نقاط على الحروف

بقلم
مصدق الجليدي
شبهة نشر الإسلام بحد السّيف

   سألني أحد الأساتذة الأفاضل عن شبهة نشر الإسلام بحد السيف التي يمكن استنتاجها من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم  الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى ) متفق عليه .

فكان جوابنا على سؤاله كالتالي:
إن لفظة الناس رغم أنها تفيد العموم إلا أنها مرة تفيد الخصوص ومرة تفيد العموم، وها هو مثال على ذلك:
”وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ “ (الحج:27). الناس هنا تفيد الخصوص وليس العموم، لأن اليهود من الناس والآية لا تخاطبهم، والنصارى من الناس والآية لا تخاطبهم، ولا المجوس كذلك. الآية تخاطب المسلمين فقط، وليس كل المسلمين، فهي لا تخاطب الأطفال ولا المجانين، ولا تخاطب الذين لم يجب عليهم الحج، ومع ذلك فالآية لا تتناولهم: ”وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا“ (الحج:27) فهذا الصبي الصغير ابن ثلاث سنوات لا يدخل في الآية مع أنه من الناس. إذاً، لفظ الناس وإن كان عاماً لكن يراد به الخصوص. ما الذي أعلمنا أنه يراد به الخصوص؟ السياق، والسياق من المقيدات. وقوله تعالى: ”قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا “(الأعراف:158) هنا لفظ الناس يفيد العموم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى كل الخلق.
والآن هل "الناس" المقصودون في الحديث كل الناس أم بعضهم؟. السياق يقيّد مطلق اللفظ لأنه يدلنا على حالة الحرب التي كان عليها المسلمون مع المشركين الذين منعوهم من نشر دعوة الإسلام سلميا. وإلا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون عندئذ مخالفا لنصوص قرآنية صريحة:
فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ( الكهف:29 ) 
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ .(الكافرون:6.)
لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا (الرعد:31.)
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ( القصص:56)
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ (الشورى:48)
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (الغاشية:22).
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (يونس:99)
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( النحل:125.)
وهذا لا يمنع من تشريع القرآن لقتال المشركين في حالات مضبوطة:
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ( * ) إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (النساء: 9)
وربما يوضح هذا أكثر قوله تعالى: ” أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( * ) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ “ (الحج 39-40 ) فكان القتال ممنوعا قبل ذلك ثم أبيح للضرورة .فالقتال بالنسبة للمسلم مكروه شرعا وغير مطلوب ، إلا إذا اقتضت الضرورة كالاعتداء على النفس والأوطان.
بل إن القرآن لا ينهى عن برّ كل مسالم للمؤمنين حتى ولو كان غير مسلم : ”لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ“ (الممتحنة:8)
وملخص ما سبق ، أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو حلقة فى سلسلة طويلة عنوانها التعامل بين المسلم وغير المسلم، وهو مقيد بكل هذه الحلقات فيما يتصل بفهم معناها كلها، ومن هنا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عاهد المشركين وصالحهم لمدة طويلة، وعاهد اليهود. وتعامل المسلمون مع غيرهم سلما فى وقت السلم وحربا فى الحرب فى إطار قانونى يعترف العالم المنصف بنبله وسموه .
ولا ننس دستور المدينة وما تضمنه من بنود تضمن التعايش السلمي بين كافة سكانها مسلمين ويهود وغيرهم وبينهم وبين محيطهم إلا من عاداهم، ويكفل الحريات الدينية للجميع.
ومما جاء فيه: ”وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه وأَثِم فإنه لا يوتغ[ أي يُهلك] إلا نفسه وأهل بيته.“
كما نص الدستور على النصح والبر بين المسلمين وأهل الكتاب: ”وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم“.
ولم يهمل الدستور من لا دين لهم من الوثنيين وهم المشركون فنص في البند (23) على أنه:  ”لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفسا“. والنهي عن استجارة المشرك الموافق على وثيقة دستور المدينة مالاً لقريش أو نفسا (أي ضمان سلامة مال لقريش أو شخص منهم) فلأن قريشا كانت في حالة حرب مع المسلمين، أما بقية القبائل العربية التي لم تدخل الإسلام ولم تعاد الرسول فالعلاقة معها علاقة سلم كما يدل على ذلك هذا البند.
هذا بعض ما يمكن الجواب به على سؤال الأستاذ الفاضل الذي احتار في وجه معقولية الحديث مقارنة بما يعرف عن ضمان حرية المعتقد من قبل الإسلام بصريح القرآن.