حق الإختلاف

بقلم
محمد بوقرين
مقاربة نقدية للرؤية الفكرية والمنهج الأصولي لحركة النهضة


) تقديم : 

 

يندرج هذا المقال في إطار البحث عن رؤية فكرية أكثر وضوحا ونجاعة للعمل السياسي الذي يتخذ من الإسلام مرجعية له . وقد استعملت الوثيقة التي تبنتها حركة النهضة حول الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي كمثال لتطوير خط فكري يزيل الصورة النمطية المشوهة والراسخة في أذهان الكثير من أن المواطن المتديّن الذي من حقه أن ينشط سياسيا ويؤسس هذا النشاط على قراءة دينية قد يهدد الصفة التي يحملها وهي المواطنة. 

وإذا اختلفنا حول تحديد الرؤية التي نريدها فإني أراهن على : 

*النضج التنظيمي للحركة الذي يحسن التحكم في إدارة الخلاف ويرتقي به إلى مستوى التنوع في إطار الوحدة.

* إرادتنا الطيبة التي تسعى اليوم اثر انطلاق الثورة المباركة إلى إنجاح النموذج الديمقراطي الذي يتجاوز المرجعية الغربية الجاهزة التي يرى أصحابها أن الحداثة والديمقراطية بمنأى عن الإسلام.


2 ) أهم محتويات الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي : 

 

تحتوي الرؤية الفكرية على جملة من التصورات العقائدية تتمحور حول منزلة الإنسان ووظيفته في الوجود : فهي تتحدث عن فرد مؤمن بأركان العقيدة الإسلامية ومكلف بأمانة الخلافة في الأرض التي تقتضي التحرر من أثار العبودية لغير الله والجهاد في سبيل إحلال قيم الحرية والخيـــر والعــــدل وتطبيق شرع الله في الأرض بالرجوع إلى القران والسنة والإجماع والقياس .

 

ما هي منزلة العقل في مجال العقيدة والتشريع ؟ 

 

أ – منزلة العقل في مجال العقيدة :

العقل حسب الوثيقة قادر على إثبات الإيمان بالله واليوم الآخر وصدق النبوة المحمدية ولكنه عاجز عن إدراك التفاصيل الغيبية الأخرى ( مثال الملائكة ) التي ندركها بالرجوع إلى الوحي أي إلى القران والأحاديث المتواترة .

ب – منزلة العقل في مجال التشريع : 

العقل حسب الوثيقة قادر على استخراج الأحكام الشرعية سواء كانت تفصيلية أو عامة واستخلاص المقاصد التي يهدف إلى تحقيقها الشارع (مصالح ضرورية وحاجيّة وتحسينية) .

 

لماذا يعود العقل إلى الوحي في مجال التشريع ؟ 

يعود العقل إلى الوحي في مجال التشريع لاستيعاب الخير والشر كما قدره الشرع لأنه عاجز عن تحديد قيمة الأفعال الإنسانية ( وهو موقف يماثل ما ذهبت إليه فرقة ”الأشاعرة“ في تاريخ الفرق الإسلامية التي عارضت قول المعتزلة ”الحسن ما حسنه العقل والقبيح ما قبحه العقل“ ) . أما إذا لم يرد من الوحي ما يفيد تقدير بعض الأفعال ( مثال الديمقراطية ....) فان العقل يقدرها على ضوء مقاصد الشريعة .

 

كيف يفهم العقل الوحي؟ 

يتعامل العقل مع نصوص دينية قطعية الدلالة و الثبوت ( لا خلاف حول فهمها ) أو ظنية الدلالة و الثبوت ( يوجد خلاف حول فهمهــــا والعمل بها ) و في كل الحالات يلتزم العقل لإدراك معاني النص بالأساس اللغوي و المقاصد و الواقع ( لربط الثابت بالمتغير و فهم النص على ضوء علوم العصر”النص الديني“  بالمتغير ) كما ينظر إلى الأحكام الشرعية على أنها متكاملة . 


3) مرجعية هذه الرؤية الفكرية : 

 

إن الأساس الفكري الذي بنيت عليه هذه الرؤية هو : 

(أولا) العقيدة الإسلامية فهي القاعدة المركزية في التفكير الإسلامي كما ورد في الصفحة الأولى من هذه الوثيقة.

(ثانيا) وقع الاسترشاد بالفكر الإسلامي عبر مساره الطويل و في هذا السياق نرى أن التأثر بدا واضحا بالاعتقاد الأشعري الذي يولف بين العقل و النقل و هو منهج ضديد للمنهج المعتزلي و التحديثي اليوم الذي يعطي الأولوية للعقل على النقل و يسعى إلى فهم الوحي فهما مقاصديا و تاريخيا بينما يرى أصحاب هذه الوثيقة أن الأوضاع السائدة بقيمها و مفاهيمها لا تحدد أوجه الفهم في النصوص القطعية الثبوت و الدلالة كالتعدد في الزواج و الحدود و منهج الربا .... الخ .


4) ملاحظات نقدية : 

 

(أ)  الوقوع في التكفير بحكم الخطأ في تحديد صفة المخاطب : 

من الواضــح أن الخطاب في هذه الوثيقة موجه إلى شخص مؤمن ( لا المواطن ) ويمكن أن نبرر هذه الأولوية بأن حركة النهضة كحزب سياسي يتوجه إلى مجتمع تونسي مسلم طمست هويته بسبب الاستعمار الفرنسي ( 1881 م ) وسقوط الخلافة ( 1924 م ) والتهور العلماني اثر الاستقلال الذي عمد إلى سياسة معادية للإسلام عرفت بتجفيف المنابــــــع . وقد نقــــل د. عبد المجيد النجــــار ( وهو من مهندسي هذه الوثيقة بمعية شيوخ مستشارين مثل المرحوم الشيخ محمد الإخوة والشيخ محمد الصالح النيفر والعلامة يوسف القرضاوي ) في كتابه " صراع الهوية في تونس " عدة مواقف دالة على السلطة العلمانية الاستئصالية التي سعت إلى التخلص من النص الديني فسبقت العقل على النقل بل ألغت دور النقل وادعت أنها امتدادا للمعتزلة والقرامطة ولأبي ذر الغفاري وابن رشد وعارضت الصحوة الإسلامية التي وصفها زياد كريشان بالفكر الظلامي والوهمي والغيبي ( نظرا لاعتمادها على النص الديني ) .

 

ولئن كان الإطار الاجتماعي والثقافي السائد دافعا إلى التمسك بالمرجعية الإسلامية من أجل الدفاع عن الهوية المستهدفة فإننا لم نجد تبريرا واحدا لأصحاب هذه الوثيقة في تصنيفهم للمجتمع التونسي بين مؤمن وكافر وتكفير من لم يـــؤدي الفرائض الدينيــة أو أوّل القران تأويلا تجاوز به معهود اللغة حيث ورد في هذه الوثيقة : ”إننا لا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وتوابعها وعمل بمقتضاها وأدى الفرائض برأي أو معصية إلا أن أقر بكلمة الكفــــر أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة أو كذب صريح القران أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال أو عمل لا يحتمل تأويلا غير الكفر“ . من خلال هذا القول يمكن أن نفهم أن كل شخص يصوم ولا يصلي أو يشرب الخمر أو يؤول القران تأويلا خارج النسق التقليدي فهو كافر ( كمحمد الطالبي الذي قرأ النص الديني

1قراءة سهمية مقاصدية قادته إلى اعتبار الدين حرية ومساواة تامة ورفض للحدود ) وفي هذا السياق لا بد أن نذكر أن منطق التكفير منبوذ في السياسة لا بحكم تعارضه مع الحريات والمواطنة وحقوق الإنسان والديمقراطية فقط بل كذلك يعد هذا المنطق متخلفا حتى على

 

تراثنا فقد كتب أبو حامد الغزالي كتابا بعنوان ” فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة“  اعتبر فيه الخلاف حول الإمامة أي في المجال السياسي لا يقع في دائرتي الكفر والإيمان بل في دائرتي الخطأ والصواب لأنها من الفروع لا من الأصول . 

 

(ب) غياب رؤية واضحة حول الواقع بحكم غلبة التفكير النقلي الذي يعطي الأولوية لقال تعالى وقال الرسول ( ص ) وقال فلان من الصحابة على إعمال العقل .

 

ومن المعلوم أن المنهج القرآني أخبرنا بوجود سنن في الكون والتاريخ وتناقضات في المجتمع وحثنا على اكتشافها .

ومن المتفق عليه أنه يستحيل فهم الأوضاع وقيادة المعارك دون الإلمام بالتناقضات التي تحكم الواقع الاجتماعي على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي . وفي هذا السياق اختلفت العائلات الفكرية والسياسية في تونس مثلا قبل الثورة حول تحديد التناقض الرئيسي والثانوي . ويمكن حصر الاختلاف في موقفين :

أ – الموقف الأول : يرى أن التناقض الرئيسي هو مع الاستبداد النوفمبري لذلك كان التركيز على الإصلاح السياسي والمطلب الديمقراطي . فالأسبقية للديمقراطي .

ب – الموقف الثاني : يعتقد أن التناقض هو مع الامبريالية و الصهيونية فهي التي تمنع التطور والوحدة وتعرقل التقدم لذلك ركز أصحاب هذا الاتجاه في نضالهم السياسي على ثقافة المقاومة وأهملوا الانشغال بالقضايا المحلية بل اعتبر بعضهم أن في السلطة أطراف وطنية . فجوهر الصراع بين الوطني و اللاّوطني والأسبقية للوطني على الديمقراطي والتناقض الرئيسي مع الامبريالية والصهيونية والثانوي مع السلطة . 

 

* ومن الملاحظات النقدية التي تساق في هذا الإطار أن الاستبداد النوفمبري ليس كيانا منفصلا عن الامبريالية والصهيونية لذلك فالتناقض معه ليس ثانويا بل هو رئيسي .

واليوم بعد الإطاحة برأس النظام الاستبدادي واندلاع ثورات الربيع العربي أثير إشكال التعامل مع الأجنبي من جديد فمن يعطي الأولوية لمواجهة الامبريالية والصهيونية ويغلب التناقض الخارجي على التناقضات الداخلية حيث يعتبر الخطر هو الخارج الامبريالي ومن يرى الأسبقية لمعالجة التناقضات الداخلية وأهمها اليوم بقايا الاستبداد والفساد المعادية للثورة فيذهب إلى الاتكاء على الخارج من أجل انهاء الاستبداد ونشر الحرية وتراوح هذا الرهان من طلب التدخل العسكري ( مثال ليبيا – تدخل الناتو بمباركة من الثوار ) إلى طلب القروض والمساعدات المالية مقابل مواصلة النهج الليبرالي القطري وطمأنة الغرب على مصالحه .

 

وبالرجوع إلى هذه الوثيقة لا نجد رؤية واضحة أو غامضة حول طبيعــــة تناقضات الواقــــع وترتيبها وكيفية حلها . فهل التناقـــض الرئيسي اليوم مع بقايا الاستبداد والفســاد أي داخلي؟ والحل هو الديمقراطية ..

أم مع الامبريالية والصهيونية أي خارجي ؟ والحل هو المقاومة .

أم التناقض داخلي وخارجي لا ينفصلان ؟ ( يبدو مواقف حركة النهضة تعطي الأولوية للتناقضات الداخلية وهو ما يبرر مساندتها لثوار ليبيا رغم أنهم استعانوا بالناتو وثورة الشعب السوري ضد الأسد رغم أنه يأوي المقاومة فالأولوية للديمقراطية ) .


5 ) أفاق للتجاوز :

 

المطلوب تعديل الرؤية الفكرية في مستوى التوجه بالخطاب فالمخاطب في تقديرنا هو المواطن ( لا بالضرورة مؤمن ). لماذا ؟ 

* لأن التصنيف على أساس العقيدة يترتب عليه : 

- إقصاء للمخالف في المعتقد الديني أو معاملته بطريقة دونية .

- إثارة حساسيات دينية قد تتطور إلى صراعات تهدد وحدة البلاد وهو ما يطمح إليه المشروع الاستعماري الامبريالي ( التجزئة وتفتيت القطر الواحد ) لضمان مصالحه وتعميق تبعية البلاد والمحافظة على الكيان الصهيوني .

 

* المخاطب كذلك " المواطن " لأن صفة المواطنة تشمل كل التونسيين المسلمين منهم ( وهم أغلبية ) وغير المسلمين ( وهم أقلية ) فجميعهم ينتمي إلى الوطن تونس ويترتب على إحساسهم بالانتماء تحملهم مسؤولية الحفاظ عليه وعلى وحدته والارتقاء به . ولا يعني هذا أن يتجرد المواطن المؤمن من إيمانه لأن الإسلام لا يتعارض مع هذه الواجبات الوطنية . لذلك لا نرى تعارضا بين المواطنة كانتماء ومسؤولية وما يدعو إليه الإسلام من تحمل لأمانة الاستخلاف وتنمية حركة الخير والحد من قوى الشر بالإضافة إلى كون الارتباط بالوطن هو إحساس فطري ( قال الرسول صلى الله عليه وسلّم لمّا هاجر من مكة : ”لأنت أحب البلدان إلى نفسي ولولا أن أهلك أخرجوني منك لما خرجت“  .ونحن في هذا السياق ندعم ما ذهب إليه الشيخ راشد الغنوشي في كتابه " الحريات العامة في الإسلام " عندما ربط قيمة المواطنة بالإسلام ولكن نختلف معه في ضرورة فك الارتباط بين هذه القيمة والعلمانية فالمواطنة قيمة مرتبطة بعقلية منفتحة تنحاز إلى الحرية قد نجدها في العلمانية الأنقلوسكسونية ولا نجدها في العلمانية الفرنسية ( أو نجدها في العلمانية الجزئية ولا نجدها في العلمانية الشمولية بتعبير المرحوم عبد الوهاب المسيري ) وقد نراها في التفكير الإسلامي العقلاني المستنير ولا نراها في السلفية الدينية ومن حق كل فرد داخل المجتمع أن يختار ما ينسجم مع قناعاته فلا يوجد صراع بين الطرح الإسلامي والعلماني بل تنافس من أجل تفعيل قيمة المواطنة بما يخدم البلاد . وهما يتحدان أمام الخطر المحدق الذي يهدد الدولة والمجتمع فالمواطن الفاعل لا يعيش في قوقعة انتمائه الوحيد ( الأسرة – المهنة – الحي – المدينة – الدولة – الأمة - الدين ) بل يمارس هويّة مفتوحة متعددة الانتماء .

 

في مستوى فحوى الخطاب :

 

كما أسلفنا إن اعتماد الوثيقة على التفكير النقلي انتهى إلى رؤية مثالية خارج التاريخ لا تسمح للمتلقي ( = المواطن ) بفهم التناقضات الرئيسية فضلا عن الثانوية لواقعه وكيفية تجاوزها لذلك نرى من زاوية نظر معينة أن الإسلام أخبرنا بوجود تناقضات في المجتمع وحثنا على اكتشافها وإيجاد الحلول لها بالاسترشاد بالقيم الدينية ( تناقضات بين المبادئ التي يطلبها الوحي كالعدل والحرية والمساواة والممارسات المنحرفة كالظلم والاستغلال والاضطهاد والأحكام التي تجسد هذه التناقضات متغيرة بتغير الزمان والمكان ) فإذا استخدمنا هذا المنهج في واقعنا قلنا إننا لا نزال نعاني عدة مشاكل كالمشكل السياسي رغم الانفراج الديمقراطي بعد الثورة ومن تجلياته بقاء بقايا النظام الاستبدادي في الإدارة والإعلام والقضاء ووجود كيانات فكرية وسياسية دغمائية – منغلقة – يصعب معها الحوار إن لم يكن مستحيلا كالسلفية واليسار الاقصائي الذي بنى ذاته سياسيا على معاداة كل ما هو دين وإسلام سياسي ( ولن يرضى عنك ولو كنت عمر بن عبد العزيز في عدله أو صلاح الدين الأيوبي محرر فلسطين ) ففي هذا المستوى يوجد تناقض بين ما يريده الشعب الذي هتف بإسقاط النظام الاستبدادي ووجود هذه الكيانات الفكرية والسياسية المنغلقة وحلّه هو الحوار ما لم يصدر عن الآخر عنف في الممارسة .

 

أما في المجال الاقتصادي والاجتماعي فان البلاد لا تزال تعاني من مشكل الفقر والبطالة والمديونية – بل هذه القضايا مرشحة لكي

 

تكون أكثر استفحالا – بسبب وقوع القطر تحت إملاءات رأسمالية متوحشة فرضت عليه الخصخصة والتجزئة . بالإضافة إلى الاضطرابات التي يثيرها اليوم من ليس له مصلحة في الثورة وتغيير مسار التنمية بتنفيذ إضرابات واعتصامات وحرق وقطع طرق .....إذن في هذا المستوى يوجد تناقض بين ما يتطلع إليه الشعب من شغل وكرامة ومستوى معيشي لائق من جهة ووجود نظام اقتصادي ليبرالي تابع يعطي الامتيازات للمستثمرين دون أن يحملهم مسؤولية حل قضايا التشغيل والضمان الاجتماعي والصحي ويفرض التجزئة لأنه يدرك أن حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية لن يكون إلا في أفق الوحدة العربية . والتفكير في حل هذا التناقض يجعلنا أمام مسارين في التنمية : إما مسار الرأسمالية المتوحشة الذي يفرض على الدولة أن تنسحب من كل القطاعات برفع الشعار القديم ” اتركه يعمل دعه يمر أو حوت يأكل حوت وقليل الجهد يموت“  وهو ما ولد العديد من المشاكل كما أسلفنا، أو مسار التحرر من العولمة المتوحشة وتداعياتها السلبية . والتفكير في آليات الإنعتاق يجعلنا نقترب من الطرح الاشتراكي والوحدوي فإذا كان الليبرالي يتصور أنه يكسب الثروة بذكائه وهو ليس مسؤولا عن الفقراء فالمسلم مطالب بالاهتمام بالفقير لذلك أمره الإسلام بالصوم وبالزكاة وبأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه وحرم عليه الكنز والربا في حين يرتكز النظام الرأسمالي على الاحتكار والربا ( = الفوائد ) فمن المفروض معاداة الرأسمالية ( صحيح لم يلغ الإسلام الملكية الفردية ولكنه قيدها بخدمة المجموعة ولا ننسى أن ظهوره كان في مجتمع زراعي فلم يعايش اضطهاد الطبقة العاملة إبان الثورة الصناعية بالإضافة إلى كونه دين يدعو إلى المساواة فجوهره انتفاء الطبقات ) ولكن هل نقدر اليوم أن نرفض كل مفردات اقتصاد السوق التي باتت معولمة ؟وهل نستطيع انجاز وحدة مغاربية أو عربية تحررنا من نهم الشركات العابرة للقارات دون أن نواجه رغبات منظمة التجارة العالمية والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي التي تفرض أن تكون المبادلات التجارية بنسب عالية مع الغرب ( لا مع المحيط العربي ) ؟ وهل نستطيع انجاز مؤسسات بنكية متحررة من النظام المصرفي العالمي الذي يقوم على الربا ؟ يجب أن نتنبه أن ما لا يدرك كله لا يترك جله وأن مصالح الغالبية من شعبنا أهم بكثير من مصالح ثلة من المستثمرين . فالحل يكمن في الانحياز إلى القيم الجماعية ( لا الفردية ) وفي الدفاع عن دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي بالإبقاء على القطاعات الإستراتيجية كالتعليم والصحة والماء والكهرباء والتشغيل تحت إشرافها فلا ترضخ لاملاءات الرأسمالية المتوحشة .

 

وأن نتعامل مع خيارات المجتمع ورغباته حسب مبدأ التدافع الاجتماعي في اختيار ما يناسب ( بمعنى يمكن الاحتفاظ بالعديد من المواقف الاجتماعية رغم تحفظنا عليها مع إضافة أشكال اجتماعية واقتصادية أخرى تستجيب لقناعاتنا فكما قال الشيخ راشد الغنوشي في إحدى تصريحاته " إن إقامة الدولة الإسلامية الصرفة في تونس أمر عسير والواقع يتطلب التدرج والإبقاء على الحريات الفكرية والعقدية " ) فكل الطموحات الشعبية مشروعة وطريق تحقيقها الديمقراطية . ويعد التحرر من الليبرالية المتوحشة من أكبر ما يطمح إليه الشعب ينجز كما أسلفنا بالدفاع عن الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة ونضيف إلى ذلك الوحدة المغاربية والعربية ( فنحن في زمن التكتلات ومشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية تحل في إطار وحدوي ) ونرى امتلاك هذه الآليات مرهون بالديمقراطية التشاركية اليومية فهي الكفيلة بمراقبة ما ينجز من مشاريع تخدم تحرر البلاد أو تعمق تخلفها وتبعيتها للغرب ( = الليبرالية المتوحشة ) ودفع العمل العربي المشترك الذي يكون نتيجة اختيارات شعبية لا مواقف نخبوية أو زعامتية ( وهو من أهم عوامل فشل المشاريع الوحدوية العربية ) .

 

6) الخاتمة :

 

ترتكز رؤيتنا على : 

(أ) المواطنة فالأولوية في التوجه بالخطاب إلى التونسي كفرد يحمل صفة المواطنة ( بدرجة أولى ) .

 (ب) إعمال العقل لفهم تناقضات الواقع وترتيبها ومعالجتها وهو ما يترتب عليه الإقرار بجملة من المسلمات: 

 * إن الإسلام لم يعوض سعي الإنسان في المجالات الدنيوية قال الرسول ( صلى الله عليه وسلّم ) : أنتم أدرى بأمور دنياكم . لذلك علينا أن نؤمن بدور الخبراء والمعاهد العلمية المتخصصة في صنع القرار . 

* أن نجعل الفضاء العام مكانا للمجادلة والمحاججة باستعمال العقل ولا وجود للغة تعبوية للأنصار وأخرى ديبلوماسية لعموم المواطنين . فما أقتنع به داخليا هو الذي أقنع به الناس في الخارج فقد أورد ابن القيم الجوزية على لسان ابن عقيل في مناظرة له في تعريف السياسة الشرعية : ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس أقرب معه إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وان لم يشرعه الرسول ( صلى الله عليه وسلّم ) ولا نزل به وحي . 

* أن يكون كذلك حسب مزاعم أن أعمال العقل لا يعني أن نضالنا بمنأى عن المبادئ الإسلامية ( أو يجُبُّ اليسارَ الاقصائي ) ذلك أنه لا وجود لعقل محض فكل عقل له مسلماته والثوابت التي تؤطر تفكيرنا هي مقاصد الإسلام ، بها نقيم الواقع وعلى ضوئها نسعى إلى تغييره ومن هذا المنطلق نرى أن التناقض الرئيسي اليوم هو مع بقايا الاستبداد والفساد  ومع الامبريالية والصهيونية  وهو كذلك تناقض داخلي يعيشه الإنسان مع ثقافة الاستهلاك التي يغذّيها اقتصاد السوق ( وهي ثقافة تراهن على تحريك الغرائز ) لذلك نراهن في الإصلاح على المؤسسات والقيم. والدولة في نظرنا ليست دينية وليست علمانية ( بمعنى معاداة الدين أو إقصائه من المجال السياسي ) بل هي متلونة بحسب المجالات فتكون دينية في مجال ولا دينية في مجال آخر وجامعة بينهما في مستوى ثالث .
لا نزعم بهذه المقاربة أننا نحتكر الحقيقة الدينية عندما نستعمل الدين كطاقة روحية كبرى دافعة لتفعيل القيم والتصدي لليبرالية المتوحشة . ولا ندعي أننا نطبق الشريعة أو نحن في عبادة ولكن نقول إننا نجتهد .