نقاط على الحروف

بقلم
محمد ضيف الله
بورقيبة والزيتونة: قراءة في علاقة متعددة الوجوه

كثيرا ما اتهم بورقيبة بأنه أغلق جامع الزيتونة، وليس من الصعب في الحقيقة دحض هذا الاتهام، حيث استمر الجامع المعمور يؤدي دوره الديني دون انقطاع خلال فترة حكمه، وما حدث هو أن التعليم الزيتوني وقع نقله إلى بنايات جديدة، وربما غاب عن كثيرين أن هذا كان أحد المطالب التي رفعها الطلبة الزيتونيون وناضلوا من أجلها خاصة في الخمسينات. إلا أن تلك التهمة تعبر عن العلاقة الملتبسة بين جامع الزيتونة والزعيم الحبيب بورقيبة. ويعود ذلك إلى تشابك الديني والاجتماعي والسياسي في تلك العلاقة، وفي إطارها يمكن التمييز بين مستويين مختلفين، يهم أحدهما العلاقة مع الشباب الطالبي والثاني العلاقة مع مشائخ الزيتونة. 

 مع الطلبة الزيتونيين

من حيث الأصول الاجتماعية والانتماء الجغرافي لا يختلف بورقيبة عن أجيال الطلبة الذين درسوا بجامع الزيتونة من الثلاثينات إلى الخمسينات، والذين كانوا ينحدرون في غالبهم من أصول اجتماعية متواضعة، وقد قدموا من القرى والمدن الداخلية بالساحل والوسط الغربي والجنوب. 

وقد كان بورقيبة يحرص على الاتصال بهم بهدف التأثير عليهم وجلبهم إلى صفوف حزبه. ولعل أول اتصال فاعل في هذا الإطار يعود إلى الفترة التي طرحت فيها مسألة التجنيس في ربيع 1933، إذ حاول أن يوجههم في تحركاتهم. ويتضح ذلك من خلال دعوته لهم إلى «الكف عن كل حركة احتجاج بعد أن أصبحت غير ذات موضوع والرجوع إلى جامعتهم» (لاكسيون، 24 أفريل 1933). ولما استمروا في المطالبة بتنحية الشيخ محمد الطاهر بن عاشور عن إدارة الجامع، كتب مؤيدا لهم: «إن بقاء ابن عاشور على رأس جامعتنا الإسلامية الوحيدة أمر مستحيل ولن يمكث هناك طويلا» (لاكسيون، 3 ماي 1933). وبالفعل تمت إزاحة مدير الجامع الأعظم وفروعه قبل بداية السنة الدراسية الموالية. 

وتوطدت علاقة بورقيبة بالطلبة أكثر بعد تأسيس الحزب الحر الدستوري الجديد في 1934، حيث أصبح يراهن عليهم في تمدد تنظيمه وفي نشر الفكرة الوطنية داخل البلاد، كما كان يعتمد عليهم في القيام بالعديد من الأنشطة بالعاصمة (مظاهرات، اجتماعات، توزيع مناشير). وفي جامع الزيتونة نفسه لم ينقطع تدخله شخصيا للتأثير عليهم، من ذلك ما قام به في سبتمبر 1937 لدفعهم نحو فك الإضراب الذي استمر لمدة سبعة أشهر، حيث كتب قائلا لهم إن «العقل يحمل وجوبا الطلبة على الرجوع إلى مزاولة التعليم في مفتتح السنة الجديدة. وهذه نصيحتي إليهم»، وإذا «صدر ما يخالف ذلك أو انقلب الأمر على عقبيه، فإن الحزب بأكمله يدخل المعمعة (...) وفي ذلك اليوم، تجد الحكومة أمامها لا طلبة الجامع الأعظم وحدهم فحسب، بل شعبا عرف كيف يبرهن عن إحساسه (...) فينزل إلى الطريق العام متظاهرا وكلنا جميعا على رأسه» (لاكسيون، 17 سبتمبر 1933). وهذا التعهد يعكس بلا شك مدى انخراط الطلبة الزيتونيين في النضال إلى جانب بورقيبة. وقد تبين ذلك بجلاء في أفريل 1938، عندما برزوا كوقود للأحداث وقد دفعوا ضريبة ذلك غاليا بين شهداء وجرحى ومساجين. 

واستمرت هذه العلاقة في الخمسينات مع لجنة صوت الطالب الزيتوني التي عبر لها بورقيبة بمجرد تأسيسها عن «عزم الأمة على شد أزر أبنائها الزيتونيين في قضية سينجر عن نجاحها خير محقق للوطن»، كما حاول أن يقنعها بفك الإضراب الطلابي بعد تشكيل الحكومة التفاوضية في أوت 1951. ورغم الصدام الذي وقع بعد ذلك بين الحزب وتلك اللجنة، فإن الطلبة الزيتونيين لم يحمّلوا بورقيبة أية مسؤولية في ذلك الصدام. واستمروا ينظرون إليه بعين التقدير والاحترام إلى فترة الصراع اليوسفي البورقيبي، حيث أن أغلبيتهم اصطفوا إلى جانب صالح بن يوسف، دون أن يخلو شق بورقيبة من وجود عدد منهم. 

وفي الجملة فإن بورقيبة سعى دائما إلى التأثير على الطلبة الزيتونيين واستجلابهم إلى صفه، إلا أن موقفه من مشائخهم كان مختلفا.

بورقيبة ومشائخ الزيتونة

لعل ما يرسخ من علاقة بورقيبة مع مشائخ الزيتونة، هو أنها كانت متوترة ويغلب عليها سوء التفاهم، ويعود ذلك إلى الاختلاف بين الجانبين من حيث التكوين والمنشأ الاجتماعي والانتماء الجغرافي، دون أن تكون تلك العلاقة على وتيرة واحدة طيلة الفترة. فقد أيد في البداية تسمية الشيخ محمد الطاهر بن عاشور على رأس إدارة الجامع الأعظم في سبتمبر 1932 حيث كتب ما يلي : «نعتمد على صبر الشيخ بن عاشور وحِلمه لإقرار الهدوء والسكينة بفضل التعاون التلقائي بين الإدارة والهيئة التعليمية والطلبة من أجل النهوض بجامعتنا العربية الكبرى التي ينبغي أن تسترد ما كان لها في الماضي من الصيت والإشعاع» (لاكسيون، 21 ديسمبر 1932). وهو ما يعكس آنذاك وقوف بورقيبة إلى جانب الشق الإصلاحي في مواجهة المحافظين الذين تساندهم سلطات الحماية الفرنسية. غير أن تلك العلاقة تبدلت في ربيع 1933، عندما طرحت مسألة التجنيس، حيث ندد بورقيبة بمن يسميهم «العلماء المزعومين» الذين مكنوا السلطات الاستعمارية من الخروج من المأزق الذي تردت فيه، فكانوا ألعوبة بين يديها، وعلى رأس هؤلاء شيخا الإسلام المالكي الطاهر بن عاشور والحنفي حميدة بيرم. وهو ما يمكن اعتباره موقفا من الأرستقراطية الزيتونية المتنفذة داخل جامع الزيتونة. 

وفي المقابل حاول بورقيبة التأثير على بعض المشائخ الغاضبين (من آل النيفر خاصة)، واجتمع بعدد منهم، وقد عبروا له -حسب روايته- عن معارضتهم لفتوى ابن عاشور واعتزامهم إصدار فتوى مضادة (لاكسيون، 20 أفريل 1933). غير أنهم ما لبثوا أن أنكروا ما ورد في ذلك اللقاء، بما يدل على صعوبة التعامل مع مشائخ الزيتونة. الأمر نفسه سيستمر بعد ذلك في الأربعينات عندما رفض بعض أولئك المشائخ تدخل بورقيبة لثنيهم عن الإضراب في ديسمبر 1943. ويمكن تفسير هذه الصعوبة في التواصل بين الجانبين بالريبة المتبادلة بينهما حيث كان جامع الزيتونة تحت سيطرة بعض العائلات الأرستقراطية التي لم تكن تنظر بعين الرضا إلى تنامي سيطرة النخب القادمة من المناطق الداخلية والفاعلة في الحركة الوطنية والاجتماعية وغيرها. وقد استمر هذا التنازع فيما بعد، حتى أنه خلال الصراع بين صوت الطالب والحزب الدستوري الجديد في عام 1951، وُجه إصبع الاتهام إلى آل ابن عاشور على أنهم يحركون الطلبة الزيتونيين، وامتدادا لذلك قامت صحافة الحزب بالتذكير بخيانة المشائخ خلال أحداث التجنيس قبل عقدين. وفي تلك الفترة بالذات أرسل بورقيبة إلى رفيقه صالح بن يوسف رسالة من القاهرة دعاه فيها إلى ضرورة تحييد الفاضل بن عاشور الذي يمثل «الرأس المدبرة الوحيدة» في الزيتونة. وفي مقابل ذلك استطاع الحزب الدستوري الجديد أن يجلب إلى صفوفه عددا من المشائخ الشبان بعضهم من أصيلي العاصمة. فكيف تطور الأمر بعد الاستقلال؟

«غلق» جامع الزيتونة

بعد الاستقلال مباشرة، اتخذت الدولة الجديدة عدة إجراءات استهدفت نفوذ الأرستقراطية الدينية ومصالحها وموقعها في المجتمع، ومن بين تلك الإجراءات توحيد القضاء وإلغاء الأوقاف، وإصدار مجلة الأحوال الشخصية، وبدأ مسار تحجيم التعليم الزيتوني بالخفض من عدد طلبته، وغلق فروعه داخل البلاد تدريجيا إلى أن اضمحل تماما بما في ذلك الشعبة العصرية الزيتونية، ولم تبق سوى الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين التي كانت تهدف إلى تكوين ما تحتاجه الدولة الجديدة من المتخصصين في علوم الدين. 

والملفت هنا أن تلك الإجراءات لم تثر معارضة لدى الزيتونيين سواء منهم المشائخ أو الشبان. وهذا يعود إلى أن بورقيبة سعى في نفس الوقت إلى إدماجهم في الدولة الجديدة بتشغيلهم في قطاعات مختلفة وخاصة منها التعليم ووزارتي الداخلية والعدل. كما أعيد الاعتبار إلى عدد من الزيتونيين التجديديين ومن أبرزهم الطاهر الحداد وأبو القاسم الشابي، وحتى بعض المشائخ الذين كان بورقيبة يصمهم قبل الاستقلال بالخيانة وخدمة الاستعمار، فقد قربهم إليه وأحاطهم بالرعاية والتقدير، ومن بينهم خاصة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور... 

وفي نفس الإطار كان يسعى إلى التقرب منهم بحضور المناسبات الدينية بجامع الزيتونة نفسه، وقد ارتقى منبره للخطابة أكثر من مرة. وقدم نفسه على أنه «إمام المسلمين في هذه البلاد (و) في وسعي الإفتاء» (خطاب 29 أفريل 1964). وحتى عندما دعا في فيفري 1960 إلى الإفطار في رمضان، لم يتخلّ عن محاولة كسب بعض الزيتونيين إلى صفه والتهجم على من يعارضه من بينهم، «إننا نريد أن نقلب ضعفنا الى قوة يقرأ الناس لها حسابها، وهذا ما يجب أن يدركه المشائخ ورجال الإفتاء ومن ينتسبون إلى جامع الزيتونة، أولئك الذين يدّعون أنهم ينطقون بلسان الدين» (خطاب 18 فيفري 1960). ورغم أنه وجد مساندة من عدد قليل من المشائخ الزيتونيين، فإن عددا آخر استغل تلك الدعوة للدعاية ضده في الأوساط الشعبية المتدينة مثلما ظهر في مظاهرة «الله أكبر ما يمشيش» بالقيروان التي كانت أول مظاهرة بعد الاستقلال (17 جانفي 1961).

أخيرا

إن ما يلفت الانتباه أن الاندماج السياسي للزيتونيين في الدولة الوطنية كان محدودا، فرغم كثافتهم على مستوى الهياكل الوسطى والدنيا في الحزب الحاكم وفي الإدارة، فإن بورقيبة لم يسمح إلا لعدد ضئيل منهم بتولي مسؤوليات سامية. ومقابل ذلك كان حضورهم مكثفا في المعارضة خاصة منها ذات التوجهات القومية والإسلامية.