في العمق

بقلم
محمد كشكار
محاولة فلسفيّة أفكار تعارض السائد و قد تحرّك الراكد!

 (1)

 
◄يقولون: ”الشك طريق إلى اليقين“
◄ أقول: ”يختلف التفكير الديني و التفكير العلمي و لا يلتقيان إلا في المقاصد الأخلاقية السامية و في رفض هذه المقولة. أما الأول فيرفضها لأنه مبني على اليقين من أساسه و لا يحتاج للشك كطريق للوصول إلى اليقين لأنه يقين و تسليم من بدايته إلى آخرته. أما الثاني فيرفضها لأنه يعتبر الشك طريقا إلى شك أكثر تعقيدا و ليس من مهامه و لا من أهدافه الوصول إلى اليقين فلو وصل إلى اليقين لا قدّر الله، لتوقف إنتاجه و نفى نفسه بنفسه لأنه بطبيعته دائما مُعرّض و قابل للدحض و التكذيب“.
(2)
 
◄يقولون: ”الإنسان أناني بطبعه والفنان موهوب بطبعه والعربي عنيف بطبعه والمسلم إرهابي بطبعه والغربي متحضّر بطبعه واليهودي بخيل بطبعه والمسيحي متسامح بطبعه وغيرها من الصفات البشرية المنسوبة خطأ إلى الطبع والموروث“.
◄ أقول: ”ماذا يعني بطبعه؟ هل كُتبت هذه الصفات برموز الشفرة الجينية على جينات البشر قبل ولادتهم؟ طبعا سيكون الجواب العلمي بالنفي، إذا كان الغربي متحضّرا بطبعه فمن يا تُرى يرمينا بالقنابل العنقودية المحرّمة دوليا ومن يحرقنا بالفوسفور الأبيض وبالنابالم؟ وإذا كان المسلم إرهابيا بطبعه فمِن أين أتانا أحمد زويل وفاروق الباز ونجيب محفوظ ومحمد الأوسط العياري وفرحات حشاد؟ وإذا كان العربي عنيفا بطبعه فمن أين أتانا نزار قباني ومحمود درويش وصادق جلال العظم ونوال السعداوي وأم كلثوم ونجاة الصغيرة وفيروز ومارسيل؟ نحن نعرف أن رموز الشفرة الجينية تكون موروثا مشتركا بين الكائنات الحية، فلو أخذنا مثلا الجينة البشرية المسؤولة عن صناعة هرمون الأنسولين في الجسم وأدرجناها بيوتكنولوجيا في الحمض النووي لخلية بكتيريا لصنعت هذه الأخيرة لنا أنسولين بمواصفات بشرية وليست بكتيرية. وهنا أطرح السؤال الإنكاري التالي: هل توجد جينات بشرية مسؤولة عن ظهور قدرات ذهنية كالذكاء والعنف والفن؟ إلى حد الآن لم يثبت العلم ذلك. مع العلم أن الإنسان والقرد يشتركان في ما يقارب 99 في المائة من طبيعة وتركيب جينات الحمض النووي والواحد المتبقي وحده أنتج كل هذا الفرق في الذكاء بتفاعله مع المحيط نتيجة نقلة نوعية وقعت إثر خطأ كيميائي في الحمض النووي البشري لذلك لا يمكن للقرد أن يصبح بشرا حتى ولو علمناه ودربناه لأنه لم يرث مخّا بشريا اكتسب تطوره وتعقده عبر ملايين السنين. عكس ما كان يتوهم علماء الوراثة (مائة ألف جينة عند الفرد البشري الواحد)، أثبت العلم الحديث في القرن الواحد و العشرين أن عدد الجينات عند الإنسان لا يتخطى الثلاثين ألف وهي عاجزة مثلا عن التخطيط الكامل مسبقا لمليون مليار من الوصلات العصبية بين الخلايا العصبية داخل المخ البشري“.
(3)
 
◄يقولون: ”ما لقيصر لقيصر وما لله لله“.
◄ أقول: ”نسوا أو تناسوا أن الله لا يأخذ شيئا و لا يحتاج شيئا من الأرض و البشر. كل ما خصصوه زورا لله، ماديا كان أو مجردا، قد أخذه قيصر أيضا و لم يترك للمعذبين في الأرض و الآخرة شيئا“.
 
(4)
 
◄يقولون: ”يحب الإنسان بقلبه و يفكّر بعقله“.
◄ أقول: ”ينبثق الحب والتفكير من المخ ولا دخل مباشر للقلب في المشاعر والإحساس إلا كعضو مثل باقي الأعضاء يتفاعل إيجابيا مع المخ، يمدّه بمعلومات ويأخذ منه معلومات. لا يمثل المخ قائد فرقة متسلط على أفراد جوقته المتكونة من باقي الأعضاء، المخ قائد ديمقراطي يستشير باقي الأعضاء في الصغيرة والكبيرة ولا يعطي أوامر إلا في كنف التناغم والتنسيق مع باقي أعضاء الجسم، يتساوى في هذا صغيرهم مع كبيرهم. ومن قال: أحب بقلبي، كمن قال: أحب بعضلة ذراعي. والدليل المادي التجريبي على سلامة هذا الطرح الأخير هو الآتي: لو قام طبيب بعملية زرع قلب، من شخص ميت حديثا، وهو المانح بموافقته مسبقا أو بموافقة عائلته مؤخرا، إلى شخص مستفيد، فمشاعر المانح وعواطفه وأحاسيسه لا تنتقل مع قلبه إلى المستفيد ويحافظ المستفيد على نفس مشاعره التي كان يملكها ولا زال قبل وبعد تعويض قلبه الوراثي المريض بقلب سليم لشخص آخر. لننتظر قليلا عملية زرع المخ المستقبلية حتى نتكلم وبتحفظ عن انتقال المشاعر والتفكير من المانح الميت إلى المستفيد الحي لأن الإنسان السليم بدنيا لا يفكر مثل الإنسان المعوق ولا يعني هذا أنه يفكر أحسن منه بل هو مختلف عنه فقط“.
 
(5)
 
◄يقولون:”بدون مجاملة“عندما يخاطب الصديق صديقه.
◄ أقول: ”أطرح هنا سؤالا على محدثـــــــي وصديقــــي: لمــــاذا يا صديقــي لا تجاملني دون أن تنافقني وتحرمني من كلمات رقيقــــة تقولهــــا لي صدقا عوض أن تقولها نفاقا لغير الأصدقاء“.
 
 
(6)
 
◄يقولون: ”خلية النحل تحكمها نحلة ملكة“.
◄أقول: ”هي الملكة الوحيدة التي تملك ولا تحكم شيئا ولا تمارس أي نوع من التسلط أو التحكم، ويا حبّذا لو تشبّه بها كل الملوك والرؤساء، لأن تنظيم خلية النحل هو تنظيم ذاتي تقوم فيه كل نحلة بدورها الوراثي الجزئي الغريزي البسيط دون أن تتلقي أوامر من الملكة ودون انتظار جزاء منها. تنبثق عن هذا التنظيم الغريزي الذاتي لأفعال النحل خلية غاية في الروعة ذات تصميم هندسي إنشائي رائع لا يقدر على تقليده أكفأ مهندسي أمريكا وتسود خلية النحل ديمقراطية غريزية منبثقة من تطور بيولوجي دام ملايين السنين ونظام محكم وتوزيع أدوار دون منافسة واستبطان ذاتي حرّ ومستقل للانضباط للقانون. تسود داخل مجتمع النحل ديمقراطية غريزية، مجتمع يحكم نفسه بنفسه بالمعنى الحرفي وليس المجازي للكلمة. ديمقراطية لم يحلم بها أفلاطون ولا الفارابي في مدينتيهما الفاضلتين“.
(7)
 
◄يقولون: ”لا يكون الإنسان وطنيّا إلا عندما ينحاز لقضايا بلده العادلة دون البلدان الأخرى“.
◄ أقول: ”لماذا لا ينحاز في نفس الوقت لكل القضايـــا العادلـــة في العالم بما فيهم قضية وطنه ويصبح عندئذ مواطنـــا عالميــــا. فهل هذه العالمية تكمّلـــه وتجمّله أم تعيبه؟ يعيب مواطن العالــــم على المواطن الوطنـــي ضِيقَ أفقه وانغلاقـــه على بني وطنــــه وعنصريته ضد الأجانب وإقصائه للآخـــــر؟ فماذا يعيب الوطني على العالمي؟ تنغرس جذور مواطن العالم في وطنه كما تنغرس جذور النخلة في الأرض وتنتشر فروعــــه في كل أوطان العالـــــم كما ترتفع أوراق النخلة محلقة حرة في الجو العالي النظيف، يحب المواطن العالمي ويعشق أبناء وطنه كما يحب ويعشق أبناء الأوطان الأخرى دون تمييز“.
(8)
 
◄يقولون: ”الرئاسة دورتان لا ثالثة لهما“.
◄ أقول: ”جميل لكن هل طبقتم هــــذا المبــــدأ علـــــى أنفسكــــم في المعارضة وفي اتحاد العمال وفي البلديات وفي المنظمات الحكومية و غير الحكومية؟“
(9)
 
◄يقولون: ”العقل السليم في الجسم السليم“.
◄ أقول: ”لو عكسوا لأصابوا فالعقل السليــــــم يحبّذ السكـــــــن في الأجسام العليلة حتى تشاركه هموم هذه الحيــــاة السقيمــــة. ولكم عبرة في هؤلاء العقول السليمة أصحاب الأجسام العليلة: غاندي النبـــئ، جسمه هزيـــــل لأنه نباتي لا يأكل اللحم ومشتقاته. شي قيفارا، لم يمنعه مرض الربو من قيادة الثورة الكوبية صحبة فيدال كاسترو. طه حسين والمعري  الشيخ إمام وسيــــد مكــــاوي، لم يسلبهم فقدان البصر القدرة على الإبداع، كل في ميدانه. عمر المختار، الشيخ ذو السبعين حولا، لم يثنه الكِبر عن مقاومة الاستعمارالإيطالي حتى الاستشهاد،العالِم الأنقليزي ستيفن هاوكينق 
Stephen W.Hawking  المنظّر العالمي في فيزياء الفضــاء، لم يقعده شلله الرباعي عن مواصلة أعماله و اكتشافاته في علوم النسبية العامة“.
(10)
 
◄يقولون:”لعن الله المعصية و العاصي“
◄ أقول: ”مردّدا ما قاله بعض الفقهاء العقلانيين: المعصية مفروغ منها و متفق على مضرتها للفرد و المجتمع مثل المعاصي التالية: الإدمان على الخمر أو المخدرات و الغش في العمل و احتكار السلع الضرورية للمواطن و الزيادة في الأسعار و الربح غير المشروع (خاصة في شهر رمضان شهر التقوى و الرحمة و صحوة الضمير النائم. لماذا نترك قيمنا الإسلامية حبيسة الكتب الفقهية لمدة 1401 سنة منذ موت عمر رضي الله عنه عام 23 هجري ولا نتمــــرّن على تفعيلها وتحيينها بهذه المناسبة الكريمة) والكذب والنفاق والخطاب المزدوج والاحتراف السياسي والنقابي. أما العاصي فأمره مخالف، هو بشر ضعيف بطبيعته غير مكتمل التكوين والتربية، نستطيع بالتعليم والتأهيل تغيير تصوراته غير العلمية وغير المنطقية وغير الحضارية وغير الإنسانية ولا نيأس منه مهما كانت درجة إدمانه على المعاصي ولا نحكم عليه بمجرد ارتكابه معصية مهما كانت كبيرة أو صغيرة - "إن الكبائر عند الله كاللّمم" كما قال البصيري في البردة - بل نثق في إنسانيته ومستقبله الأفضل ونحاول تكثيف وتنمية الجانب الخيري في شخصيته وتقليص مساحة الشر داخله ونأخذ بيده كما يأخذ الطبيب بيد المريض حتى يُشفى من مرضه ويقف على ساقيه ويستغني عن الدواء والمداوي. خلاصة القول: اِلعن المعصية و لا تلعن العاصي“.
(11)
 
◄يقولون: ”العنف لا يولّد إلا العنف“.
◄أقول: ”وهل ولّد عنفا، عنف نظام "بن علي" في تونس وعنف نظام "مبارك" في مصر وعنف نظام "علي عبد الله صالح" في اليمن؟ هذه مقولة من المقولات "الكليشيهات" الزائفة التي أطاحت بها الثورة العربية. نجح العرب في ثوراتهم الحالية في إحياء وتفعيل إصرار الفيلسوف الهندي غاندي على مواجهة العنف باللاعنف. كلما ازداد النظام الديكتاتوري قمعا إلا وقابله الشعب الأعزل بتحدّ أقوى من أسلحة الدمار الشامل“.
—————————