همسات

بقلم
محمد كشكار
وجادلهم بالتي هي أحسن

 انقرض مفهوم العنف الثوري المسلح الشيوعي كوسيلة للوصول إلى السلطة من النظريات الماركسية ما بعد اللينينية والستالينية والماوية والكاسترية والقيفارية، فوددت لو انقرض أيضا - سرّا وعلنا - من خطاب «الشيوعيين الديمقراطيين» الذين أتمنى أن يعتنقوا الاشتراكية الديمقراطية مذهبا سياسيا – اقتصاديا. ومتى سيختفي مفهوم «الجهاد المسلّح الإسلامي» من النظريات الإسلامية الديمقراطية وعقول الإسلاميين الجدد مع المحافظة على هذا المفهوم الربّاني كما هو في سور وآيات القرآن الكريم دون تحريف؟ 

بعد نجاح وترسيخ الدولة الشيوعية إثر ثورة 1917 بواسطة جهود الأقلية البلشفية مقابل الأكثرية المنشفية من الشعب الروسي، وسقطت الأكثرية كالعادة تحت ضربات العنف الثوري المسلح للأقلية المؤمنة بالشيوعية، كان الحزب الشيوعي الماركسي اللينيني في روسيا الشيوعية يؤمن بمفهوم العنف الثوري المسلح بهدف إجبار كل شعوب الدول المجاورة بقوة السلاح على تكوين حزب شيوعي وإقامة دولة شيوعية في بلدانهم على الشاكلة اللينينية بالضبط دون استقلالية في القرار لأي دولة محتلة شيوعيا. ضمت روسيا بقوة العنف الثوري المسلح كل الدول المجاورة لها مثل أوكرانيا وتركمانستان وأذريبجان وأرمينيا وطاجكستان وجورجيا وبلاّروسيا وصنعت منهم جميعا كيانا مسلّحا تسلطيّا، سُمى «الاتحاد السوفياتي»، أكبر دولة بوليسية قمعية ومخابراتية في تاريخ البشرية القديم والحديث، وخاصة في فترة «ستالين» التي دامت تقريبا ثلاثة عقود. 
أعان الاتحاد السوفياتي بالعتاد والسلاح والرّجال ثورات «ماو»، وسهّل «لكاسترو» و «شيقيفارا» احتلال كوبا، فأعان «كاسترو» بدوره المناضلين الشيوعيين بالسلاح للالتحاق بالكونغو ومؤتمر جنوب إفريقيا بقيادة «منديلا» والموزمبيق وأنقولا. وقفت روسيا والصين بالعدّة والعتاد والسلاح مع فيتنام في حربها ضد الأمريكان، ثم حصل ما لم يكن في الحسبان حيث احتلّت الدولة الشيوعية المحرّرة و المستقلة حديثا -   فياتنام -  بسرعة البرق جارتها الشيوعية كمبوديا. 
يَكْمُنُ الخلاص الوحيد للشيوعيين - وبالخصوص الشيوعيون العرب الذين يمثلون أقلية الأقليات في الدول العربية الإسلامية - في التخلص نهائيا من النظرية الماركسية بكل تفريعاتها اللينينية والستالينية والترتسكية والماوية والقيفارية والكاسترية والخوجية والبول بوتية، سرا وعلنا، فكرا وممارسة، والجنوح الواعي والحرّ إلى اعتناق النظرية «الاشتراكية الديمقراطية» التي تتجسّم في هذا العالم في الأنظمة الأسكندنافية التي استفادت من مكتسبات الاشتراكية ومكتسبات الرأسمالية في آن معا.
بعد سقوط جدار برلين  سنة  1989 واتحاد الألمانيتين ، سقط مفهوم العنف الثوري المسلح الشيوعي نهائيا وبقي حبرا على ورق وانتهى إلى مزبلة التاريخ السياسي تحت ضربات ديمقراطية صناديق الانتخابات والتعددية الحزبية والتداول السلمي على السلطة، ورغم هنات الديمقراطية الغربية، فلا يوجد نظام أفضل منها في هذا العصر. ورغم ذلك لا زال بعض الشيوعيين التونسيين اللينينيين الترتسكيين والماويين يحنّون ويلوّحون في خطبهم بمبدأ العنف الثوري المسلح، فيخسرون على جهتين:
* أولا، حتما سيخسرون، لأنهم أبعد الناس على تطبيقه لكونهم أقلية واقعية في المجتمعات العربية الإسلامية، وما داموا أقليّة لمئات السنين إلى الأمام فلن يقدروا - و لو أرادوا - على التطبيق الفعلي لهذا المبدأ الداعي إلى العنف الثوري المسلح إلا إذا استعانوا بالجيش وهنا تكمن الخسارة الكبرى للديمقراطية والخيانة الكبرى للشعب الذي يحبّذ النضال السلمي كما أثبت ذلك في ثورة 17 ديسمبر -  14 جانفي 2011. و يبدو لي أن على اليساريين أن يتمسكوا بالديمقراطية أكثر من غيرهم حتى من الناحية البراغماتية لأنها السبيل الوحيد لنجاتهم وليس لهم من سبيل نجاة غيرها، عكس الإسلاميين الذين يمثّلون الأكثرية في المجتمعات العربية الإسلامية وهم أقوى على مجابهة عنف الحروب الأهلية إن وقعت في تونس (لا قدر الله) كما فعلوا في العراق وأفغانستان والصومال وليبيا وسوريا ولبنان وقريبا - لا قدر الله - في مصر.
* ثانيا، حتما أيضا سيخسرون حتى ولو كانوا صادقي النية في تحقيق غاياتهم الشيوعية النبيلة، لأن المهم ليس الغاية - وهي نفسها في كل الإيديولوجيات والأحزاب والمتمثلة في خدمة الشعب – وإنما الأهم هي الوسيلة: كيف ستصل إلى الحكم و بأي وسائل؟ وسيلة العنف الثوري المسلح مرفوضة تماما لدى غالبية الجماهير والدليل عدم اللجوء إليها من قبل أغلبية الجماهير في مصر وتونس واليمن وفي دول أوروبا الشرقية، حيث نجحت الثورات السلميّة الملوّنة في أوكرانيا وجورجيا وبولونيا ورومانيا وغيرها، وتفكّك الاتحاد السوفياتي إلى دول مستقلة دون طلقة نار واحدة، واتحاد الألمانيتين دون عنف يذكر، ورجوع مقاطعة «هونكونق الصينية» إلى الصين الشعبية سنة 1999، عند نهاية المعاهدة البريطانية دون مقاومة صينية مسلحة.
يبدو لي كذلك فعل الإسلاميون التونسيون الجدد، وأخص بالذكر منهم حزب حركة النهضة الذي قَبِل و أقرّ مبدأ حرية المعتقد وحرية الضمير في الدستور التونسي الجديد. ويبدو لي أن بعد هذا الاعتراف الصريح والعلني والصادق والديمقراطي، فإن مبدأ «الجهاد المسلح» ضد الكفار أصبح نسيا منسيّا مثله مثل عدم تطبيق الشريعة في إقامة الحدود على السارق والزانية والقاتل. وهذا التطور في تأويل مقاصد القرآن الكريم هو اجتهاد من المسلمين أنفسهم، اجتهاد يدلّ على تأقلمهم مع عصرهم ولا يعني البتّة عدم احترامهم لقرآنهم الكريم والدليل القاطع أنهم لم يقبلوا فيه أي تحريف أو تبديل ولو بحرف واحد مهما حاول الأمريكان والصهاينة جرّهم إلى هذه الخطيئة النكراء. 
لماذا يصبح الجهاد المسلح نسيا منسيا؟ لأن مَن يؤمن بحرية المعتقد، لا يحق له قانونينا تكفير الناس ولا محاربتهم باسم الدين أو التبشير، بل على العكس تماما عليه الاعتراف بصراحة ووضوح تام بأحقية المواطن التونسي المسيحي واليهودي والبهائي والملحد في حقه في مواطنة كاملة لا نقصان فيها، و تناسقا مع هذا الإقرار بحرية المعتقد، لم يعد لنا الحق سياسيا التفريق بين المواطنين التونسيين على أساس الدين، بل يصبح كل مواطني هذا البلد تونسيين لا أكثر ولا أقل، دون تمييز جنسي أو عرقي أو مذهبي أو ديني، و يحملون بطاقة تعريف وطنية مثل التي نحملها الآن، والتي لا تحمل جنس أو دين أو عرق أو مذهب صاحب البطاقة مهما كان انتماؤه الديني أو العرقي أو الجنسي، بطاقة تعريف وطنية لا تشبه البطاقة الوطنية المصرية التي تنص على دين حاملها.
كان التبشير والفتح والاحتلال بواسطة الجهاد المسلح واردا وواجبا لدى كل الأديان السماوية، الإسلام والمسيحية حتى القرن السادس عشر ميلادي واليهودية حتى القرن الواحد والعشرين، و هذه الأخيرة ما زالت حتى اليوم تستوطن أراضي الفلسطينيين العرب وتطردهم من أرض جدودهم قسرا تحت أعين العالم الغربي «الديمقراطي» وتحت غطاء «منظمات الحقوق العالمية النزيهة» إلا في القضية العربية الإسرائلية. 
لن يفقد العنف الثوري الشيوعي والجهاد الإسلامي المسلح بريقهما لو استُعملا ضد المعتدين، مثل مجاهدة الإسرائيليين المستوطنين، أو الأمريكان المعتدين في العراق وأفغانستان. مع الإشارة أنني أحبذ المقاومة السلمية على طريقة «غاندي» وقد أتت أُكلها وهي ليست أسهل من الكفاح المسلح كما يعتقد بعض المتحمسين العنيفين. لكن للأسف الشديد فأكثر حروبنا العربية، حروب إسلامية- إسلامية منذ موقعة الجمل بين عائشة وعلي رضي الله عنهما إلى حرب سورية بين مسلمين مع النظام ومسلمين ضد النظام ومن المؤسف جدا أن مغتصبي أراضينا المستوطنين الإسرائيليين يتفرّجون علينا بنظارات مكبرة وهم يضحكون من غبائنا وتقاتلنا والأنكى والأدهى وأمر أننا نسمي هذا الاقتتال العربي- عربي جهادا مقدسا ونألّف له الفتوى تلو الفتوى!
نسينا أو تناسينا أن التجار المسلمون غير المسلحين قد وصلوا قديما إلى الصين وأندونيسيا وفتحوها سلميّا بالكلمة الطيبة والأخلاق الحميدة فدخل الآسيويّون في دين الله أفواجا دون جهاد مسلح. كذلك فعل أقطاب المتصوفة عندما هاجروا إلى إفريقيا الوسطى كمالى والسنغال وغيرها ونشروا في هذه الربوع الدين الإسلامي دون رفع سيف واحد وطبقوا أفضل تطبيق لرائعة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الشهيرة حيث قال: «كونوا دعاة إلى الله وأنتم صامتون. قيل: كيف ذلك؟ قال: بأخلاقكم». ولم يقل بتكفير غيركم أو التشهير بهم أو تخوينهم أو التشكيك في عقيدتهم أو تحقيرهم وكرههم ونبذهم وإقصائهم من موطنهم. 
أتلاحظون معي بربكم كيف سقط مبدأ العبودية من الحضارة العربية الإسلامية ولم يعد يطبق تماما في أي دولة عربية إسلامية ولم يعد يقدر أن يدافع عنه أشد دعاة الإسلام الجدد المتنورون رغم قوة إيمانهم ورغم غزارة تكوينهم الثقافي الإسلامي، فنُسيَ هذا الفعل القروسطي إلى الأبد مع أن القرآن الكريم أباحه ظرفيا وجزئيا ولم يحرمه صراحة، بل شجع على تركه فقط إذا انتفت أسباب نزول تحريمه. انقرضت الأسباب الاجتماعية لاستعباد البشر فانقرض معها فعل استعباد البشر من الحضارة العربية الإسلامية تزامنا مع جميع حضارات العالَم.
أنهي مقالي بمقولة رائعة للمصلح الإسلامي العظيم جمال الدين الأفغاني الذي يقول فيها: «ملعون في دين الرحمان... من يسجن شعباً.. من يخنق فكراً.. من يرفع سوطاً.. من يُسكت رأياً.. من يبني سجناً.. من يرفع رايات الطغيان.. ملعون في كل الأديان.. من يُهدر حق الإنسان.. حتى لو صلّى أو زكّى وعاش العُمرَ مع القرآن»..