بهدوء

بقلم
مصباح الشيباني
هل يمكن الحديث عن جودة في التربية والتعليم في ظل «اللا معياري»؟

 تعتبر البيئة المحيطة المجتمعية للمدرسة من أهم العوامل التي تؤثر في نسق اشتغال هذه المؤسّسة وفي نظام التواصل بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين. والبيئة المجتمعية بمختلف عناصرها السياسية والثقافية والاجتماعية والإعلامية..الخ قد تكون عامل تطور ودفع نحو تحقيق الجودة والإنجازية لأهداف التربية والتعليم المدرسي أو عامل فشل وإحباط أوعطالة في تحقيقها.

   إنّ الصّراع داخل الحقل المدرسي له منطقه الخاص في كلّ مجتمع وفي كل مرحلة تاريخية، ولا يمكن تفسير خصائصه دون معرفة الخصائص السّياسية والثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة المميزة لهذا المجتمع. ولكن في السنوات الأخيرة بدأت سلطة المدرسة وصورتها في المجتمع تتفكك شيئا فشيئا نظرا لتعدّد مصادر النّفوذ داخلها ونتيجة حالات الغموض التي ما انفكّت تتميز بها القوانين المنظمة لها. والأمر الخطير هنا يتعلّق أساسا بالمقام الموضوعي أو الحقيقي لهذه المؤسسة في المجتمع، وليس بموقعها أو دورها كما يراه أعضاؤها. فالتّصوّرات التي يقيمها أو يستبطنها المتعلمون عن المدرسة تمرّ حتما عبر رمزيّة هذه المؤسّسة ومقامها في المجتمع.
1ـ التفكك الرّمزي للفضاء المدرسي 
للفضاء المدرسي، مثل بقية فضاءات المجتمع الأخرى، دور رئيسي في نشر القيم أو انحلالها. فهو يشكل أحد المرجعيات الثقافية والفكرية لبناء الهويـــــة سواء عبر السلوكيـــات والخطابــات أو عبر نظام التفاعلات بين مختلف عناصره الداخلية والخارجية. إذ يحدّد الكيفيّة التي يفكّرون بها هؤلاء الأعضاء كجماعة، في إطار علاقاتهم الاجتماعية والمهنية القائمة بينهم. فالصور والآراء المعبر عنها ضمن هذا الفضاء تترجم الوضعية أو الحالة التي يوجد فيها الفرد من ناحية، وتحدّد سلم القيم الذي يوجه سلوكياته من ناحية ثانية. وبقدر ما تتخذ العلاقات بين المجموعة داخل الفضاء المهني شكلها الثابت بقدر ما تترسّخ وتستبطن وتمكّن الأفراد من رسم شكل تمثلاتهم الاجتماعيّة حول مواقعهم وأدوارهم المهنيّة. 
لقد تشوّهت مكانة المدرسة باعتبارها أحد فضاءات التنشئة الاجتماعية وتقلّص دورها في تحقيق التواصل والاندماج الاجتماعي والمهني. فهناك إعادة تشكيل لرمزية هذا الفضاء المؤسسي الخصوصي، نتيجة تغير منطق الفعل المدرسي واكتساح ظاهرة القطيعة التواصلية المهنية في أغلب مؤسستنا التربوية، خاصة بالأوساط الحضرية وبالمدن الكبرى، وأصبحت سلوكيات اللامبالاة ومعايير الفردانية وحالات الانطواء  على النفس هي القيم المهيمنة داخل هذا الفضاء.  
أصبحنا اليوم، نعيش في حالة الشكّ المعمّم وعدم الاطمئنان إلى أقصى حدوده. فالعلاقات الاجتماعيّة والمهنيّة داخل المؤسّسة التّربوية التّونسيّة بدت أكثر اختراقا بالتّناقضات والصّراعات النّاسفة لكلّ شعور من قبل مختلف أعضائها بالانتماء المشترك إليها. ومن يوم إلى آخر بدا يتجلّى لنا عبر رصدنا لبعض معطيات الواقع، سواء من خلال الممارسة أو المعاينة والمواكبة الميدانيّة للأحداث المدرسيّة، أنّنا أصبحنا نعيش وضعيّة تنظيمية وثقافية مفكّكة في مختلف مواقع العمل. فأزمة المعتقدات المستبطنة في «المخيال الاجتماعي» المدرسي مرتبطة بأزمة الشّرعيّة وهو ما عبّر عنه عالم الاجتماع الفرنسي «أميل دوركايم» (Durkheim.E) بـ «وهن الرّموز» الذي أنتج وهنًا في المؤسسة التربوية أولاً وفي المجتمع ثانياً.
ولمّا كانت المؤسّسة التربوية من الأماكن والمراسي للتواصل وبناء التّجارب المشتركة بين المدرّسين والمتعلّمين، وفضاء يقيّدهم بضوابط المعيش المشترك حتى يحافظوا على اجتماعيتهم  «sociabilisation»، أضحت الآن بفعل التغييرات الثقافية والاجتماعية تتآكل الأحاسيس بها. وإذا ما تمّ تقويض العلاقات بالأماكن، سيتم تقويض الجماعات وهويات الناس الذين يوجدون فيها. ومن ثم تفقد الثقافة الجماعية تماسكها وقوتها التأطيرية لأعضاء هذه المجموعة. وفقدان المجموعة الإحساس المشترك من خلال علاقاتها المتبادلة مع المكان، سيجعلها أكثر استلابا باعتبارها ستصبح أكثر إحساسا بالعزلة والتفرد. وهو شكل من أشكال الانحلال المؤسساتي الناتج عن الانحلال القيمي والأخلاقي في المجتمع. فالتواصل الاجتماعي يمثل أحد أسس العلاقات الإنسانيّة في المؤسّسة التربوية. فالمقاربة «البسيكو- سوسيولوجيّة» ركّزت أبحاثها على بعده الإنساني والاجتماعي لأنّه يمثّل آليّة بواسطتها تتشكّل العلاقات البشريّة، خاصة من خلال علاقات تبادل المعلومات والأفكار والتّصوّرات. لذلك يعتبر التّواصل الاجتماعي والثقافي والتربوي في المدرسة بعدا رئيسيّا في العمليّة التّربويّة وآليّة مركزيّة في تحقيق عمليّة التّوافق والفهم بين مختلف الفاعلين الاجتماعيّين. فهو عبارة عن عمليّة اجتماعيّة وتفاعليّة يعتمد فيها على قيم المشاركة بين الأفراد والمجموعات في معاني الفعل التّربوي وضبط دلالاته بين المرسل والمتقبّل. أي أنّ مناخ التّواصل داخل المؤسّسة هو الذي يشكّل ديناميكيّة المجموعة سواء في اتّجاه التّطوّر والاندماج أو في اتّجاه التّراجع والسّكون والانحلال والتفكّك.  
لاشكّ أنّ إهمال المسؤولين عن التعليم التعرف على مثل هذه الجوانب سوف يزيد من حجم المشكلات والمعوقات المدرسية في المستقبل،  وسوف تغدو مع مرور الوقت عقبات أمام الأداء المدرسي في بعديه التربوي والتعليمي وفي جودتهما. وسوف تنعكس هذه السلبيات على أداء المدرسين وتحد من قدراتهم ودافعيتهم وتجعلهم يقبلون على أداء واجباتهم الدراسية بصورة روتينية خالية من الحيوية والرضا والارتياح وتقتل فيهم روح الإبداع والابتكار. لأن التطور المهني للمدرّس يظل رهنا بجهده الخاص وسعيه الذاتي إلى تطوير إمكاناته العلمية والمهنية والعلائقية مع مختلف الأطراف المدرسية  الأخرى أولا، وبمستوى تأثره بالمناخ العلائقي في فضاء العمل ثانيا.   
فالمدرسة مثلها مثل أي فضاء مؤسّسي ومنظم ينتج معاني ودلالات تبادليّة بين الفاعلين الاجتماعيين الذي ينتمون إليه، ليس كمعطيات واقعة سابقا، بل أيضا كـ «انبثاقات» (des émergences) ناتجة عن نسق تفاعلهم المباشر داخل المؤسّسة وخارجها أي  تتضّمن – في بعدها السّوسيولوجي- نسقا تفاعليّا تتجلّى فيه كلّ مظاهر الاتّصال الخفيّة والظّاهرة المحدّدة لبنية التّمثّلات الاجتماعيّة في المجتمع والجانب الرّمزي والخفيّ لهذه العملية التواصلية له من القوّة في نسج التّمثّلات الاجتماعيّة أكثر ممّا هو ظاهر. فالأبعاد الرّمزيّة للتواصل المهني والاجتماعي توجّه البنى النّفسيّة والذّهنيّة للمدرّسين والمتعلّمين من ناحية، ويمكنها أن تتحكّم في بنية النّسق المدرسي كلّه وتحدّد اتجاه تغييره من ناحية ثانية. فالتواصل الاجتماعي والثقافي لا يمكن أن يحدث في فراغ، بل يمثل  أحد المكوّنات الأساسيّة للجماعة. 
 2ـ  تأثير الخطاب الإعلامي في البناء الأخلاقي والقيمي للمتعلم:
قد يكون من المفيد أن ننطلق من بديهية أساسية مفادها أننا نعيش عصرا معولما وفق كل المقاييس، وأصبحنا اليوم نعيش عصر المعلومات ليس لأن الإعلام ظاهرة جديدة في تاريخ البشرية، بل لأن وسائله الجديدة قد بلغت غايات بعيدة وأصبحت لها آثار عميقة في إطار الحراك الثقافي والسياسي والاجتماعي وفي إطار التوجيه والتغيير التي شملت مختلف البنى والمؤسسات في المجتمع. فالتقدم الهائل في تكنولوجيا الاتصال الألكتروني أفضى إلى إنتاج وسائل تواصل اجتماعية حديثة عملت على إحداث تغيير جذري في العلاقات بين الناس وفي أشكال تفاعلهم وفي أساليب تواصلهم. ولم تعد وظيفة الإعلام تتوقّف على نقل الخبر أو المعلومة بين الباث والمتقبّل، بل أصبحت من وظائفها التّأثير في المجتمع وتشكيل مواقفه واتّجاهاته أو تغييرها. كما أنّ لهذه الوسائل أهمّية كبيرة في تشكيل المواقف والاتّجاهات والأيديولوجيّات، خاصّة في المجتمعات النّامية. فالخطاب الإعلامي التّلفزيوني أو الصّحفي لم يعد يقدّم بنية النّص وخلفيّاته فقط، وإنّما يستهدف تشكيل بنية القيم والمواقف والمعايير وإعادة تشكيل وعي النّاس.
من المسائل الجديرة بالبحث هي علاقة الخطاب الإعلامي بالتربية الأخلاقية والقيمية داخل المدرسة وخارجها باعتبار أن هذه الوسائل أصبحت تمثل الأدوات الرئيسية في ما يسميه البعض بـ «البيداغوجيا الاجتماعية»(1) أي نمط التثقيف العام والمشترك. وهي من أكثر الأدوات تأثيرا في نسق التواصل التربوي والتعليمي إلى جانب أنّها أصبحت ذات تأثير في الوعي العام لأنها على صلة مباشرة بالواقع والمجتمع. فـ»الأنترنت» مثلا، أصبحت اليوم، أكثر قدرة على مخاطبة الشّباب والتأثير فيهم(2). ومن هنا تطرح إشكالية حول تأثير المضامين الفكرية والثقافية الإعلامية في الطفل وفي تفكك العلاقات ونظام التواصل في المدرسة. 
لقد وجدت المدرسة نفسها أمام سيلان جارف من الضّغوطات الدّاخليّة والخارجيّة. وبالتّالي، أصبحت عاجزة حتى عن حماية نفسها من تأثيرات ما يمكن أن نسميهم بـ «الفاعلين التّربويّين الجدد». وهذه الظاهرة أدّت إلى ما يمكن أن نسمّيه بظاهرة «أزمة المشروعيّة» (crise de légitimité) في التنشئة الاجتماعية وانتشار الضّبابيّة والهامشيّة في دورها التّربوي والتعليمي معاً. أي أصبحت هذه المؤسّسة غير فاعلة في بناء شخصيّة الطّفل الأساسيّة من خلال تراجع دورها في رقابته وتوجيهه وفق أهدافها المعرفية ومقارباتها البيداغوجية وقيمها الاجتماعية. وهذا الوضع أنتج إرباكا عميقا لدى الأطفال وبخاصّة لدى المراهقين منهم، بشأن الأنماط السّلوكيّة المقبولة اجتماعيّا وأخلاقيا. هل هي ما تقدّمه المدرسة أم هي ما يتلقّاه من خلال وسائل الإعلام ومن «الرّأي العام»؟
هناك حالة من التّجاذب والتّنازع بين ما هو «أصيل» من المدرسة والعائلة، وما هو «دخيل» من الشّارع أنتج نظاما من القيم المشوّه لا هو بالأصيل ولا هو بالدّخيل. فإذا كانت الآثار السّلبيّة للعولمة شاملة، فإنّ أخطرها يظهر لدى الطّفل باعتباره سريع التّأثّر أكثر من غيره بثقافة الصّورة التي أصبح  لها نفوذ وسلطة  تمكّنها من تقديم مادّتها الإعلاميّة في قالب مشوّق ويقارب عتبة المتعة(3)، وبخاصّة بعض البرامج التّلفزيونيّة التي أصبحت معظمها مستوردة وتقدّم نماذج تربويّة ترسّخ قيما وأنماطا سلوكيّة بعيدة عن أهداف النظام التربوي. وبما أنّ القنوات التلفزيونية الفضائية ذات قدرة فائقة على النّفاذ إلى كلّ البيوت، فإنّها أصبحت قادرة على تشكيل الذّهنيّات وإعادة إنتاج المجتمع والتّحكّم في وتائره الاستهلاكيّة وفي توجّهاته الرّاهنة والمستقبليّة. 
لقد أكّدت بعض الدّراسات العربية والغربية العلاقة الواضحة بين انتشار العنف في الوسط الاجتماعي والعنف في المدرسة.  فقد أشار «شارل كولي» ( Charles Cooley ) إلى أن الأسرة المضطربة تنتج أطفالا مضطربين، وأن أكثر اضطرابات الأطفال ما هي إلا عارض من أعراض اضطرابات الأسرة المتمثلة في الظروف غير المناسبة في التنشئة الاجتماعية»(4). فالعلاقات الحوارية والمتسامحة مع الأطفال تساعدهم على النمو الفكري والعضلي السليم.
3ـ  أزمة التواصل الاجتماعي  داخل المدرسة 
للعلاقات الإنسانية والتواصل بين الأفراد دور أساسي في تشكيل الفعل التربوي والتعليمي وفي ضمان جودة التنظيم الإداري للمدرسة حتى تكون إدارتها ناجحة وقادرة على الاهتمام والاستجابة إلى مطالب الإنسان «العامل» المهنية والاجتماعية والنفسية. وبالمعنى البيداغوجي يساعد التواصل الاجتماعي على تنشيط واقع الأفراد في فضاء الشغل. فالإدارة المدرسيـــة مطالبة بتحقيـــق التوازن النفســــي والرضـــى عن الشغل بالنسبة إلى مختلف العاملين فيها. ولتحقيق هذا الرهان يقتضي توفير الظروف اللازمــة لحفز العمال والحفاظ على دافعيتهم نحو العمل مع احترام ذاتيتهم وتقديــر دورهم في تطوير المؤسّسة. فالتّوافق بين الحاجـــات التي يشعر بها الفرد «دوافع العمل» وبين وسائل إشباع تلك الحاجات هو الذي يحدّد الحالة المعنويّة للأفراد ودرجة رضاهم عن العمـــل وكفايته الإنتاجيّة. ويصبح الحديث عن الدافعية ضروريا عندما تكون وضعيـــة الشغل في حالة  تغير لأنّ الفرد يتحفّز للعمـــل أكثر عندما تكون وضعيتــــه المهنية مستقرة ويشعر فيها بذاته.  فالدافعيّة للعمل تشير إلى حالات شعورية داخلية تعمل على تنشيط وتحفيز السلوك وتوجيهه. ولا يمكـــن ملاحظة الدافعية بطريقة مباشرة علــــى الرغم من أنها تشكــــل مفهوما أساسيا من مفاهيم علم النفس الاجتماعي. ولكن يمكن استنتاجه بملاحظة سلوك الأفراد، وكذلك ملاحظة البيئة التي يحدث في سياقها هذا السلوك. فمفهــــوم الدافعيــــّة حسب عالـــــم الاجتمـــــاع «فيليــــــب برنو»  (Philippe  Bernoux)  يرتبط بمفهوم «الاغتراب» في العمل الذي يعبر عن الوضعية التي ينظر بها الفاعل إلى فعله ووضعيته المهنية، ومن خلال التعارض الذي يفرضه النسق على هذا الفاعل. ثم أخيرا، الشعور بالتلاعب أي غياب الإحساس بالعلاقة والمشاركة والمكافأة. فالدافعية هي بناء للفرد في علاقته بالمعنى الذي يظهره تجاه العمل الذي يقوم به. وهذا المعنى يتوقف على تمثّلات الأفراد وإدراكهم الانفعالي أو العقلي لتجاربهم الاجتماعية ولوضعيتهم في الشغل.
 ومن الآثار الناتجة عن حالة الاغتراب هذه نذكر:
(أ) تراجع عمليات الاتصــــال والتواصل بين الوسطين الاجتماعي (الأسرة وسائل الإعلام ، الجمعيات..) والمدرسي من حيث الفعل التربوي. 
(ب) عدم الرضا المتبادل بين الفاعلين – داخل المدرسة- نتيجة اختلاف التصورات بينهم. هذه الظاهرة تؤثر في مستوى الدافعية لدى المدرّس وعلى مستوى الثّقة بالنفس في أداء وظيفته. وفي هذه الحالة يتعمّق التباعد بينه وبين مجموعة الانتماء من ناحية، وبينه وبين بقية أعضاء المؤسسة التربوية الآخرين. 
(ج) تصبح العلاقات التربوية والمدرسية لا تسير وفق ما هو متوقع، بل وفق تصورات مختلفة بين الفاعلين. ومن ثم  تكون نتائجها غير محسوبة وتؤدي بالضرورة إلى تغيرات سلوكية سيئة لدى مختلف هذه الأطراف. ويمكننا تشخيص هذه الحالة من خلال طرق تفاعل الفرد مع الآخرين في المؤسسة، وأيضا في مستوى الدافعية للعمل وطرق انتظامه فيه، وحرصه على مواصلة تجربته المهنية أو تغييرها. وبالتالي، يمكن قياسها عبر شكل تمثّله الاجتماعي «الايجابي» أو «السلبي» لدوره المهني. 
فالاتجاه العالمي الرّاهن أحدث تغييرا جوهريا في أدوار المؤسّسة التربوية وفي وظائفها وبدأت تتشكل صورة «إحباطية» لدى المدرسين والمتعلمين حتى يبحثوا عن بدائل أخرى وخلق «نماذج» تعليمية وتربوية جديدة في المستقبل.  وأصبح المدرّسون والمتعلمون يعيشون عديد الضغوطات نتيجة عوامل مختلفة من أهمّها:
* تعدّد المتدخّلين الجدد (المؤسّسات والشّركات والإعلام...) في العمليّة التّربويّة وفي صنع الهيئة الرّمزيّة للمعلّم، وترسيم ملامح صورته لدى الرّأي العام. فتعدّدية هذه المرجعيّات في بناء مقام المدرّس في تونس، تدعّمت بشكل واضح في إطار النّظام التّربوي الجديد وانفتاح المدرسة على المحيط خاصّة من النّاحيتين الثّقافيّة والإعلاميّة،
* تراجع مكانة التّعليم الرّسمي وتدهور صورته نظرا إلى وجود البدائل أمام المتعلّم في التّعليم الخاص فهذا التّحوّل أثر في سلطة المدرّس، وساهم في تهميش مكانته في المجتمع. وهكذا تراجعت مكانته الاجتماعية ضمن النّظام التّربوي  وأصبح «معلّم الدّولة» مجرّد موظّف مغلوب على أمره ،
* تطوّر المنظومة الحقوقيّة والتّنظيميّة داخل الفضاءات التّربويّة وخارجها، واضمحلال دور المؤسّسات التّربوية التّقليديّة الموازية،
* انحسار البعد الأخلاقي التّربوي في العمليّة التّربويّة وغلبة الطّابع النّفعي والمنحى التّقني على حساب الطّابع الإنساني للتّعليم وللمدرسة عموما،
* تغيّر القيم الثّقافيّة في المجتمع وتراجع معايير الانضباط وعدم احترام قواعد العمل أو السّلوك في المدرسة. فأغلب أخلاقيات ونزاع المتعلّمين وممارساتهم اليوميّة لم تعد تتوافق مع مبادئ وضوابط تسيير المؤسّسة ودورها في المجتمع. 
الخاتمة
إنّ النّسق المرجعي للحقل التربوي يشهد اليوم، نقلة نوعيّة وقطيعة فعليّة مع النّسق المرجعي القديم. ونتيجة إعـــــادة بناء نظم الهيمنــــة في المجتمع في أبعادها الاقتصاديّة والسّياسيـــة والثّقافيّــــة تغيّرت ديناميكيّة التّفاعلات الاجتماعيّة ومحدّداتها داخل المدرسة وخارجها بين مختلف الفاعلين الاجتماعيّين. ولم تعد التّربية عمليّة رسميّة ومنظّمة وتتولاّها مؤسّسات معيّنة، وإنّما هي أيضا عمليّة غير رسميّة – أو لاشكليّة - تقوم بها عدّة مؤسّسات أخرى مثل أجهزة الإعلام والمنظّمات والشّارع والأقران..الخ. لذلك وجدت المدرسة نفسها أمام سيلان جارف من الضّغوطات الدّاخليّة والخارجيّة. وبالتّالي، أصبحت هذه المؤسسة عاجزة حتى عن حماية نفسها من تأثيرات ما يمكن أن نسمّيهم بـ «الفاعلين التّربويّين الجدد»، وتراجع منطق الولاء والشّعور بالانتماء إليها وتعمّقت فيها ظواهر التّفكّك والانحلال القيمي والاجتماعي بشكل لافت. وأدّى  فتور هذه العلاقات الاجتماعيّة والمهنيّة في المؤسّسة إلى خلق حالة من «اللامعيارية» داخلها، وإلى إنتاج نوع من «الانحراف التّربوي والتّعليمي» والفشل المدرسي للمربّين والمتعلّمين معا.
الهوامش
(1) المنصف وناس، « التلفزة ليست الصربون، علاقة المدرسة بالتلفزة في مرحلة العولمة» أي علاقة؟، مجلة الاذاعات العربية عدد 02، 2005، تصدر عن اتحاد الاذاعات العربية، ص 34.
(2)
  - Luc Cedelle, «Concurrence deployable», in, Le monde de l’Education, n°308, Novembre 2002, p.25.
(3) عبد الاله بلقزيز، في البدء كانت الثقافة، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 1988، ص121.
(4)  ورد في ، سهير كامل أحمد، أساليب تربية الطفل بين النظرية والتطبيق، مركز الأسكندرية للكتاب، مصر، 1999، ص 13.