــي تبرهن علــــى صحّة هذا الطرح كثيـــرة . انتشر الإسلام دون سيف في «أندونيسيــــا»، أكبر الدول الإسلامية الحديثة عددا، عن طريق التجار المسلمين. وانتشر في إفريقيا السوداء دون سيف عن طريق أصحاب الطرق الصوفية وانتشر حديثا في القرن العشرين دون سيف في أوروبا وبريطانيا وأمريكا الشمالية والجنوبية وكندا واستراليا. هذا النهج السلمي في نشر الدعوة الإسلامية يتماشى تماما مع إيماني الشخصي الرّاسخ باللاّعنف و قد أراحني وجود هذا النهج السلمي في الإسلام نفسيّا قبل أن يقنعني منطقيا؟
لماذا لا نقلد أبا بكر؟
لماذا لا نقلد أبا بكر الصّدّيق، رضي الله عنه، عندما قال في حفل تنصيبـــه كأول خليفــــة للمسلميـــن: «محمد كان له ملاك يهديـــه، أما أنا فلي شيطان يغويني. فإن أصبت فأطيعوني وإن أخطأت فأصلحوني»، وننزع القداســـة عن السلطة ونرسى دولة القانون والمؤسسات بدل الدولة الدّينيّة التي تحكم باســــم الله والله أسمـــى من الدّولة مليون مرّة، دولة مدنية تكون الحظوة فيها للأصدق والأكفأ قبل الأتقى وإن توفّرت الصفتان في شخص واحد فالحمد لله والشكر لله؟ لماذا لا نفصل الدين عن سياسة الدولـــة؟ لأن السّياسة تفسد الدّين وتحطّ من قيمتـــه الرّوحية وفـــي الوقت نفسه الدّين يفسد السّياسة بادّعاء اكتساب اليقين المُطلق والرأي الواحد المقدّس غير القابل للنقاش. 
عندما يحتمـــي السّياسي بقداسة الدّيـــــن، لا نستطيع معارضته ومحاسبته وإلا اتّهمنا بالكفر والإلحاد؟ قلت نفصل الدين عن سياسة الدولة ولم أقل عن المجتمع، لأن المجتمع مسلـــم ولكن لا ننكر حقّ الأقلّيــــة في ممارسة شعائرها المسيحية أو اليهودية أو البوذيــــة وحقهـــا في تولّي أعلى المناصب في الدّولة، لو وصلوا إليها بكفاءتهـــم، كما فعل أكبر قائد حربيّ عربـيّ، صلاح الدّين الأيّوبي، عندما استعان بقُوّاد مسيحييّن عرب في حروبه الصليبيّة ضدّ الغزاة الأوروبييّن المتستّرين بالمسيحيّة و بالحقّ الإلهي في الاستحواذ الكامل على مدينة القدس قصد تنصيرها عنوة وطرد سكّانها الأصلييّــــــن من يهود عرب ومسلمين عرب ومسيحيين عرب. تُقاس الديمقراطيّات بالمحافظة وتكريس حقوق الأقليات وليس بفرض رأي الأغلبيــات على الأقليات المقهورة. 
لماذا لا نقلد عمر بن الخطاب؟
لماذا لا نقلد عمر بن الخطاب؟ رضي الله عنه، في اجتهاده وهو أكبر وأشجع المجتهدين وأفهمهم وأقربهم لمقاصد القرآن عندما طبّق مقاصد القرآن وأوقف إقامة الحدّ على السّارق في عام الرّمادة، عام المجاعة، لأن شروط إقامة الحدّ لم تتوفّر في ذلك الظّرف الاجتماعي الزماني والمكاني؟ لماذا لا نقلّده و نطبّق القرآن ونشرّع اليوم منع إقامة الحدّ على السّارق لأن عصرنا وفّر لنا من علوم التربية والنفس ما يجعلنا قادرين على إعادة تأهيل القاتل والسارق وإدماجه في المجتمع كمواطن تائب وصالح غير مقطوع اليد؟
لماذا لا نقلّده ونطبّق ما أمرنا به الله في آخر كل آية حدّ وهو العفو وقد قال إنه خير لنا من القصاص ووعدنا إن عفونا بأجر مضاعف في الجنّة؟ لماذا لا نقلده عندما طبّق مقاصد القرآن و منع عطايا الرّسول على المؤلّفة قلوبهم، رغم التنصيص عليها في القرآن الكريم، لأن الإسلام تعزّز ولم يعد محتاجا لمساندة هؤلاء؟ لماذا لا نقلّده عندما منع الصّحابة من الخروج إلى الأقاليم حتى لا يستغلّوا نفوذهم و يملكوا الأرض ومن عليها؟ 
لماذا لا نواصل اجتهاده ولنا من العلوم الحديثة ما لم يتوفّر لعمر رضي الله عنه رغم تفوّقه علينا جميعا في الجانب الروحاني؟ لماذا لا نقلّده في قولته المشهورة «أخطأ عمر وأصابت امرأة»، مواطنة عارضته علنا فلم يعاقبها ولم يحرمها من التّعبير عن رأيها ولم يقمعها ولم يعذبها ولم يسجنها رغم ضعفها و قوته؟ لماذا لا نقلده ونشرّع اليوم إحلال (من حلال) النّحت والتّصوير والتّمثيل والسّينما، لأنّنا أصبحنا الآن في مأمن من عبادة الأصنام والشّرك بالله بفضل قوّة إيماننا؟ لماذا لا نقلده ونشرّع إحلال الموسيقى الرّاقية التي تهذّب الذّوق وتُريح النفوس كموسيقى «مارسال خليفة» و«عبد الوهاب» و«فيروز» و«أم كلثوم» و«نجاة» و«بتهوفــــن» و«موزار» ، لأن الموسيقـــى في عصرنا لم تعد حكرا، كما في الجاهلية،  على بيوت الدّعارة وجلسات السّكر والمجون ولأن قرآننا  ينطق موسيقى قبل المعاني ويصل إلى الوجدان قبل العقــل وقــــد تعلّم أكبر الملحّنيــــن المصرييّن أمثال الشّيخ زكريا والشّيخ إمام في مدارس تجويد القرآن الكريم؟
إذا كان الشّاعر مسلما والملحّن مسلما والعازف مسلما والمطربة أو المطرب مسلما والسّامع مسلما، فأين يكمن الضّرر؟ وإذا كانت الكلمات راقية والموسيقى هادئة والأداء رائعا فأين تكمن المشكلة؟ ولنا أسوة في العالم المسلم والموسوعة، الملمّ بعلوم عصره من فلسفة وعلوم دينية وطبيعية وموسيقية، الصوفي الورع التقي الزاهد بالدنيا والشديد الانصراف عن متعها في المال والزوج والولد، «أبو نصر محمد بن أوزلغ بن طرخان الفارابي» الذي كان يعزف الموسيقى وقد عاصر الأمير «سيف الدّولة» في حلب بسوريا في القرن التاسع والعاشر ميلادي ويقال عنه أنّه اخترع أو طوّر الآلة الموسيقيّة المعروفة بالقانون وألّف كتبا في الموسيقى ككتاب «الموسيقى الكبير» و كتاب «في إحصاء الإيقاع» و كتاب «إحصاء العلوم»  الذي يتضمّن جزءا خاصّا بعلم الموسيقى؟
لماذا لا نقلد القرآن؟
لماذا لا نقلّد القرآن في شفافيته وحرّية تعبيره عندما نشر ونقل لنا عبر أربعة عشر قرن حجج  الشّيطان عدوّ الله والإنسان واتهامات أعداء الرّسول وتكذيبهـــم لنبوّته ولم يقطع مقــصّ الرّقابة الإلهيّة أخبار المعارضين ووجهات نظرهم. أمّا سلطتنا اليوم، فهي تجزع من نّص بصفحة واحدة، ينشره على «النت» معارض منفرد للسياسة التربوية ؟ 
لماذا لا نتحلّى بشجاعة عقل السّلف الصّالـــح من الصحابـــة والأئمة أصحاب المذاهب الأربعـــة ونتّبع منهجيّــــة تفكيرهــــم واستنباطهم للأحكــام دون الخروج عن المقاصد القرآنية بعيدا عن التّمســــك الجامد والمتحجّــــر بالنّص خاصة وأننا نمتاز عليهم لا في الورع والتقوى، بل في العلوم الحديثة من ألسنية وأنتروبولوجبا وعلوم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع وإبستومولوجيا وعلم الأحافيـــر وغيرها. وأختـم فأقـــول كما قال الفيلسوف «مطاع الصفــــدي» (2): «فما أسهل أن نرتدي عباءة أجدادنـــــــــا وما أصعب أن تكون لنا رؤوسهم».
هوامش
(1) حديث ضعّفه الشيخ الألباني رحمه الله حيث قال :«لا أصل له مرفوعاً ، وإن اشتهر على الألسنة في الأزمنة المتأخرة» من «السلسلة الضعيفة» (8) . وفي العديد من المراجع والكتابات يسند هذا القول لأمير الكلام أمير المؤمنين وسيد المتقين علي بن ابي طالب رضي الله عنه.
(2) مفكر وفيلسوف سوري ولد عام 1929. وهو مؤسس مركز الانماء القومي ورئيس تحرير مجلة الفكر العربي المعاصر. من كتاباته «فلسفة القلق» و«الثورة في التجربة» و«استراتيجية التسمية في نظام الانظمة المعرفية» و«نقد العقل الغربي : الحداثة ما بعد الحداثة»