الكلمة للمربي

بقلم
محمد كشكار
التعليم في تونس: هل هو هرم مقلوب؟

 استوحيت هذه الخواطر من معاناتي في القسم كأستاذ تعليم ثانوي في ضواحي تونس. أدرس علوم الحياة و الأرض بالفرنسية للسنة الأولى من التعليم الثانوي. في الثلاثي الثاني من السنة الدراسية 2009-2010، طلبت من تلامذتي واجبا منزليا يتمثـــــــل في انجاز تمرين عدد 3 صفحة 73 من الكتاب المدرسي الوحيــــــد بعد ما شرحت لهم كتابيا في القسم تمرين عدد 1 صفحــــــــة 62 من نفس الكتاب. تشجيعا و ترغيبا لهم و رفعا لمعنوياتهم المتردية لتدني معدلاتهم في علوم الحيـــــاة و الأرض في الثلاثـــــــي الأول. وعدتهم بإسناد 20 على 20 في فرض الأشغال التطبيقية لكـــــل تلميــــذ يقــــوم بواجبــــه المنزلــــي، نعم و للأسف الشديــــد بواجبـــه المنزلــــي البسيـــط. في الحصة الموالية، و كما هو منتظر في هذا الزمن الردئ، لم يقم بالواجب إلا 36 تلميذا من مجمـــــوع 180 تلميذ، عدد تلامذتـــي في ستة أقسام. ولم يتفطن إلاّ تلميذ واحد منهـــــم (صاحب معــــــدل 17 من 20) أن التمرينين، المشار إليهما أعلاه، متشابهان تماما. قلت لهم معاتبا: لن تجدوا أستاذا يشجعكم و يرغّبكم في العمل أكثر مني و لن أجد أنا، تلامذة أذكى منكـــم في الضرر بأنفسهم.

 
لماذا لا يعمل التلميذ التونسي؟ هل هو كسول بطبيعته؟ لماذا يلجأ التلميذ التونســــي إلــــى العنـــف؟ لماذا يلجأ التلميذ التونسي إلى الغش؟
هل هو عنيف بطبيعته؟ هل هو غشّاش بطبيعته؟ هل هو المسؤول الوحيد على عنفـــه و علـــى غشــــه و على تردي مستواه التعليمي؟ 
 
هل الأساتذة يفهمون أن تلامذتهم لا يفهمـــــــون؟ وهل يعرف الوزير مستوى التلاميذ؟ وهل تستشرف الدولة مستقبل التعليم في تونس؟ 
 
تخصّص الدولة ميزانية ضعيفة جدّا للمرحلة الأولى من التعليم الأساسي وأقدّم لكم هذا التقرير التقريبـــــي في أكثر المدارس الابتدائية: أقسام مكتظة، تلامــــــذة لا يمارسون الرياضــــة ولا يستعينــــون بالحاســـوب، لا توجد مخابر و وسائل إيضاح و مجسّمات لتدريس العلوم و لا يوجد معلم مختص فـــــي مجــــال معيــــن، لا توجد في بعض المدارس آلة ناسخـــــة و لا أنترنات ولا قاعة معلمين و لا حتى بيت راحة خاص بهـــــــم. لا يوجد مقياس علمي للنّجاح، فالارتقاء أصبح تقريبا آليا. ألغي امتحان "السيزيـــــام"، الغربـــال الوحيــــد في الابتدائي، ينجح التلميذ وينتقل إلى المدرسة الإعدادية و هو لم يتملّك كفـــــاءات الابتدائــــي الأساسيـــة الثـــلاث وهـــي التعبيــــر الشفـــوي والتعبيـــر الكتابي بالعربية و الفرنسية و الحساب. يفشــــــل أكبـــــر عـــــدد من التلامذة في السنة الأولـــى إعـــدادي أو السابعــة أساســـــي لعـــــدم تأهيلهـــم فـــي الابتدائـــي لهذه المرحلة.
ترتفع ميزانية المدرسة الإعدادية و المعهد كثيـــرا بالمقارنـــة مع المدرسة الابتدائية، لكنها تُصْرَف في استهلاك الإضاءة و الماء والطباشير والطباعة وتسخين مكاتب الإدارييــــن. ألغـــــي امتحـــان "النوفيــــام"، الغربــال الوحيـــــد فــــي الإعــــدادي. ينجح التلميــذ ويرتقـــي آليّا إلـــى الثانــــوي فتنـــزل عليــــه الصاعقــــة الكبـــرى ألا وهي تدريس كل المواد العلمية بالفرنسية بعد ما كان يدرسها بالعربيـــــة طيلـــــة تســـــع سنـــوات مــــن التعليــــم الأساســــي.  في السنة الأولى ثانوي، لا يستوعب أكثر التلاميذ الدرس  باللغة الفرنسية و لا يفهمون منه شيئا و لهذا يلجـــؤون إلى تعطيـــل سير الدرس والتشويش والعنف والغش الواضـــح والفاضــح والوقح، ليفرضوا أنفسهم بعد مــــــا أخرجهــــم النظــــام التعليمــــي الجديــد من المنظومة التربوية. هنا يندرج تشكي الأساتذة من عنف وغش تلامذتهم ويتّهمونهم بشتى التهم من غباء وعدم تربية وقلة انضباط و استهتار بالقيم.
 
 أنا لا أنزّه التلميذ و لا الولي، بل أحاول فقط تسليط نظرة شاملة على المشكل و قد تبين لي أن التلميذ ضحية و مسؤول في نفس الوقت. إنه نتاج ما صنعت أيدينا من سياسة تربوية فاشلة سنها وطبقها كهول و ليس مراهقين، فعلينا إذا، قبل أن نلوم التلميذ والولي، أن ننقد أنفسنا و وزارتنا و المبرمجين و المتفقدين والإداريين. أما مسؤولية التلميذ، فتتمثل في عدم قدرته على التأقلم مع هذا الوضع السيئ و إهماله لدروسه، السهل منها و الصعب.
 
بقي امتحان "الباكلوريا" شكليا و ألغي فعليا  باحتساب المعدل السنوي بنسبة الـ25% فـــي معـــــدل النجــــاح فــــي الباكالوريـــا. قد يتحصل التلميذ علـــى شهــــادة "الباكلوريــــا" بـ 8 معــــدل فقط في الامتحان الرسمــــي، لكـــن مــــع احتســــاب المعــــدل السنـوي بنسبة الـ25%  في المعدل النهائـــــي للنجــــاح فــــي الباكلوريــــا، قد يصل إلى معدل 9 من 20 وهو ما يؤهله للنجــــــاح بالإسعاف. يرتقي التلميـــــذ إلـــى الجامعــــة وهـــو لـــم يستعـــد لهــــا تمــــام الاستعداد في الثانوي.
 
ترتفع، على حد علمي، ميزانية الجامعــــة كثيــــرا بالمقارنـــة مع الابتدائي و الإعدادي و الثانوي لكن لا تصرف في البحث العلمي وتجهيز المخابر. رغم بناء عشرات الكليـــات و المعاهــــد العليــــا في كـــــل الولايـــات التونسية، ما زالت جامعات السبعينـــات تستوعــب اليـــــــوم بنفس الفضــــــاءات آلاف الطلبة ككليـــــة العلـــــــــوم و كليـــة الحقــــوق و كليـــــة الهندســـة بالمركــب الجامعي و كليــــــة 9 أفريل بتونـــــس العاصمة.
 
خلاصة القول
 
حسب وجهة نظري المحدودة جدا كغير مختـــــص في تقييم أداء وزارة التربية، أرى أن فشل التلميذ التونسي في الدراسة مسؤولية يتحملها البنك العالمي والوزير والمدير والأستاذ والمعلم والولي والتلميذ. تهتم الدولة بالتعليم الجامعي أكثر من اهتمامها بالثانوي والابتدائـــي وحسب اجتهـــادي المتواضـــع، لو عكست لأصابت. تبني الدولة هرما تعليميا مقلوبــــا والــــذي يقلــــب الهــــرم التعليمـــي يحـــذر يومــــا ما من سقوطه.
 
سُمّي التعليم الابتدائي تعليما أساسيا لأنه يمثل قاعدة الهرم و نقط ارتكازه. توفر الدولة لتلامذة الثانوي أساتذة أصحاب شهائد عليا و تجهز القاعات ببعض الحواسيب و بعض السبورات البيضاء و بعض وسائل الإيضاح و تبخل بكل هذا على تلامذة الابتدائي وهم أحوج الناس لمثـــل هـــذه القـــدرات ولمثـــل هذه التجهيـــزات. فــــي أمريكـــا يطالب المعلم بشهائد أعلى من شهائــــد الأستـــاذ. إذا أهملنــــا التكويــــن في الابتدائي، فلا نستطيـــع تدارك الخطأ فـــي الثانوي لأن التصورات غير العلمية التي رسخناها في أذهان التلاميذ لا تزول بسهولة لكن إذا أكسبنا التلميذ مهارات متعددة و كفاءات متينة في الابتدائي نستطيع أن نظيف و نبني على أساسها الصلب فــــي الثانـــوي و الجامعي و إلا نكون كمن يبني عمارة على الرمال المتحركة.
 
أذكّر دائما بمثال التعليـــم فـــي كوريــــا الجنوبيـــة أين استقر الهرم التعليمي و ثبت على قاعدته العريضة فدولتهم عكس دولتنا تخصص ميزانية أكبر للتعليم الأساسي. نهضت كوريـــا الجنوبيــــة وأقلعت في ظرف عشريتين و أصبحت من الدول المتقدمـــــة بعد ما كانت تصنف كثالث أفقر دولة في العالم. حققت نجاحا بفضل استثمارها الوطني في التعليم و العبرة لمن يعتبر.
 
أريد أن أوضّح للقراء الأعــزاء أننــــي، و إن كنت ضد الارتقاء الآلي وضد توسيــــع ثقـــوب الغرابيـــل في الامتحانات، لست مع الرسوب المجاني و لا أؤيّد سياسة الانتقاء المجحفة. تابعت أخيرا برنامجا تلفزيا مهمّا، بالفرنسية طبعا، لأن كل البرامج بالعربية تقريبا تشترك فــــــي اللغــــة واللســـان الخشبييـــن. يتحدث هذا البرنامج عن المدرسة "الفنلندية" حيث لا يرسب التلاميذ ومع ذلك حققت نجاحا باهرا بفضـــــل الدعـــم و التشجيع الفعال للتلاميذ المحتاجين لذلك. أما المدرســــــــة "الفرنسية" حيث يرسب 50 في المائة من التلامذة خلال مسيرتهم الدراسية، عاما على الأقل [و العهدة على الراوي]، فهي أسوأ المدارس في أوروبا و هي في نفس الوقت قدوة و قبلة بالنسبة لنا. كنا نحن الأساتذة النقابيين نعارض سياسة الانتقــــاء التـــي طغت في تونس السبعينات و حرمت العديد من أبنائنا من مواصلة تعليمهم و اليوم نعارض النجاح الآلي الذي أراه سببــــا للعنـــف والتسيب في معاهدنا بجانب أسباب أخرى من بينها تردي القدرة الشرائية لدى المدرّس و تدنّي التمويل الحكومي فــــــي التعليــــم العمومـــي. أنا لا أملك البديل التربوي لهذه السياسة الديمقراطية في ظاهرها والفاشلة في داخلها ولا أملك أيضا البديل البشري لتعويض جمهور الأساتذة و المعلمين غير المؤهلين للقيام بواجبهم (لا أستثني شخصي طبعا رغم اجتهادي العصامي لتكوين نفسي علميا و ثقافيا). و على سبيل الذكر لا الحصر أذكّر ببعض عيوب تكويننا: لم نتلق تكوينا أكاديميا لا في علـــم نفس الطفــــل و لا فـــي علــــم التقييـــم و لا في علم التواصل و لا فــــي فلسفة المعرفة و لا في البيداغوجيا و لا في التعلمية و لا في المنهجية و لا في إدراك عملية الإدراك، فكيف تطلب منا النجاح في مهمتنا و نحن لا نفقه منها إلا الجانب المعرفي وهذا لا يكفـــي. لا يملك البنـــك العالمــــي وزمرة الخبراء والمبرمجين البديل أيضا ولن يستنبطوه وحدهم مهما استعانوا بخبراء أجانب مرتزقة مأجورين. 
 
مهما نقدت زملائي و نقدت نفســـــي لا نستطيـــع أن نستغنـــي عن الخبراء الحقيقيين، أعني المعلمين و الأساتذة وقد يتعلم الإنسان الوطني الصادق من أخطائه و يتطور نحو الأفضل.
 
أوجه ملاحظة أخيرة إلى بعض القراء الذين قــــــد يلوموننـــي على إغفال بعض الجوانب أو عدم ذكر بعض الأسباب: كل علــــــــم و كل خطاب مُختزَل ”Réduit“ بطبيعته لأنه يقوم بتحول منهجي من حقل معرفي إلى آخر أخص و أدق و أضيق و أكثر أصالة ”Réductionnisme“ فما بالك بمقال تحسيسي في صفحـــــة. لذلك أرى أن المقاربة الشاملة ”Approche systémique“ أفضل من المقاربة التحليليـــــــة ”Approche analytique“ في تناول أي مسألة مهما كانت بسيطة. تتضافر و تتكامل العلوم مجتمعة في تفسير أي ظاهرة. لذلك أطالب بتكوين شامــــــــل للمـــدرّس و لا نقتصر على المعارف فقط بدعـوى حيـــــاد العلــــــم ”Les connaissances“ والعلم لم و لن يكون يوما محايدا بل نركز أيضا على القيم ”Les valeurs“ و الممارسات الاجتماعية المرجعيـــة ”Les pratiques sociales de référence“.
 
 العلم ليس محايدا في تاريخه مثل صانعيه العلماء البشر. تهتم برامج تعليمنا في كل مراحله بالمعرفي النظري أكثر من اهتمامها بالتطبيقي لأن التكوين النظري لا يكلف الدولة كثيرا و تهمل تماما القيم الحضارية و السلوكيات الاجتماعية المدنية.