همسات

بقلم
محمد كشكار
خواطر عشر

 (1)

المدرّس يملك العلم، 
لكنه يلقنه للتلميذ تلقينا ولا يملّكه إياه تمليكا:
يحث المدرّس تلامذته على طلب العلم من المهد إلى اللّحد وهو أول مَن يخالف هذه النصيحة الذهبية. ينقطع أغلب المدرّسين التونسيين عن طلب العلم عند تحصلهم على شهادة تخوّل لهم العمل في الأساسي أو الثانوي أو الجامعي. إن توقّف المدرّس التونسي عن طلب العلم خطأ كبير، فالتطور العلمي لا يتوقف ولا ينتظر، لذلك أخشى على زملائي من عدم الإلمام بالجديد المبتكر في مجالهم العلمي. وددت لو كان المدرّس التونسي باحثا أساسيّا أو ميدانيّا في مجال اختصاصه، باحثا لا يتوقف على طلب العلم كما ينصح دوما تلامذته أو طلبته.
(2)
الثقافة لا تُعطى، بل تُكتسب: 
أبدأ بأقوال بعض الفلاسفة المعاصرين في المثقفين:
* قال الفيلسوف اللبناني علي حرب:
«فإن من نقوم بتقديرهم وتبجيلهم من أهل الأدب والفــــــــــــــن أو العلم والفكر، لا يحسنون سوى ممارسة العنف الرمزي، بتقييماتهم السلبية ومفاضلاتهم العنصرية وتقسيماتهم الاصطفائية أو تصنيفاتهم البربرية». 
* قال الفيلسوف الفرنسي ريجي دوبري: 
Les philosophes écrivent sur des choses qui ne les maîtrisent pas, Sartre, petit bourgeois, écrit sur l’engagement politique de gauche; Rousseau, qui a mis ses enfants dans un orphelinat, écrit sur l’éducation ; Nietzsche, de mauvaise santé, écrit sur la force 
* قال الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر:
L’Intellectuel est une création du XIXè siècle qui disparaîtra à la fin du XXè ou du XXXè parce qu’il est fait pour disparaître. L’homme qui pense pour les autres, cela n’a pas de sens. Tout homme qui est libre ne doit être commandé par personne que par lui-même 
لقد صدق سارتر في تنبّئه باقتراب عصر انقراض المثقّف الذي يفكّر للآخرين، خاصة المثقف الذي يفكّر دون الاعتماد على بحوث علمية ميدانية.
بفضل الأنترنات، أصبح للمواطن الفرد البسيط - مثلي ومثلك - إمكانية اكتساب الثقافة بنفسه دون مدرّس والتعبير عن رأيه بكل حرية دون المرور بالقنوات الرسمية كالكتب والجرائد والإذاعة والتلفزة.
(3)
الإيديولوجيا لا تعطي أفكارا جديدة، بل تورّث مناصري مؤسسيها فكرا أحاديا إقصائيا رجعيا متحجّرا و متكلّسا:
لقد أمضى الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر شهادة وفاة الإيديولوجيا منذ 1948، عندما قال فيها:
Les idéologies sont liberté quand elles se font, oppression quand elles sont faites 
و قَبِلَ علي حرب فيها العزاء في كتابه «الثورات الناعمة» 2012:
«من هنا، فإنه ما تحسنه الثورات الإيديولوجية، العاملة تحت يافطة مقدسة، هو أن تأكل أبناءها و تصفي أعداءها. و هكذا فهي في كلا الحالين تجرّ الناس إلى الموت. فمَن كان معها وقدّس شعاراتها وضحى من أجلها راح ضحيتها، ومن عارضها أو وقف ضدها عملت على نبذه أو استئصاله و تصفيته». 
(4)
الحقيقة تبدو أقل حقيقة مما يدعيه أنصار «الحقيقة»:
قال فيها الفيلسوف اللبناني علي حرب:
- فحقيقة الحقيقة أنها أقل حقيقة مما يدعي قول القائل. ذلك أن قول الحقيقة أبدا يصنف و يستبعد، و يخدع و يحجب، و يحرّف و ينسخ.
- الحقيقة ليست مُعطى خفيا ينبغي البحث عنه، بل نتاج وبناء. ولا تبنى الحقيقة من دون الغير.
- إن نقد الحقيقة يجعلها أقل حقيقة.
- الثورة الحقيقية هي انتصار على الذات.
(5)
الإسلاميون لا يدعون إلى الإسلام الرحب الواسع المتعدد، 
بل ينشرون عن الإسلام، فكرة سياسية أحادية قاصرة
 و مختزلة: 
قال فيهم الفيلسوف اللبناني علي حرب في كتابه «نقد الحقيقة»:
«لا يمكن لأي معتقد أو مذهب أن يدعي احتكار الإسلام، ولنقل بالأحرى احتكار الحقيقة القرآنية. إذ القرآن نصّ لا يمكن لأي تفسيــر أو مذهب أن يستنفذه أو يغلقه. فلكل تصوره وفهمه، ومن ثم لكلّ مذهبه وإسلامه. غير أن النموذج العقائدي المغلق يسعى إلى احتكار المعنى والحقيقة في النّص، مدّعيا أن إسلامه، وحده من دون سواه، هو الإسلام الصحيح»
(6)
الماركسيون لا يدعون إلى اليسار الرحب الواسع المتعدد، بل ينشرون عن اليسار، فكرة سياسية أحادية قاصرة ومختزلة: 
قال فيهم الكاتب المثقف اليساري بيرم ناجي:
«نحن العرب الآن في محطة من أخطر محطات تاريخنا الحديث والمعاصر وتتطلب دما جديدا يعاد بعثه في جسمنا حتى نواصل القدرة على المقاومة وهذا الجسم له « قلب ينبض في اليسار»، كما قال الشاعر الفرنسي لوي أراغون ذات مرة، وهذا القلب مصاب بتصلّب في الشرايين ومهدّد بسكتة قلبية إن لم يعالج مما قد يحوّله من عضو نابض بالحياة إلى مِضَخّة على وشك التوقف أو الانفجار.
إن قاطرة اليسار العربي تشيخ في حين تشتعل النيران حولها والمطلوب تجديد محرّكها حتى لا تتوقف عن التقدم بين ومع وبالفقراء والمظلومين. وإنّ هذه المهمة تتطلب أول ما تتطلب إعادة تقييم الماركسية جذريّا ولكن ايجابيا، لأن المهمّ ليس النظريات وتناسقها بل الشعوب ومصالحها».
(7)
إمام الجمعة يؤمُُّ الجماعة في شؤون الدنيا والدّين 
وفي الجماعة مَن هو أعلم منه في الشأنين:
يبدو لي أن تكوين الأئمة في تونس تكوين هش في المسائل العقائدية وأكثر هشاشة في المسائل الدنيوية. كان لنا قديما في الجهل والأمية عذرا، فما عذرنا اليوم ونحن نرى الدكتور في الشريعة وأصول الدين التقيّ يصلّي وراء موظّف أقلّ منه علما وأقل منه نفعا للمصلّين، ونرى الطبيب المختص الورع يستمع إلى خطبة حول أمراض القلب والشرايين من إمام لا يعرف أبجديّات علوم الطب؟ 
(8)
صاحب المصنع، عادة لا يهتم بالبحث العلمي والتكنولوجي لتطوير صناعته:
ينصب اهتمام أصحاب المصانع العربية بالكسب السريع و الوفير و يهملون مستقبل صناعتهم و لا يقيمون أقساما خاصة بالبحث العلمي و التنمية المستديمة و المحافظة على البيئة في مصانعهم.
(9)
ليس للتاجر أخلاق، التاجر مثل الثقة و البشاشة و العدل 
في الميزان و الابتعاد عن الشطط في الثمن:
يبيعك التّاجر سلعته وكأنك عدوّه. لا يهتم بالمظهر وحفظ الصحّة والمعاملة الطيبة. يبيعك معروضا وكأنه مسروق. ومن انعدام ثقته في جدوى سلعته، يريد أن يتخلّص منها في أسرع وقت. أمّا عن الغشّ فحدث ولا حرج، فلماذا لا نعرض هؤلاء الغشاشين على مجالس تأديب مثلما نعرض بعض التلامذة من أبنائنا الصغار المغلوبين على أمرهم المتّهمين جهلا بالغشّ في الامتحان؟
(10)
صاحب الصنعة أو الحِرفي يأخذ مقابلا ماليا باهظا 
ولا يعطي إتقانا و لا حِرَفية:
الميكانيكي والنجار والحداد واللحام والدهان والبنّاء وصانع البنّاء، وغيرهم من أصحاب المهن اليدوية الحرّة، أكثرهم لم يتكوّنوا تكوينا علميّا في اختصاصاتهم والغريب أنهم يحكمون على الحريف أحكاما نافذة وعاجلة أكثر من «كلثوم كنّو». لم أسمع يوما - حتى بعد الثورة - أنهم مضربون عن العمل. ولماذا يضربون؟ فحرفاؤهم أَولى بالإضراب عن خدمات هؤلاء الدجّالين «الحِرفيين المزيّفين» وأنصح الحرفاء بتعلّم الصنائع وأشجعهم على «البريكولاج».