في الصميم

بقلم
مصدق الجليدي
الازدواجية الثقافية: كيف نعالجها؟ أو الحداثة الأصيلة بديلا عن الأصوليتين السلفية والعلمانية

 طلب مني مؤخرا في أحد المنتديات الفكرية التحدث عن مشكل الازدواجية الثقافية التي تطبع مجتمعنا التونسي في الوقت الحاضر. وفي الحقيقة، إن هذه الازدواجية قائمة منذ قدوم الاستعمار الفرنسي إلى بلادنا وحتى بعد رحيله عنا. بل إن هذه الازدواجية قد تكرّست أكثر مع بناء الدولة الوطنية وبصفة ممنهجة. وذلك بفعل اختيارات النخبة المثقفة والسياسية التي أشرفت على هذا البناء بقيادة الزعيم بورقيبة. نقول هذا بالرغم من توحيد التعليم انطلاقا من نهاية الخمسينات وغلق جامع الزيتونة نهائيا في سنة 1964، بعد خطوات متدرجة بدأت بإشراف الوزير محمود المسعدي على الإصلاح التربوي الذي انطلق سنة 1958، تطبيقا لمشروع الاتحاد العام التونسي للشغل، فإيقاف العمل بمنظومة التعليم الزيتوني. تم ذلك تطبيقا لأمر 1 مارس 1961، الذي أصبحت بموجبه كلية الشريعة وأصول الدين الوريثة الرسمية لجامعة الزيتونة التي استحدثت بأمر 31 مارس 1960 ولجامع الزيتونة (1) الذي أغلق نهائيا بعد ذلك بثلاث سنوات مثلما سبق ذكره. كما نؤكد على استمرار هذه الازدواجية وتفاقمها حتى بعد إلغاء مؤسسات القضاء الشرعي واعتماد القانون المدني الحديث مع محاولة التوفيق بينه وبين أحكام الفقه الإسلامي أو ما اشتهرت تسميته بالشريعة (2). فنجد على سبيل المثال احتفاظا بأحكام المواريث، وإسهاما من مشائخ الزيتونة في وضع مجلة الأحوال الشخصية بما يتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية. وفي الحقيقة يمكن اعتبار القانون الحديث نفسه المأخوذ عن فرنسا متأثر إلى حد كبير بأحكام الفقه الإسلامي، بما أنه يعتمد من بين مراجعه الأساسية «كود نابليون» الذي استفاد كثيرا من تلك الأحكام بعد نقله لعيون الفقه المالكي إلى فرنسا بُعيد حملته على مصر. 

وأيّا كان الأمر، فإن هذه الازدواجية التشريعية قد لا تُعَدُّ في حدّ ذاتها أمرا سلبيّا طالما أنّها تبحث عن ضمان حقوق الأفراد، ولكن السلبي فيها هو عدم تنزلها ضمن فلسفة تشريعية متكاملة وواضحة ترفع معنى الازدواجية وتحل محلها رؤية موحدة شاملة لكل ما يحقق مقاصد الشريعة بما هي منبنية على تحقيق مصالح العباد التي تفرضها طبائع العمران البشري، كما اهتدى إلى ذلك ابن خلدون منذ ستة قرون.
ولكن لماذا نعتبر أن هذه الازدواجية قد تفاقمت أكثر مع بناء الدولة الوطنية والحال أنها قد بدت ظاهرة منذ زمن دخول الاستعمار إلى بلادنا؟ نقول هذا باعتبار أنه كان ما كان طاغيا خلال الحقبة الاستعمارية، بالرغم من وجود بعض المدارس الفرنسية والفرنكوعربية أو الشبيهة بها مثل الصادقية، هو الثقافة الأهلية التي هي ثقافة عربية إسلامية تقليدية بقيادة الزيتونة وفروعها التي كانت منبع التعليم والآداب والقضاء وكامل المنظومة التشريعية التابعة لما يعرف اليوم بالأحوال الشخصية وبالقانون الخاص. أما بعد خروج الاستعمار العسكري من تونس، أصبحت الفرنسية لغة وثقافة مزاحمة بشكل جلي للعربية، وشملت هذه الازدواجية اللغوية والثقافية أعدادا متزايدة من التونسيين، خصوصا سكّان المدن في البداية ثم كامل البلاد بعد ذلك. ولكن تشخيص المشكل لا يتوقف عند هذا المظهر المؤسسي التربوي والقضائي والإداري، بل يتعداه إلى البنية العميقة للشخصية التونسية التي لم تتخلّ بالرّغم من كل محاولات التحديث المنظّم عن شعورها الواضح بالانتماء إلى الهوية العربية الإسلاميّة. والدّلائل على ذلك ظاهرة للعيان، وهي لا تتعلّق بأولئك الذين يعبرون بشكل متشنّج عن هذا الشعور مثلما يفعل أنصار الجماعات الدينية السلفية، لأن أمثال هؤلاء قد اختاروا القطع الكامل والنهائي مع كل معنى حديث، وبالتالي هم لا يعانون من أي ازدواجية ثقافية، بالرغم من استهلاكهم لكل منتجات الحداثة التقنية، وإنما تتعلق هذه الدلائل بعموم التونسيين الذين يجمعون مثلا بين أداء الفرائض الدينية أو حبهم الكبير للرسول صلى الله عليه وسلّم وما يشبه الانخراط التلقائي في تيار الحداثة خصوصا في مظاهرها الليبيرالية المادية الاستهلاكية والطقوسية الاحتفالية والترفيهية، والعلائقية كذلك. 
إلى هذا الحدّ لا تطرح قضية الازدواجية الثقافية أي مشكل واضح، اللّهم إلاّ فيما يتعلق بردود الأفعال المتشنّجة إزاءها سواء من بعض أصناف المتدينين مثل الشباب السلفي الكافر بالحداثة وأهلها أو أصناف العلمانيين المغالين في انبهارهم بالنموذج الثقافي والحضاري الغربي كبعض النخب الفرنكوفونية النافرة من الأصالة هوية ودينا ولغة ونمطا للعيش. 
هذان الصنفان من الأفراد لا يجسدان مشكل الازدواجية الثقافية على نحو مباشر، وإنما يطرحان نفسيهما حلّا لها، كل بطريقته. الأوائل بالحسم في الحداثة دون تخلّ عن ثمراتها العلمية والتقنية، والثواني بهجر كل أصيل، إلا اللهم ما يكون في شكل فولكور احتفالي أو بعض العادات الغذائية المحلية. بينما الحقيقة كما نراها، هو أن الحل الذي يطرحه كل منهما لهذا المشكل هو مشكل بحد ذاته، لا على المستوى النظري فحسب، لكونه حلا تبسيطيا عاجزا عن تمثل لحظة الوعي الجدلي التي يتطلبها كل تطور تاريخي للشعوب، وإنما لما يتسبب فيه خاصة من تعقيدات وأزمات حقيقية يتحمل كامل المجتمع أوزارها، ولعل أبرزها هو الجنوح إلى العنف وإلى العمل على تصفية الخصوم، أو تسميم مناخ التوافق الوطني وإرباك مساره. 
لن نتوقف عند هذا المستوى من التحليل، وإنما سنحاول معالجة المشكل الذي يهم العدد الأكبر من أفراد المجتمع، والذي قد يمثل حلّه حلاّ في نفس الوقت لمشكل التطرفين السلفي والعلماني، وهو مشكل تأرجح بنية الشخصية لدى الشطر الأعظم من الأفراد بين الأصيل والحديث من دون القدرة على التركيب المبدع بينهما، بما يجعلها تعاني هذه الازدواجية على نحو «باطولوجي» مقلق يشلّ من قدرات الإبداع الحضاري لديها، لكونها تقع مرة بعد مرة في هذا الاختيار أو نقيضه إزاء الوضعيات المشكل التي تعترضها، فيما يشبه التجاسر على محرم مرة والتكفير عن ذنب أو إعلان التوبة مرة أخرى.  وهذا الوضع يجعلها شخصية تابعة للمجال، تتأثر به وتنساق معه إلى حيث يسوقها الأفراد المؤثرون داخل ذلك المجال. وفي النهاية تكون شخصية إمّعة ذات نزعة استهلاكية، لا تقدر على تحقيق الإضافة، لكونها لا تفكر ولا تتكلم بنفسها. وهذا حال السواد الأعظم من الناس في بلادنا اليوم. وفي بعض الحالات يجنح بعض الأفراد الذين يعانون من هذا المشكل وينتبهون إليه بما هو كذلك، يجنحون إلى محاولة إثبات الذات على نحو حاسم فيقعون في أحد شكلي التطرف الذين سبق لنا الحديث عنهما: التقدمية المغتربة أو السلفية المحتربة. 
أما وقد شخصنا المشكل الذي تطرحه مسألة الازدواجية الثقافية فإنه من المحتم علينا الآن أن نفكر له في حل. وهذا الحل يتمثل في رأينا في تجاوز ثنائية الأنا والآخر بالكشف عن الآخر في الذات، على نحو جدلي وتبادلي، يعيد كليهما إلى جماعة الإنسانية والأصل الآدمي وسيرورة التطور البشري. وإذا ما جاز لنا في المرحلة التاريخية التي نمر بها الآن، أن نسمي الآخر حداثة وأن نسمي الذات أصالة، فإن هذا الحل الجدلي سيكون ما نسميه بالحداثة الأصيلة. مع كوننا سنبين أن للأنا نصيب في حداثة الآخر، كما أن الأصالة لا تعني ضرورة القدامة التي هي للأنا.
وبطبيعة الحال لن يمس هذا الحل عموم الشعب بشكل مباشر وسريع، لأن هذا المطلب يستوجب هندسة ثقافية متبناة بشكل رسمي ومن قبل النخب انطلاقا من دستور البلاد مرورا بالمنظومة التربوية والاختيارات الثقافية والأداء الإعلامي والنشاط المدني الجمعياتي. وحسبنا الآن أن نشتغل على هذا الحل في المستوى النظري الفلسفي والفكري. 
مفهوم الحداثة الأصيلة 
المعروف عن تكوّن المفهوم عامة أنه يأتي حلا منهجيا لمشكل مطروح بشكل جيد، والمشكل الذي جاء مفهوم الحداثة الأصيلة حلا له هو مشكل الثبات على الهوية مع إكسابها طابعا متحركا وحيويا، أي تَمثُّل الهويةِ سيرورةً مستمرةً متجددةً على الدوام تحتفظ على ما هو كوني في بنيتها الصلبة، ومن ذلك عبورها للزمان بالتجدد المستمر. حيث أن التبدل والتحول والتطور سنن كونية لا فكاك منها. وهو ما يستوجب التخلي عن النزعة الهووية في النظرة للهوية والتعامل معها من موقع الحرية التي تتأبى على الانغلاق في كهوف التقليد. 
فما هي سمات الحداثة الأصيلة التي نروم بناءها وما الذي يجعلها فعلا ممكنة؟
الحداثة الأصيلة هي التأليف المبدع بين مفهوم الهوية التي تجد نواتها الأصلية في منظومة الاعتقاد والقيم القرآنية، ومفهوم الحداثة الذي انبجس عن فلسفة الذات في السياق الأوروبي الحديث ولكنه يجد أول بذرة له في الوحي الأخير كذلك، وقد وقع تمثلهُ على بعض الأنحاء من قبل بعض علمائنا الكبار في مجالي الطبيعيات والطبائع العمرانية، بتخليصهم لهما من شوائب الميتافيزيقا الدغمائية كالتي ساقتها لهم الأفلاطونية المحدثة، ومن العوائق الإحيائية والغيبوية الأنتروبومورفية، قطعا مع التقليد العلمي اليوناني فيهما، لينبثق بعد ذلك مفهوما نظريا وإجرائيا مصاغا على نحو منهجي في سياق الحضارة الأوروبية الحديثة القاطعة مع ماضيها الأهلي البعيد (الماضي اليوناني) بعد استئناف نهضتها انطلاقا منه عبر قنوات تمثل العقلانية الرشدية إحدى أهمها، ولكنها المتصلة بماضيها القريب، ماضي اتصالها بالعالم الإسلامي الموسوم بتقدم العلوم العربية خارج الأفق الابستيمي اليوناني وضمن ابستيمية ختم النبوة بما هو رفع للوصاية عن عقل الإنسان، ودعوة حرة للنظر في السماوات والأرض لبناء علوم الطبيعة، وفي تاريخ الأقوام وأحوال المجتمعات لبناء علوم العمران البشري.
إن القيمتين الأساسيتين للحداثة كما يذكرنا بذلك آلان توران في كتابه «نقد الحداثة» هما الفرد والعقلانية. ولقد كان من المستحيل على الفكر الغربي بناء مفهوم الفرد انطلاقا من الفلسفة اليونانية، لأن أكبر نصّ فيها هو النص الأفلاطوني الذي يروج في «الجمهورية» لأسطورة المعادن التي يتراتب الناس وفقها مراتب وجودية (ومن ثمة اجتماعية) كتراتب المعادن: ذهبا ففضة فنحاسا فقصديرا، وذلك حتى يسدّ الباب أمام محاولة العبيد منافسة أسيادهم في حكم المدينة، إذ عليهم «الرضا بما قسمهم القدر لهم». هذا، بينما نجد القرآن الكريم، وبمنتهى الموضوعية والعلمية، يذكّر الجميع بالأصل الطبيعي الواحد للإنسانية، وهو التراب، فلا ذهب ولا فضة ولا نحاس، وهذا هو الشرط الأدنى والأول لبناء المفهوم المدني الحديث المعروف بالحق الطبيعي الذي ينتج عنه  تساوي البشر مدنيا بعد تساويهم طبيعيا كما سُلِّم لهم بذلك دينيا. ومن ثمة إمكان ظهور مفهوم الإنسان والفرد كونيا، وعلى أساسه يبنى مفهوم المواطن لاحقا لا في الجمهورية الأفلاطونية وإنما في الدولة الحديثة. 
وفي الحقيقة، تتمثل إضافة الغرب على هذا الصعيد في أمرين:
 أولا: الإثبات العلمي المنهجي لهذه الحقائق الكونية البسيطة بعدما كانت مجرد مُوجهات أخلاقية في تراثنا. وقد تم ذلك بتناوب وتعاضد جدلي بين الفلسفة والعلم الحديثين مع ديكارت وكانط وكوبرنيك وغاليلي ونيوتن وداروين. 
وثانيا: القيام بثورات سياسية أزاحت الموانع السلطوية المادية (النظام الملكي وآلته القمعية والاقتصادية الإقطاعية) والرمزية (النظام الكنسي المتواطئ مع الملوك الجبابرة). 
هذا بخصوص المكون الأول للحداثة وهو الفرد (أو الإنسان)، أما المكون الثاني وهو العقلانية، فقد وجد أساسه الأول كذلك في الوحي الأخير الذي حث  على النظر العقلي الإشكالي لما في السماوات والأرض وعلى استخدام العقل في ما نرى وما نسمع وأن نأخذ بالأسباب الموضوعية لبناء العالمين المادي والاجتماعي، وهو ما أفرز لاحقا كل ذلك التراث الفلسفي والعلمي في الحضارة الإسلامية، متوّجا بترييض العلوم الطبيعية، كما في بصريات ابن الهيثم، وفيزياء البيروني، واستخدام منهج الدراية والملاحظة التجريبية الاستقرائية في بناء علم العمران البشري (ابن خلدون) ومنهج المقاصد الشرعية في بناء أحكام العقل العملي (الشاطبي وابن عاشور)  ثم ما أنتجه العقل البشري لاحقا انطلاقا من فعل التثاقف بين أوروبا والعالم الإسلامي منذ تاريخ الحروب الصليبية، والانتباه إلى الشكل العام للتوجه العقلاني مع الرشدية عبر الفيلسوف اليهودي ابن ميمون -الذي تعلم في إطار الثقافة الإسلامية بالأندلس- ثم التحول عن ذلك إلى المنهج الاستقرائي الذي جلبه أساتذة أكسفورد من جامعات الأندلس، وهو ما يشهد كل المنصفين من مؤرخي العلوم مثل ألكسندر كورييه وبريفولت والآن روجيه غارودي وغيرهم.
هذا بخصوص الأساسان الرئيسيان للحداثة في التصور الغربي (الفرد والعقلانية). ولكن الحداثة الأصيلة لا تتخذ من هذين الأساسين مبدأين مطلقين على نحو تبشيري خلاصي أخير يتجسّدان في النهاية في النموذج الليبيرالي الذي اعتبره البعض بمثابة الديانة الأخيرة للإنسانية (فرانسيس فوكوياما). فإلى جانب الفرد توجد الجماعة ابتداء من الأقربين، وتوجد كذلك الأمة، الأمة بالمعنى الملّي (الأمة الإسلامية) والأمة بالمعنى التوحيدي الشامل (الحنيفية الإبراهيمية وبقية الديانات التوحيدية الثلاث) والأمة بالمعنى الكوني (الجماعة الإنسانية) وهذا كله يمكن استخلاصه من القرآن الكريم ومن السيرة النبوية، ودستور المدينة ووثيقة العهد النبوي لنصارى نجران والسلوك العُمري والأيوبي في القدس وسلوك المسلمين مع مسيحيي ويهود إسبانيا في العهد الأندلسي كلها وقائع شاهدة على ذلك. كل هذا يحدّ من تحول الفردية إلى تلك النزعة الفردانية الأنانية التي تطبع بنية الشخصية الغربية المعاصرة، والتي تحاول بعض المنظمات التخفيف منها بتأثير خفي أو جلي من بقايا الأخلاق المسيحية.
أما العقل، فقد كشف في الأصالة عن حدوده كذلك، وهي تلك التي ذكرها ابن خلدون. أي عجزه عن إدراك كل ما في الوجود وعجزه عن القطع في الغيبيات. وهو ما يستوجب تبنيه الوعي الشهودي عوضا عن الإخلاد إلى الوعي الجحودي. 
وبالتالي، فإن الحداثة الأصيلة، كما نراها، خلافا للحداثة الغربية المعلِنة لموت الإله، المنتهية بإعلان موت الإنسان، حداثة شهودية بالمعنى الخلدوني للكلمة (3) : إنها حداثة حاثة على استخدام أقصى طاقات العقل على الفهم والإبداع مع الوعي بحدود علمه. يقول ابن خلدون:
«واعلم أنّ الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه أنه منحصر في مداركه لا يعدوها، والأمر في نفسه بخلاف ذلك، والحق من ورائه... وإذا علمت ذلك فلعلّ هناك ضربا من الإدراك غير مدركاتنا، لأن إدراكاتنا مخلوقة عنده وخلق الله أكبر من خلق الناس والحصر مجهول والوجود أوسع نطاقا من ذلك، والله من ورائهم محيط... وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، وأحكامه يقينية لا كذب فيها. غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوّة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال.
ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حدّ يقف عنده ولا يتعدى طوره، حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه.» (4)
وفي الحقيقة هذا ما سلم به فيلسوف الحداثة المؤمن امانويل كانط كذلك، الذي قال: «وضعت حدا للعقل لأفسح في المجال للإيمان» (أسس ميتافيزيقا الأخلاق). ولكن هذا ما تخلت عنه الفلسفة الوضعية أيضا التي أفرزت نظرة مادية مجحفة إلى العالم وإلى الوجود الإنساني. وفي الحقيقة، وبالعودة إلى كانط، إن الحديث عن الإيمان في ما وراء العقل، لا يعني أنه تخل عن العقل وجنوح إلى ضرب من الجنون، بل هو توسعة لمفهوم العقل والعقلانية.
وإنه لمن الطرافة بمكان أن نقف مؤخرا على تصور جديد ومغاير للعقلانية نجده عند الفيلسوف وعالم الإناسة إدغار موران، الذي خرج بالكامل عن مفهوم اللوغوس اليوناني والعقلانية بمعناها الحداثي والوضعي، وانفتح على مفهوم جديد لها لا نجد شبيها له إلا في الوحي، أو في الوعي الشهودي. حيث إنه يقترح علينا عقلانية مفتوحة، هي ثمرة نقاش حجاجي بين الأفكار، أو ثمرة ما سماه هابرماس بالعقلانية التواصلية، التي هي ليست حكرا على أي نسق فكري. حيث يقول: إن «كل نزعة عقلانية تتجاهل الكائنات والذاتية والوجدان والحياة هي نزعة لا عقلانية. على العقلانية- يقول موران-وأن تعترف بأهمية الوجدان والحب والتوبة. العقلانية الحقيقية-دائما بحسب موران- هي التي تعي حدود المنطق والنزعة الحتمية والنزعة الآلية. إنها تعلم جيدا أن العقل الإنساني لا يمكنه معرفة كل شيء وأن الواقع يحبل بالألغاز...باختصار إننا نتعرف على العقلانية الحقيقية في مدى قدرتها على الاعتراف بحدودها» (تربية المستقبل، ص. 25). وهكذا نكتشف بغبطة لا نخفيها أن إدغار موران ذو وعي شهودي وأنه خلدوني بطريقة شبه حرفية حتى وإن جاز عدم معرفته بابن خلدون.
لقد دخلنا في ما سبق إلى الحداثة الأصيلة من مدخل الحداثة فأصلناها في القرآن وفي السيرة والتاريخ الإسلامي وفي ابستيمية ختم النبوة، ولكن يمكننا كذلك أن نلِجَها من المدخل المقابل الذي هو مدخل الأصالة، لنطرح رديفا لمفهوم الحداثة الأصيلة الذي هو مفهوم الأصالة المبدعة باعتبار أن الإبداع يستوجب في حد ذاته الحرية التي هي شرط بناء الذات على نحو حديث، كما يشترط التجدد وإطلاق قدرات الفرد المعرفية والتخييلية. 
وماذا علينا التنبيه إلى أن الأصالة لا تعني ضرورة القدامة، بل تعني في جوهرها التطابق مع روح الحضارة الأصيلة التي هي روح متحررة من قيود التقليد ومجترحة لسنة الإبداع والتجديد. 
لا يمكن التفكير في معنى إبداعي للأصالة في غياب حس تاريخي مرهف متحرر من الوعي الهووي الجامد. هذا الحس التاريخي الذي يجعلنا مدركين لا فقط بكون الأصالة لا تعني القدامة، بل كونها كذلك لا تتنافى ضرورة مع كل تصور للحداثة. والقاسم المشترك الثابت بين القديم والحديث هو القيم الإنسانية الكونية التي نبه إليها الوحي الكريم، وكما أدركها العقل الإنساني وتأولها تدريجيا وعلى أنحاء مختلفة، بحسب خاصيات المكان والزمان، مثل قيم الحرية والعقل والمسؤولية والأمانة والعمل المثمر والرحمة والإبداع. 
ولعل خصوصية الثقافة الإسلامية الأصيلة هي كونها ثقافة ذات توجه عالمي مستلهمة من الوحي الأخير الذي هو رسالة موجهة للعالمين، وليس للعرب وحدهم أو للعجم وحدهم. فمهما اختلفت مظاهر الحضارة والعمران وأساليب العيش بيننا كمسلمين وبين بقية شعوب العالم وأممه فإن تلك المظاهر جميعا تظل منطوية على جملة من القيم الكونية المتجاوزة للقشرة الخارجية للحضارة. 
تجدر الإشارة كذلك إلى أن أسلافنا من بناة الحضارة لم يكونوا سلفيين، بل كانوا متمثلين لمعنى المعاصرة من خلال فهمهم لحاجات عصرهم من جهة، ومن خلال انفتاحهم على إنتاجات العلماء وأهل الصنائع والحرف المعاصرين لهم من جهة ثانية. فاطلعوا على علوم وفنون وفلسفات الفرس والهنود والصينيين واليونانيين وغيرهم وتفاعلوا معها تعلما واقتباسا وأخذا وردا وتطويرا وتعديلا وتصحيحا. وآثار هذا التفاعل ظاهرة للعيان في ما كتب الأسلاف ودونوا وفي مختلف ظواهر العمران لديهم، مع أنهم قد أسبغوا عليها طابعا إسلاميا توحيديا في الغالب. أما ما خالف هذه الروح التوحيدية، فهو ليس بأصيل، بل هو دخيل، وذلك بمعنيين: أولهما المعنى الواقع في المستوى الأول من الفهم وهو المعنى العائد إلى العقيدة الإسلامية التوحيدية، والثاني المعنى الواقع في المستوى الثاني من الفهم الذي هو المعنى الفلسفي والعلمي الذي يرد الظواهر كلها إلى كليات واحدة دونها نقع في التفكير الخرافي والأسطوري المرفوضين من تلك العقيدة التوحيدية ذاتها.
وإذا ما عدنا إلى معنى الأصالة اللغوي، لوجدناها تحيل إلى معنيين: الأول هو ما يعبر عنه بالفرنسية بـ authenticité، أي النسج على غيــر مثـــــال أو الإبـــداع، والثانــــي هو مـــــا يفيــد بالفرنسيـــة originalité، وفي المعنى الثاني الأصل هو المنبع أو الجذر والأصول هي المنابع والجذور، المنابع التي تغذي الجذور. فتصبح المعالجة الأصيلة لموضوع ما هي عودة إلى جذور المسألة التي يطرحها. أي عودة جذرية تتطلب مراجعة كل ما تراكم حول النص من أفهام واجتهادات أو كل ما لحق بمقاصده من تحريفات، والعودة إلى كل رصيد إمكانات الفهم المفتوحة، لإعادة النظر في المسألة بصفة كاملة انطلاقا من إمكانيات الذات المفكرة والمتفكرة والمتدبرة المتحررة من القوالب الجامدة، لا الذات المستلبة للمعاني والاجتهادات المتقادمة. فتصبح الأصالة لا فقط محيلة إلى الهوية، بل إلى الذات أيضا، وهو ما يفضي إلى جدل الذات والهوية أو الحرية والهوية، أي الاشتغال في براديغم جدلي: حرية/هوية، دون إقامة تعارض بين هذين المفهومين. بما أن النص المؤسس للهوية نفسه يؤسس لمفهوم الحرية بالدعوة إلى النظر الحر في الآفاق وفي الأنفس وفي التجارب التاريخية للأمم والمجتمعات. بهذا يصبح الإبداع من صميم الأصالة لا مجرد صفة نلحقها اعتباطيا بها. فلا تكون الأصالة الحقة إلا أصالة مبدعة مفضية إلى حداثة أصيلة.
هذه إذن بعجالة بعض المداخل والمقدمات النظرية لبناء مفهوم الحداثة الأصيلة والأصالة المبدعة المتجاوزة لواقع الازدواجية الثقافية: حداثة/ أصالة. أو تغريب/ تأصيل. وهذا النمط من الحداثة الذي نعيد بناءه من داخل ممكنات الثقافة الإسلامية ووعودها بالتحاور مع الآخر الذي نشترك معه في الإنسانية وفي الهوية الأرضية والقيم الكونية، نمط يختلف عن تلك الحداثات القسرية التي تستورد جاهزة ومعلبة من الغرب القلق مع مسيحيته ويبتلعها بعض نخبنا وبعض أساتذة الجامعات في بلداننا كما لو أنها أقراص مُعَدَّة للشفاء من أمراض التراث يتجرعونها ثم يجرعونها لتلامذتهم وطلبتهم بعد ذلك دون الانتباه لمفاعيلها الثانوية الخطيرة على صحة كيان الأمة وهويتها وشخصيتها الثقافية واستقلالها الاقتصادي والسياسي. كما أن هذا النمط من الأصالة الذي نربطه عضويا بمعنى الإبداع يختلف عن ذلك النمط من التأصيل المنتج لهوية جامدة منغلقة وقاتلة. بحيث نتجاوز بالحداثة الأصيلة والأصالة المبدعة نوعي التطرف والأصولية اللذين يهددان مجتمعنا كما نقدم إجابة عن حالة القلق التي يعيشها من هم واقعون تحت التأثير السلبي للازدواجية الثقافية المرادفة للهجانة الثقافية.
الهوامش
(1) انظر مختار العياشي، الدولة المدنية والمسألة الزيتونية، أكاديميا، السنة الأولى، العدد 6، جوان، 2012، ص.15.
(2) استمر العمل بالمحكمة الشرعية العليا بالعاصمة وبالمجالس والمحاكم الشرعيين الفردية بالجهات إلى حدود الاستقلال حيث تم توحيد النظام القضائي التونسي وحذفت المحاكم الشرعية وإدماج قضاتها في إطار قضاة محاكم الحق العام عملا بالأمر العليّ المؤرخ في 25 سبتمبر 1956 المنشور بالرائد الرسمي عدد 77 بتاريخ 25/10/1956 (انظر محمود شمام « خلاصة تاريخ القضاء «- 1992، وانظر د. شيباني بنبلغيث « النظام القضائي في البلاد التونسية 1857-1921»).
(3) كما أعاد بناءه أبو يعرب المرزوقي.
(4) ابن خلدون، المقدمة، ج 2، الدار التونسية للنشر، 1984 ص..56.
--------