همسات

بقلم
محمد كشكار
لماذا لا تؤسس طبقة العمال بالفكر حزبا ناطقا باسمها؟

 يقول غرانجيه (1): «أود أن أقول لك بأن العلماء الذين يصنعون المعرفة - ما عدا استثناءات ضئيلة - لا يفعلون ذلك حبا بالسلطة، و إنما من أجل متعتهم الخاصة الذاتية. و بالتالي فلا ينبغي أن نعود إلى تلك الفرضية التي دعمها بعض الماركسيين لفترة طويلة في الماضي (أعتقد أنهم أقلعوا عن ذلك الآن) و التي تقول بأن هناك علما بورجوازيا و علما بروليتاريا و إن الأول فاسد لأنه يدعم الرأسمالية في حين أن الثاني هو وحده الصحيح... هذه فرضية باطلة و عقيمة».

لا لم يقلعوا بعدُ يا سيد «غرانجيه»، على الأقل عندما أتحدث عن الماركسيين الأرتدوكسيين السلفيين الدوغمائيين المتزمتين المتعصبين التونسيين ما بعد ثورة 14 جانفي 2012 وفيهم من النشطاء السياسيين من يقول أيضا بأن هناك فكرا بورجوازيا وفكرا بروليتاريا.

يبدو لي أن البروليتاري بالساعد هو شخص مظلوم ومسحوق يعمل ثماني ساعات في اليوم بأجر زهيد، فلا يجد إذن وقتا للقراءة والتفكير والتثقّف. أما المثقف أو المفكر أو الباحث العلمي، خاصة في الدول المتخلفة كتونس، فهو بورجوازي صغير بتعريف الماركسية نفسها ولا ينتمي إلى الطبقة البروليتارية العاملة بالمفهوم الماركسي النظري لكلمة «بروليتاريا»، والغريب أن النشطاء السياسيين الماركسيين لا يزالون متشبثين بهذا التعريف الماضوي الذي يقصي المثقفين من طبقة البروليتاريا والأغرب أنهم يستثنون أنفسهم كبورجوازيين صغار لا بل يدّعون أنهم طليعة البروليتاريا المناضلة وينسون قولة ماركس الشهيرة «لا يحرّر العمال إلا العمال أنفسهم». ويقول ماركس في مقام آخر: لا يمكن خلق وعي طبقي لدى العمال من خارج طبقة العمال أو من المنسلخين من طبقة البورجوازية الصغيرة والمنضمين قسرا وثورجية إلى طبقة البروليتاريا العاملة بالساعد، كالمناضلين الشيوعيين في الأحزاب العمّالية. إذن ماذا تفعل البورجوازية الصغيرة المثقفة الانتهازية والمدجنة «الطلائعية» في الأحزاب الشيوعية العمالية سوى المتاجرة بعرق العمال وتسويق خطاب ديماغوجي في صفوف الطبقة العاملة بالساعد وسرقة ثورة هذه الأخيرة كما وقع في الثورة الروسية والصينية والكوبية على أيدي دكتاتوريين مثقفين بورجوازيين صغار أمثال لينين وستالين وماو وكاسترو وشي قيفارا الذين حكموا باسم ديكتاتورية البروليتاريا وهي في الواقع ديكتاتورية الحزب الشيوعي البورجوازي الصغير على البروليتاريا العاملة بالفكر والساعد. وأسأل البروليتاريا السوفياتية والصينية والكوبية: ماذا فعلت بكم أحزابكم الشيوعية الأحادية والمعصومة؟ وماذا ارتكبت من جرائم ضد البروليتاريا نفسها وضد الإنسانية عموما وضد حركة التاريخ وما تسببت فيه بممارساتها الخاطئة من تشويه للنظرية الماركسية نفسها؟ 

يبدوا لي اليوم أن المثقف هُمّش إلى أقصى درجة و فُقّر إلى درجة أصبح يصحّ نعته بالبروليتاري بالفكر وليس بالساعد، مثل ما حدث لطبقة الموظفين في تونس، أساتذة ومعلمين وممرضين و كتبة  وغيرهم من الأصناف الذين أعتبرهم، ينتمون إلى طبقة جديدة اسمها البروليتاريا بالفكر وليس بالساعد والتي لم تكن موجودة أو فقيرة بهذا الشكل الواضح في عهد ماركس وإلاّ لأضافها المنظر العبقري العظيم إلى البروليتاريا عموما ولم يخصّها بنعت محقّر «بورجوازية صغيرة» قابلة للمساومة والمقايضة بقضايا العمال بالساعد. تمثّل اليوم هذه الفئة من الموظفين الفقراء ضحايا الرأسمالية المتوحشة، طبقة بروليتارية مستقلة ومتماسكة فيما بينها، تستطيع بصدق ودون انسلاخ أو انضمام إلى طبقة أخرى أن تتحالف مع البروليتاريا العمالية بالساعد ومع الأجراء الفلاحين والفلاحين الصغار والتجار الصغار. لذلك وددت أن يغيّر حزب العمال الشيوعي التونسي اسمه ويفتح فتحا مبينا ويجدد ويطوّر النظرية الماركسية المتكلّسة ويسمي نفسه حزب الموظفين المثقفين اليساريين الفقراء البروليتاريين الجدد بالفكر وليس بالساعد وهذا الاسم المقترح الجديد قد يعكس حقيقة الجذور الطبقية لأعضائه والمتعاطفين معه، ثم يتحالف إذا أراد مع حزب يمثل العمال بالسّاعد ويتصدّون معا بالفكر والساعد للرأسمالية المتوحشة وللإمبريالية الغربية والآسيوية والخليجية الجديدة. وهنا فقط نستطيع أن نقول أن فكر هؤلاء المعذبين في الأرض، الذين مُورس عليهم نوعان من القمع، قمعا ماديا اقتصاديا و قمعا معنويا لحرياتهم وتعتيما لإبداعاتهم، هو فكر بروليتاري بالمعنى ما بعد الحداثي لمفهوم كلمة «بروليتاريا». 

الهوامش

(1)غرانجيه: عالم الإبستمولوجيا الفرنسي،الذي حل - عام 1984 - محل ميشيل فوكو في كرسيـه في «Collège de France» الكرســــي الذي كــــــــان يُدعــــى: «تاريخ أنظمــة الفكــــــر»، Histoire des systèmes des pensées حيث أمضى «فوكو» مدة ثلاث عشرة سنة يلقي دروسه العامة تحت هذا العنوان العريض.