في العمق

بقلم
عبد الله التركماني
أهم تحديات المرحلة الانتقالية في سورية

 عملية التغيير والانتقال الديمقراطي جزء من قانون طبيعي للتطور التاريخي وصلت مفاعيله اليوم إلى سورية، بعد أن مرت موجته الأولى في أوروبا الجنوبية في السبعينيات، واجتاحت الموجة الثانية أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات، وفي فترة متزامنة ومتعاقبة وصلت الموجة إلى أمريكا اللاتينية، وها هي الموجة الثالثة للتغيير تصل إلى البلدان العربية. وقد دلّ الحراك الشعبي السوري على أصالة حركة التغيير، التي لم تكن سوى نتاج تفاعل داخلي ونضالات طويلة ومعقدة لقوى وحركات سياسية وفكرية، على مدى عقود من الزمن. ناهيكم عن عوامل موضوعية وأخرى ذاتية، مع وجود أوضاع دولية مشجعة، خصوصاً الموجة الداعمة لقضايا حقوق الإنسان والحريات على المستوى العالمي، تلك التي ازداد رصيدها منذ انتهاء الحرب الباردة في العام 1989، حتى وإن تم توظيفها لأغراض سياسية، إلاّ أنها موضوعياً خلقت أجواء مناسبة دولياً للتغيير والانتقال الديمقراطي، بغض النظر عن ازدواجية المعايير وانتقائية السياسات.

 
لقد أكد السوريون، كغيرهم من شعوب العالم، أنهم يرفضون الاستبداد ويطالبون بالعدالة والمساواة وسيادة القانون والشفافية والمساءلة ومستوى معيشة مقبول.  إلا أنّ تحديات كثيرة ستواجه سورية في المرحلة الانتقالية من الاستبداد إلى الديمقراطية، ولكن من الممكن التعاطي المجدي معها إذا ما توفرت إدارة عقلانية للموارد المادية والبشرية والاستراتيجية السورية. إذ ثمة حاجة إلى برامج للإنعاش الاقتصادي، بهدف خلق وظائف وبناء بنية تحتية والاستثمار في البحث والتنمية وتنويع الإنتاج وجذب استثمارات خارجية. وعلى المستوى السياسي، توجد حاجة ملحة لسياسات تحظى بتوافق وطني، مبني على أساس العمل مع تشكيلات مختلفة سياسياً وأيديولوجياً. 
 
أهم أعمدة المرحلة الانتقالية
 
يُقصد بالمرحلة الانتقالية تلك الفترة التي تمتد بين إسقاط النظام السوري والتأسيس للدولة الديمقراطية، وتعترضها - بداية - تحديات تتمثل بالتنازع على مصير النظام المندثر وكيفية محاسبة رجالاته، خاصة أولئك الذين لوثوا أيديهم بدماء الشعب السوري وأفسدوا بالمال العام، وعلى الحلول المباشرة الواجبة لتأمين حاجات المجتمع وأمنه. وتكتنف تلك المرحلة مهمات متنوعة، كصياغة دستور جديد وتشريعات تضمن حقوق الإنسان والمواطنة وقضاء مستقلاً وإعلاماً حراً وتنمية مستدامة ومؤسسات نزيهة لضمان الأمن. وأكثر ما يهددها هو العمى الأيديولوجي لدى البعض والتعصب الفئوي لدى البعض الآخر، اللذان ينذران بنشوء بؤر متفجرة للنزاعات الطائفية أو المذهبية أو القومية، ما يفسح في المجال أمام تصاعد العنف وإسقاط مشروع الانتقال الديمقراطي برمته في أتون الفوضى والصراع الأهلي. 
 
وهي مرحلة قد تطول أو تقصر، تبعاً لحجم المشكلات والصعوبات ولنوعية المعوِّقات السياسية التي تعترضها، والناتجة عن الآثار السلبية لنظام الاستبداد طوال أربعة عقود، وبخصوصية المجتمع السوري وتنوع مكوناته ودرجة تطوره الاقتصادي والثقافي، والأهم مدى تبلور البديل السياسي ونضجه. وكلما كانت هذه المشكلات واضحة وتمت معرفة أسبابها وملابساتها، كلما كانت القدرة على تجاوزها أسهل، ونجحت قوى التغيير في خلق تفاهم وطني عريض وإحباط الألغام الأيديولوجية التي خلّفها تباين الخيارات السياسية والفكرية وتجاوز سوء الفهم والتنافس المرضي بين الجماعات والأشخاص، كلما كانت التكلفة أقل.
 
إنّ طبيعة الفترة الانتقالية أنها مرحلة استعادة توازن المجتمع، وترميم ما تصدع من أعمدة الدولة التي سعى النظام السابق لهدمها. وهي التي يتم فيها إرساء الأساس الذي يبنى عليه المستقبل، وخطورتها أنها تتفشى فيها التحركات المضادة للثورة، والتي تعرف، في علم دراسات الثورات والتحولات التاريخية، بـ " فوضى ما بعد الثورة "، ويحدث ذلك بصور متعددة أبرزها اندفاع عدائي من أنصار النظام السابق والمستفيدين منه، ضد محاولة بناء الدولة الجديدة، وكذلك اقتحام ساحة العمل السياسي المفتوحة، بعد إطلاق حرية التعبير، لتيارات وعناصر كل هدفها اقتناص مكاسب لنفسها، حتى ولو أثارت صراعات تمزق ثوب الوطن.
 
ولأنّ الاستبداد والتسلط بنية وليس مجرد فرد أو نظام، فإنه ما لم تهتدِ سورية إلى أنّ تأسيس الانتقال الديمقراطي ينبغي أنْ يرتكز على ضمان الحريات الشخصية والعامة، وتداول السلطة، والحريات الدينية والسياسية للمواطنين، وإبعاد الدين عن أنْ يكون " كهنوتاً سياسياً " ومادة للدعاية الانتخابية والحزبية، فإذا لم تتوجه سورية نحو الخيارات السابقة ستبقى بنية الاستبداد قائمة مهما تنوعت أشكاله. وبالتالي فإنّ نجاح الثورة السورية في تحقيق أهدافها لا يقاس - فقط - بقدرتها على الإطاحة بنظام الاستبداد بقدر ما يقاس بقدرتها على إقامة نظام بديل لذلك الذي قامت من أجل إسقاطه.
إنّ الحل هو إسقاط النظام القائم بنية وسلوكيات، مع الحرص على مؤسسات الدولة والممتلكات العامة وقطع الطريق على أي شكل من أشكال الطائفية ونزعات الانتقام الغرائزية ومماهاة السلطة الديكتاتورية الفاسدة بقطاعات سكانية واجتماعية بعينها. هذه مهام أساسية في المرحلة الانتقالية، إلى جانب المباشرة ببناء منظومة جديدة، سياسية وقانونية، تكفل للمواطنين جميعاً، بمن فيهم أنصار النظام الحالي ممن لم تتلوث أيديهم بدماء شعبنا والأموال العامة، حقوقهم في دولة قانون ومؤسسات وحريات. 
 
ومما لا شك فيه أنّ المجلس الوطني السوري سيلعب دوراً محورياً في قيادة عملية التحول، عبر الدخول في مفاوضات مع الممثلين لقيادات المعارضة الأخرى أو أية شخصيات تحظى باحترام شباب الثورة، من أجل تشكيل حكومة انتقالية. وبالتالي يجب أن تفضي هذه المفاوضات إلى جدول زمني لإنجاز عملية التحول الديمقراطي التي تقوم أولاً على إعداد دستور مؤقت جديد للبلاد، من جانب خبراء دستوريين وقانونيين وإصلاحيين سياسيين. وبعد ذلك تقوم الحكومة الانتقالية بوضع قانون جديد للانتخاب والأحزاب السياسية والذي يفترض أن يحكم عملية انتخاب جمعية تأسيسية لإعداد الدستور الدائم، وتشرف على الانتخابات لجنة وطنية مستقلة عبر إشراف قضائي ومراقبين محليين وعرب ودوليين. 
 
إنّ ضمان الانتقال الآمن والسلمي إلى الديمقراطية يستند إلى عمودين رئيسين، تبعاً لما كتبه الزميل الدكتور رضوان زيادة: المصالحة من أجل ربح المستقبل، واستعادة الثقة بالمؤسسات.
ومن خلال استجلاء ملامح خبرة عربية مجهضة خاضتها حركات التغيير الديمقراطي في العالم العربي، يمكن التوقف أمام عدد من الدروس المستفادة، ومنها:
(1) - التخلص من وهم التغيير السياسي السريع، فمع أنّ هناك ظرفاً موضوعياً يدفع في اتجاه التحول الديمقراطي، إلا أنه يحتاج إلى عمل تراكمي متواصل. 
(2) التخلص من وهم أنّ التغيير سيحمل حتما الديمقراطية، فليس ثمة ضمان أن يؤدي التغيير السياسي حتماً إلى تحقيق الديمقراطية. 
وختاما، يمكن القول إنّ عملية التحول الديمقراطي في أمس الحاجة إلى توافر مجموعة من العوامل المهيأة لنجاحها وفي مقدمتها: التوعية السياسية المكثفة، والعمل الجماعي السياسي، وعقد تحالفات أوسع نطاقاً، والبحث عن وسائل سلمية  للاحتجاج والمعارضة، وتوظيف الدعم الدولي لما يخدم المصالح الوطنية العليا. حيث تشكل هذه العوامل مداخل استراتيجية لا غنى عنها في إطار إحداث التحول الديمقراطي المنشود في سورية.
 
لقد أكدت التجارب الدولية في مجال الانتقال الديمقراطي أنّ هناك حاجة ماسة للاشتغال وفق مسارين متباينين من حيث الآليات، لكنهما متكاملان من حيث الأهداف: يتحدد أولهما في القرار، ويتحدد ثانيهما في الحوار.  ولا شك في أنّ ترسيخ ثقافة القرار هو جزء من الأهداف العامة التي يسعى كل انتقال ديمقراطي إلى جعلها مرتكزاً. ذلك أنّ المسؤولية تقتضي وجود مؤسسات تتحمل تبعات القرارات التي تتخذها، مادامت كل مسؤولية ترتبط، ضرورة، بالمحاسبة.
 ومن أجل ضمان شروط النجاح المجتمعي للانتقال الديمقراطي تبرز الحاجة الماسة لآلية أخرى ذات نجاعة كبرى: إنها آلية الحوار الوطني الذي لا يرتبط ضرورة بالمؤسسات الرسمية، وأصحابه ليسوا مطالبين باتخاذ قرارات. وهو بذلك مهمة تقوم بها جهات أخرى تعمل على ترسيخ قيم أكثر أهمية من القرارات ذاتها، وتتحدد هذه الجهات في الإطارات الفكرية والمنظمات المدنية ووسائل الإعلام التي تعتبر الحوار الأداة المثلى لزرع قيم دائمة ومستمرة وفعالة. وتجمع على طاولته الآراء المتباينة التي لا تعدو أن تكون في نهاية المطاف مشاريع مقترحة على المواطنين، بمعنى أنّ قوتها لا تأتي من الداعين إليها، بل من خلال اقتناع المواطنين بنجاعتها باعتبارها الجواب الفعال عن تساؤلاتهم وإشكالاتهم. 
 
ذلك أنّ عملية الانتقال الديمقراطي في سورية المستقبل ليست جواباً عن وضعية سياسية فقط، بل هي جواب عن وضعية مركبة مظهرها الأمثل التمزق الاجتماعي المتمثل في تخريب العلاقات الإنسانية التي تقوم على التواصل بين الأفراد والهيئات والمكونات القومية والدينية والمذهبية، فالوضعية السابقة عليه تقود إلى ضعف مرجعيات الأخلاق السياسية والتشكيك في كل المشروعيات، وهيمنة الاختيارات القائمة على الحلول الفردية الخاصة. وفي هذا السياق يأتي دور الهيئات المدنية التي لا تبحث عن شرعية انتخابية، والتي ترافع من أجل القيم الإيجابية، وتعد الإطار الأكثر تأهيلاً لتبنّي اختيار فتح الحوار الوطني في القضايا التي تهم الشأن العام.
ومن المؤكد أنه ليس بالإمكان نقض الاستبداد وبناء الديمقراطية من دون دحر الثقافة السياسية والمدنية القائمة على النمط الاستبدادي، ومن دون الانتصار للنمط الديمقراطي القائم على الحرية والتسامح والمساواة والمشاركة السياسية.
وهكذا، فإنّ أهم تحديات المرحلة الانتقالية في سورية هي:
 
(1) التحديات المؤسسية 
 
◄ العدالة الانتقالية، التي ترتبط بالتحول والانتقال السياسيين من أجواء الشمولية والاستبداد إلى الممارسة الديمقراطية، وهي وسيلة لتجاوز الإكراهات والمشاكل في مختلف أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي عانت منها الدولة والمجتمع، وآلية فعالة للتخلص من التراكمات السلبية للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بالصورة التي تسهم في حدوث انتقال متدرج نحو الديمقراطية بناء على أسس متينة، توفر شروط التسامح والمصالحة والشرعية والتعددية والاستقرار داخل المجتمع. إنها وسيلة لرأب الصدع وتوحيد المجتمع ومنع تكرار التجارب المؤلمة في المستقبل، كما تعد أيضاً وسيلة لتجاوز الجمود السياسي في سورية السائرة نحو الديمقراطية.
 
وبحسب المركز الدولي للعدالة الانتقالية تُشير العدالة الانتقالية إلى مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية، التي قامت بتطبيقها دول مختلفة من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتتضمن هذه التدابير الملاحقات القضائية ولجان الحقيقة وبرامج جبر الضرر وأشكال متنوعة من إصلاح المؤسسات. 
◄ شفافية الانتحابات ونزاهتها، من خلال ثلاثة معايير رئيسية: أولها، معيار الفاعلية، أي أن تُحقِّق السيادة للشعب، وتداول السلطة وتوفير الشرعية الشعبية للحكام ومحاسبتهم. وثانيها، معيار الحرية، أي ضرورة أن تستند الانتخابات إلى حكم القانون، وأن تحترم حقوق المواطنين في المعرفة وفي التعبير والاجتماع وتشكيل الأحزاب السياسية. وثالثها، معيار النزاهة والشفافية، بمعنى أنها لا بد أن تجري تحت إشراف قضائي ومراقبة محلية وعربية ودولية.
◄ الدستور الديمقراطي، وذلك لإكساب عملية التغيير الشرعية التي يمكن الاستناد إليها من خلال وثيقة يسهم الجميع في إنجازها، وتأخذ في الاعتبار المعايير الديمقراطية الدستورية التي تعتبر قيماً عليا، تقوم على الحرية والمساواة والعدالة، وهي إذا ما أدرجت بالدستور على شكل مواد ملزمة، فإنها تحدد معانيه ومبانيه في إطار شفاف يقوم على الحقوق والحريات والمساءلة وفصل السلطات واستقلال القضاء وتداول السلطة سلمياً وتحقيق المشاركة من دون تمييز أو إلغاء أو تهميش.
◄جدلية الديني والسياسي، إذ صار مطلوباً أن يتم البحث في جدلية الديني والسياسي في سورية المستقبل، لأنّ هذا قد يؤدي إلى تقديم أنموذج  جديد، عبر إعادة التفكير بهدوء في عناصر تلك الجدلية التي تفرض نفسها باضطراد. كما أنه لن يكون ممكناً إلا إذا استطاع الساسة والمثقفون السوريون، من مختلف المدارس الفكرية والسياسية، تجاوز مواقفهم المعروفة، الإسلامية والعلمانية، تجاه تلك الجدلية.
◄  كونية وشمولية حقوق الإنسان، إذ تكشف دراسة الوثائق الدولية المدى الواسع لكونية وشمولية حقوق الإنسان. فمفهوم حقوق الإنسان في الوقت الحاضر مفهوم شامل لا يقتصر على فئة واحدة من الحقوق دون غيرها، فهو يشمل حقوق الأفراد والجماعات والشعوب، كما ينطوي على حقوق سياسية ومدنية مثلما ينطوي بنفس القدر على حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية.
 
 (2) التحديات السياسية
 
◄  التنمية السياسية، باعتبارها وسيلة لإعادة صياغة الثقافة السياسية التي سادت في سورية منذ العام 1970، وخلق ثقافة مدنية جديدة ومتحضرة للعبور بالمجتمع من حالة التخلف إلى التقدم.
◄  الديمقراطية وحقوق الإنسان، باعتبارهما حركة واحدة في واقع الأمر، يمكن اختصارها بالقول: إنّ مدى حضور التحولات الديمقراطية في الدولة والمجتمع عالميا أصبح متلازماً مع مدى حضور حركة حقوق الإنسان وثقافتها، والعكس صحيح فغياب التحولات الديمقراطية متلازم مع غياب حركة حقوق الإنسان وثقافتها أيضاً.
◄  الديمقراطية التوافقية، التي تقوم على فكرة الائتلاف الكبير لترسيخ معادلة الوحدة والتنوع، إذ بإمكان النخب الفكرية والسياسية - إذا توصلت إلى تفاهم متين فيما بينها وإذا وضعت المصالح الوطنية فوق كل اعتبار آخر - أن تلزم أنصارها بتعزيز الوحدة الوطنية. حيث لم يعد بإمكان قوة واحدة أو اتجاه سياسي أو فكري واحد أو تيار ديني أو اجتماعي وحده حكم سورية، الأمر الذي يحتاج إلى تشاركية وتوافقية لضمان عدم تغوّل جهة أو مكوّن أو تيار أو جماعة على أخرى. 
 
 (3) التحديات الاجتماعية
 
◄ المجتمع المدني، وهو مرادف للتحول الديمقراطي، باعتباره البديل عن المجتمع الذي تهيمن فيه سلطة الدولة الاستبدادية الشمولية، والبديل، عن النظام القبلي والمجتمع الطائفي الذي تكون فيه الكلمة العليا لشيخ القبيلة أو رئيس الطائفة. وبمنظور أوسع، فإنّ المجتمع المدني هو الفضاء الذي يستطيع المواطنون المشاركة فيه بشكل متزايد في مرحلة التحول إلى مجتمع ديمقراطي.
◄  العمل التطوعي، بعد أن عوّدت الدولة الأمنية المواطنين السوريين على اختيار كل شيء لهم، بدءاً من العمل إلى التعليم مروراً بطريقة الحياة اليومية، فإنّ المرحلة الانتقالية من الاستبداد إلى الديمقراطية تحتاج إلى تدعيم ثقافة العمل التطوعي من كافة مؤسسات الدولة، بحيث يمكن قبولها والاستفادة من مردوديتها.
◄ الفساد، إذ أنّ محاربته غير ممكنة بعيداً عن منظومة كاملة من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وحتى نفعّل قضية المساءلة والشفافية ولنجنّب سورية المستقبل ما عانته بلادنا تحت حكم الاستبداد من فساد وغموض ومواقف متأرجحة، فإنّ الواجب يحتم على المعارضين، الذين يريدون تصدر المشهد السياسي، أن يقوموا بتعريف أنفسهم وتقديم معلومات كافية ووافية عنهم، حتى يعرف الثوار والمواطنون من هؤلاء الذين سيمثلونهم. 
 
إنّ التضحيات الكبيرة التي قدمها السوريون، شهداء وجرحى ونازحين ولاجئين، تستدعي من الجميع العمل بجد وإخلاص للتأسيس لحكم قائم على الشفافية والوضوح، ووضع المسؤولية بأيد كريمة ونفوس لا تحمل في مواقفها تناقضات بائسة ولا في تاريخها ما تتحرج منه أو تخشى من تعرّف الناس عليه.
 
(4) المرحلة الانتقالية للتنمية
 
 إذ المطلوب مزاوجة خلاقة بين دور الدولة في قيادة التنمية الشاملة وبين إطلاق أقصى قدر من الحرية للقطاع الخاص، في إطار القانون‏‏ وتحت الرقابة الدستورية، وكذلك توفير البيئة القانونية المناسبة لجذب الاستثمارات العربية والأجنبية.‏ 
 
(5) التحديات الثقافية
 
للديمقراطية جانبان: السياسي متمثلاً في الدساتير والنظم والانتخابات، والثقافي ممثلاً في القيم والتوجهات والممارسات، والتعليم عنصر فاعل من ضمن عناصر أخرى في الثقافة الديمقراطية والتربية على المواطنة.
 
وهكذا يخطئ من يعتقد أنّ التحول نحو الديمقراطية في سورية هو مجرد مخطط ذهني سهل التنفيذ، ويخطئ إن ظن أنّ هذه الطريق لن تكتنفها صعوبات ومشكلات عديدة. مما يعني أنّ الانتقال لا يتحقق بمجرد إزاحة الاستبداد وتوفير بعض الحريات والقيام بانتخابات، بل هو عملية تاريخية تحتاج لزمن غير قصير، وبديهي أن يشهد في بعض المحطات إرباكات وصراعات على السلطة وإصرار قوى معينة على تخريب الثورة وإيقافها والارتداد عنها.