بحوث ودراسات

بقلم
مصباح الشيباني
رهانات مدرسة المستقبل ومشاكلها الرّاهنة: بحث تربوي في معيقات اندماج المتعلم في مرحلتي التعليم الإعد

 مثّّل القانون التوجيهي للتربية والتعليم المدرسي المؤرخ في 23 جويلية 2002 في تونـــس مشروعـــا تغييريـــا وتحديثيـــا مهمـا. وقد استند في مضامينه إلى عديد المبادئ والمستحدثات التربوية العالمية المرتبطة بسياق اللحظة التاريخية الجديدة، لحظة العولمة بكل رهاناتها وتحدياتها. لكن بقيت مضامين هذه النصوص التشريعية ومجالات التجديد فيها بعيدة عن الواقع التربــــوي التونســـي ولم يقع تصريفها عمليا إلى حد اليوم لأن المسألة لا تتوقف على النوايا والرغبات، بل ترتبط أساسا بمستوى الوعي الذي يمتلكه الفاعلون الاجتماعيون والقادة التربويّون بوجاهة هذه التجديدات وكذلك بمدى توفّر الإمكانيات الماديــّـة والبشريـــّـة والقـــدرات الذاتية والموضوعية التي يمكن أن تساعد على إنتاج منظومة تعليمية وتربوية جديدة تؤدي فعلا إلى إعادة بناء المؤسسات التربوية وفق المقاييس العالمية.

 وعلى الرّغم مما شهدته منظومتنا التربوية منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي من تغييرات مهمة من حيث المناهج الدراسية والمقاربات البيداغوجية، وما عرفته من تنقيحات جزئية أحيانا وشاملة أحيانا أخرى للقوانين  المنظمة لها، فإن البيئة التعليميـــة وآليات عملها مازالت على حالها باعتبارها تستند إلى منطق المزاوجة بين النصوص القانونية الحديثة من حيث المرجعيات الرسمية من جهة، وعلى آليات التأطير التقليدية تربويا وتعليميا ومهنيا من جهة ثانية. فمن خلال استقرائنا للمشهد التربوي التونسي وعبر عديد الدراسات والبحوث الميدانية وقفنا عند نتيجة أساسية وهي أن هناك تقصير في تفعيل جميع النصوص التربوية وعدم أجرأتها عمليا لذلك ظلت هذه الترسانة من النصوص القانونية والتقارير التربوية حبيسة الورق الذي كتبت عليه والعقول التي آمنت بها. كما ركّزت السّياسات التربوية التونسية منذ الاستقلال اهتمامها على التّطوّر الكمّي وعلى استيعاب عدد من التّلاميذ الذين هم في سنّ الدّراسة كأولى الأولويّات، ومازال الخطاب الرّسمي إلى حدّ اللّحظة، يمجّد انجازاته الكمّية ويركّز على بعض المؤشّرات الإحصائيّة، ولا يأخذ في اعتباره الأبعاد الكيفيّة أو النّوعيّة في النّهوض بالتربية. 
  لهذا يطرح التساؤل اليوم حول مدى نجاعة هذه المرجعيات القانونية وأطرها المؤسساتية في تحقيق أهداف الإصلاح التربوي في المستقبل أي إلى أي مدى يمكن الاستئناس بها واعتمادها  منطلقا للنهوض بالمرفق العمومي للتربية في تونس؟
 
المبحث الأول: مدرسة الغد وتحديات الجودة
 
يتنزّل هذا الاهتمام بمقاربة جودة التربية ضمن البحث العالمي في مسألة التّكلفة لهذا الحقل. فقد ظهر منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي  مجال جديد يدعى "اقتصاديات الجودة" الذي يحاول من ضمن اهتماماته أن يبيّن تأثيرات الجودة التّربوية بالمال والجهد والوقت. فقد كشف عديد الباحثين أنّ مجرّد توسيع التّعليم وانتشاره لا يضمن عوائده، وإنّما تتوقّف العوائد كمًّا وكيفا على مدى دقة تخطيط التّعليم وحسن إدارته.
  لهذا يتطلّب تأهيل المؤسّسات التّربويّة القيام أولا بتأهيل مواردها البشريّة من حيث التّكوين واستيعاب التكنولوجيا وطرق العمل الحديثة قصد تحسين قدرة المؤسّسة التّربوية على الرّفع من مردودها التربوي والتعليمي.
لكن انتقال مفهوم الجودة من عالم الاقتصاد إلى عالم التّربية يفرض علينا الانتباه إلى المسائل التّالية:
◄ عندما ينتقل هذا المفهوم إلى مجال التّربية، فإنّه يصبح مفهوما معقّدا، متعدّد الأبعاد ونسبيّا ومتغيّرا،
◄ لكي نسيطر على هذا المفهوم في مجال التّربية والتّعليم ونوظّفه لفائدة تطوّر مؤسّساته، لا بدّ من ترجمته إلى مؤشّرات مدرسيّة قابلة للملاحظة والقياس. 
◄ هل إنّ قضيّة الجودة في المدرسة (كما في الاقتصاد) هي قضيّة تقنيّة (السّيطرة على التّكنولوجيا) وكمّية( زيادة الإنتاج وتحسين النّتائج..). أم هي قضيّة كيفيّة تتمثّل بالأساس في تغيير عقليات العاملين بالمؤسّسة؟،
◄ إنّ متابعة مفهوم الجودة في المدارس والمعاهد، يقتضي دراسة الوضع التّربوي التّعليمي بهذه المؤسّسات، ووضع الخطط والبرامج (السياسات) التّطويرية الشّاملة للاستجابة إلى مختلف متطلّبات مواصفات الجودة. ولن يتمّ ذلك إلاّ وفق إعداد "دليل" (guide) للجودة المستهدفة في هذا الحقل. 
 
(1) نظام التّقييم المدرسي
 
من خلال استقرائنا للواقع التعليمي والقيام بجرد تاريخي لمختلف محطّات الإصلاح التّربوي في بلادنا، تبين لنا أن اهتمام الدولة تركّز في السابق على المقاربة الكمية لتقييم نجاحات المنظومة التربوية وإخفاقاتها وأهمل جوانب أساسيّة أخرى فاعلة ومؤطّرة للمشهد التّربوي من أهمّها الإدارة المدرسية ونوعيّة كفاياتها التّنظيميّة والإنسانيّة. وكان النّموذج المتبع لتقييم مؤشّرات ومضامين جودة الفعل التّربوي هو النّموذج "الفنّي" الذي طغىت عليه لغة الأرقام والإحصائيّات واستمارات الرّصد كوسائل لإحداث التّغييرات المستهدفة، والتّأكّد من مدى تطبيق أهداف الخطط الإصلاحيّة في واقعنا التّربوي منذ الاستقلال. أمّا النّموذج المغيّب تماما فهو النّموذج الإنساني والثّقافي (الكيفي) الذي يتمّ متابعته من خلال التّفاعل مع المحيط المحلّي والوطني ويتمّ رصد تجليّاته الحقيقيّة من خلال دراسة الوقائع الميدانيّة. كل هذه الإشكاليات وغيرها تجعلنا أمام مأزق مفهومي لا يمكن الخروج منه لمقاربة مفهوم الجودة ومجالاتها أو مؤشراتها في الحقل التربوي.
   إنّ التّطوّر الكمّي لعدد التّلاميذ في تونس لم ترافقه سياسة تربويّة نوعيّة في مستوى تطوير الوسائل والمؤسّسات التّربويّة، وفي مستوى التّأطير والإحاطة التّربوية والاجتماعيّة والبيداغوجيّة. فيمكن أن تكون شعارات المساواة وديمقراطيّة التّعليم سببا مباشرا في تراجع مستوى التّعليم، لأنّ الإفراط في طلب المساواة وتجاوز النّخبويّة، ثمنه تدنّي التّعليم"(1).
كما إنّ توسيع التّعليم وفتح باب الالتحاق بالمدرسة للفتاة ولأبناء الفئات الضّعيفة، لا يعني أن جميع المتعلّمين توفّرت لهم حظوظ متكافئة في التمتّع بهذا الحقّ، لأنّ الاعتراف بالحقّ في التّعليم لا يعني توفّر جميع شروط ممارسة هذا الحق في الواقع. إنّ تبنّي مبدأ "تكافؤ الفرص التّعليميّة" يقتضي فتح المدرسة أمام الجميع وتمكينهم من نفس المعارف وفي نفس الظّروف المادّية والمعنويّة، أي الالتزام بمبدأ "الاستحقاقيّة" حتى يكون النّجاح مرتبطا بقدرات المتعلّم وانعكاسا حقيقيّا لكفاياته التّعليميّة وقدراته الشّخصيّة. 
 على الرّغم من أهمّية هذه المؤشّرات الإحصائية والكمّية الرّسمية وما ترمز إليه من دلالة على ارتقاء تونس في أدائها التّعليمي الكمّي، وتحسّن في نتائج التّلاميذ في مختلف مستوياتهم التّعليمية وفئاتهم الاجتماعيّة، فإنّ مواطن الضّعف فيها مازالت قائمة وتمثّل مشاكل حقيقيّة وحجر عثرة أمام تحقيق الجودة في التربية والتعليم. إذ أنّ ارتفاع نسبة التّمدرس في مختلف المراحل التّعليمية، لا يحجب عنّا استمرارية ظاهرة الانقطاع المدرسي، سواء كان بشكل إرادي من قبل المتعلّم نفسه أو لأسباب قاهرة أحيانا مثل الرّفت لأسباب مختلفة. كما إنّ هذه المؤشّرات أو النّسب والمعطيات لا تمثّل حقيقة المشهد التّربوي التّونسي الذي تخترقه عديد التّناقضات والتّفاوتات. إذ يتميز المشهد التربوي بالتفاوت بين الجهات والمؤسّسات وبين الأقسام في مستوى توزيع عدد التّلاميذ سواء في التّعليم الابتدائي أو الثّانوي.
وطالما بقيت عناصر التّقييم التّربوية أحاديّة الاتّجاه تركّز على بعض المؤشّرات الكمّية ولا تهتمّ بمواطن الضّعف والإختلالات النّوعية فإنه لا يمكن لأيّ مشروع إصلاحي جديد أن يفعّل أو يحقّق النّتائج الحقيقيّة في التّغيير التّربوي والتّعليمي. فالنّوعيّة صفة دائمة التّجديد والتحوّل والتّطوّر، تقتضي إرادة صادقة من القائمين على الشّأن التّربوي وبمشاركة مختلف الأطراف من داخل المدرسة ومن خارجها في عمليّة مركّبة بدءا من نوعيّة البرامج والأهداف التّعليمية، ونوعية الطرائق والمنهجيات، ونوعية التّسيير والتنظيم وكذلك نوعية التكوين والتقييم. 
تكمن المعضلة في تعريف المؤسّسة التّربوية، وتحديد المجال (البعد) الذي تسكنه الجودة، وتحديد ماهية المنتج النّهائي لتلك المؤسّسة وطبيعته. فانطلاق مدرسة الغد من شعار أساسه حلّ للمفارقة بين الكمّ والجودة "..إنّ مدرسة الغد تطرح على نفسها هدفا جديدا يتمثّل في الارتقاء من حقّ التعلّم للجميع إلى حقّ النّجاح لأكبر عدد من روّادها (3)
 فكيف يمكن للمؤسّسة التّربوية التّونسية أن تواصل عملها في إطار المفاهيم والقواعد المعمول بها حاليّا وهي مطالبة بتغيير أطرها المرجعيّة وغاياتها ووسائلها في ضوء التّغييرات الرّاهنة وتكون في خدمة الجودة والتّميّز؟
  تكتسي جودة المؤسّسة التّربوية في مستوى التّقييم التّعليمي، أهمّية في المنظومة الإصلاحية الجديدة، سواء في مستوى نظام الامتحانات العادية أو الوطنيّة. إذ أنّ طرق تنظيم إجراء مختلف الاختبارات تؤثّر في جودة الفعل التّربوي ككلّ وعلى نوعيّة المتخرّجين من المدرسة التّونسية بشكل خاص. 
وحتى تكون عمليّة التّقييم التّربوي والتّعليمي سليمة ينبغي أن نحدّد ما نريد تقييمه حتى نستطيع بعد ذلك أن نضبط الأهداف والطّرق التي يتمّ من خلالها تشخيص مواطن الضّعف والخلل في المنظومة التّربويّة، وتحدّد من خلالها أيضا طرق العلاج المناسبة.
 
(أ) الجوانب التّنظيميّة للتّوزيعات البيداغوجية:
 
نعني بالجوانب التّنظيميّة والإداريّة عمليّة الإعداد لهذه الاختبارات وتنظيمها إداريّا، تسييرا ومراقبة. إذ تمثّل هذه العمليّة من المسائل المعقّدة وتعترضها بعض الصّعوبات والضّغوطات (الدّاخليّة والخارجيّة) التي تؤثّر في مستوى جودة تنظيمها وتنفيذها وفق المعايير البيداغوجيّة والإداريّة النّاجعة. ويعتمد نظامنا التّربوي على نظام الأسابيع المغلقة لإجراء الامتحانات الجزئيّة أو الدّورية ضمن كلّ ثلاثيّة. ويشمل هذا الإجراء مختلف المستويات التّعليمية (أساسي، إعدادي، ثانوي)، إلاّ أنّ إتّباع هذا النّظام أدّى إلى انتشار عدّة ظواهر سلبيّة شملت مختلف الجوانب المعرفية والسّلوكيّة ومستوى التّحصيل الدّراسي.
ـ في مستوى إعداد روزنامة الامتحانات:
تطرح هذه العمليّة التّنظيميّة، إشكاليّات كبيرة على مستوى تجسيد الضّوابط والمقاييس التّربوية. وأهمّ إشكال ناتج عن عدم وجود ضوابط محدّدة ومتّفق عليها في عمليّة إعداد هذه الروزنامة، خاصّة بالنّسبة إلى المستويات التعليمية دون الباكالوريا. وعدم وجود مقاييس موحّدة تنتج عنه عدّة توتّرات في المؤسّسة خاصة بين الإدارة والمدرّسين. مثال في ما يتعلّق بتوزيع ساعات المراقبة على هؤلاء المدرّسين لا يتسم بالشّفافيّة والوضوح اللاّزمين. فكلّ مؤسّسة تعتمد طريقة خاصّة وفق معطياتها الخاصّة بها. وهذه الحالة القائمة لها تأثير سلبي في المناخ العام للمؤسسة والذي تتم فيه الامتحانات وكذلك في مستوى العلاقات بين مختلف الفاعلين من إداريين ومدرّسين وتلاميذ.
ـ في مستوى توزيع المواد التّعليمية:
وهي مسألة على غاية من الأهمّية نظرا لتأثيرها في المناخ داخل المدرسة وعلى نظام الامتحانات بالمؤسّسة. إذ أنّ هناك صراع خفيّ ومسكوت عنه حول كيفيّة توزيع اختبارات المواد خلال الأسبوع المغلق. فكلّ مجموعة أساتذة لمادّة تعليميّة معيّنة، يريدون أن تجرى اختبار مادّتهم في الأيّام الأولى من هذا الأسبوع. وهذا الصّراع بين المدرّسين يجعل الإدارة في موقف صعب لا يمكنها في بعض الأحيان أن تجد حلاّ توفيقيّا بين مختلف المواد. 
كلّ هذه العناصر وغيرها، تؤكّد عدم نجاعة نظام الامتحانات في مؤسّساتنا التّربوية سواء في مستوى غياب المقاييس الدّقيقة والإجراءات التي تنظّم هذه المسألة، أو في مستوى مردود المؤسّسة التّربوي التّعليمي الذي يشهد تراجعا معرفيّا وسلوكيّا لافتا. 
 
(ب) نظام الامتحانات وسؤال الجودة
 
كيف يمكن أجرأة التجديد البيداغوجي في ميدان التقييم الجزائي؟ وكيف يمكن أن يكون تقييم مكتسبات المتعلمين من حيث هو تصور وإحدى آليات تطبيق التوجهات الجديدة للمدرسة التونسية التي تنزع إلى الانتقال بمسألة التعلم من مجموعة معارف إلى سلسلة من الكفايات؟
 يتفق أغلب الدارسين لواقع التعليم في بلادنا أن مجال التقييم بقسميه التكويني والجزائي لم يشهد أي تحول أو نقلة نوعية التي تحرّره من المعوّقات وتدفع به إلى ضمان التغيير الحقيقي المنشود وذلك لعديد الأسباب أهمها:
1ـ لم توفر مدارسنا إلى اليوم للمدرسين أية وثيقة رسمية تفصل له فيها أشكال التقييم وأبعاده المختلفة وأوجه الاستفادة منها في تجويد ممارساته البيداغوجية،
2ـ لا تتعدى وظيفة المناشير المتعلقة بالمراقبة المستمرة التي تصدر عن وزارة التربية منذ سنة 1973 حدود ضبط مواعيد الاختبارات ومدة كل واحد منها وظروف انجازه ومواقيت إصلاحه،
3ـ مازالت العملية التعليمية في مؤسساتنا تركز على التقييم التحصيلي والجزائي على حساب التقييم التكويني، وظل الهاجس المركزي للتقييم هو إسناد الأعداد من أجل احتسابها في المعدلات وتحديد مصير المتعلم سواء بالارتقاء أو بالرسوب. والارتقاء بجودة التّربية والتّعليم وفق الخطاب الرّسمي لوزارة التّربية لا يمكن أن يكون إلاّ من خلال مؤشّر واحد وهو الرّفع من نسب النّجاح (4) وإهمال الجوانب المعرفيّة والمكتسبات (الكفايات) الحقيقيّة الحاصلة لدى المتعلّم في نهاية كلّ مرحلة دراسيّة. 
 لهذا بقيت عملية التقييم تعتريها عديد المشاكل ولعل من أهمها انتشار ظاهرة الغشّ في الامتحانات بشكل لافت ومؤثّر على نزاهة عمليّة التّقييم المدرسي. فهذه الظاهرة أدّت إلى تراجع مكتسبات المتعلّم المعرفيّة والسّلوكية. وترسّخت لدى أغلب المتعلّمين ثقافة المصلحة وثقافة "الارتقاء" بشتّى الطّرق وذلك نتيجة عوامل مختلفة  من أهمّها:
 
◄ تراجع فاعليّة آليّات المراقبة والتّقييم لهذه الامتحانات، باعتبار أنّ فترة القيام بهذه الامتحانات يمثّل لدى البعض (الأساتذة والإدارة) أهمّ مرحلة تشهد فيها المؤسّسة توتّرات وصراعات بين المدرّسين والتّلاميذ، وكذلك بين الإدارة والأولياء،
◄ انتشار ظاهرة التّواكل واللاّمبالاة في صفوف المتعلّمين، وغياب الجدّية في متابعة الدّروس اليوميّة، خاصّة بالنّسبة إلى الميسورين مادّيا. إذ يمكنهم تعويض حصص الغياب بالدّروس الخصوصيّة، سواء من قبل مدرّسيهم الرّسميّين أو مدرّسين آخرين،
◄أصبح كلّ من المدرّس والمتعلّم يعيش حالة ضغط وتوتّر كبيرين أثناء إجراء الامتحانات وأثناء إصلاحها (خلال أسبوع الإصلاح). وهو ما يؤدّي أحيانا إلى استعمال العنف بمختلف أشكاله (المادّية وغير المادّية) من قبل التّلاميذ ضدّ المدرّسين.
 
 إنّ نظام الامتحانات الحالي مرهق للمدرّس والتّلميذ معا ويتجلّى ذلك خاصّة في مستوى:
1- كثرة الاختبارات في كلّ ثلاثيّة وكثافتها،
2- عدم اعتناء المتعلّم لمدّة ثلاثة أسابيع كلّ ثلاثيّة ببعض المواد على حساب أخرى،
3- إثقال كاهل المدرّس بما تتطلّبه الامتحانات من إعداد لنصوص الاختبارات والمراقبة وما تقتضيه من إصلاح وتنزيل للأعداد خلال فترة قصيرة جدّا.
وبالتالي تحوّلت الامتحانات المدرسيّة إلى مناظرات وبدأت تتشكل معها ثقافة مدرسيّة جديدة بالنّسبة إلى التّلاميذ والأولياء معا. فقد أصبح الهدف الأوّل والأخير للتّعليم في نظر المعلم والمتعلم هو الحصول على أفضل النّتائج وضمان الارتقاء من مرحلة إلى أخرى دون الاهتمام بالجوانب المعرفيّة والقيميّة من العملية التّعليميّة. ومن نتائج هذه الثّقافة الجديدة هي انتشار ظاهرة الدّروس الخصوصيّة لبعض المواد الدّراسيّة ذات الضّوارب المرتفعة، خاصّة بالنّسبة إلى تلاميذ الأقسام النّهائية مثل التّاسعة أساسي والرّابعة ثانوي فأصبح هؤلاء المتعلّمون مهتمين بالدّروس الخصوصيّة أكثر من اهتمامهم بالحضور والمواظبة بالمؤسّسة.
 ولمّا كانت آثار هذه الظّاهرة على المستوى الأخلاقي والسّلوكي متأكّدة، فقد أصبحت تداعياتها على نسق الفعل التربوي والتعليمي ومخرجاته أكثر وضوحا وخطورة. إذ أدّت إلى احتقار المعرفة وحاملها وإلى تقديس الانتهازيّة والنّفعيّة في صفوف المتعلّمين وبعض المدرّسين. 
 
2ـ  في المجال البيداغوجي
 
عرف المجال البيداغوجي خلال النصف الأخير من القرن العشرين عديد الأبحاث والمقاربات البيداغوجيّة من أجل الرّفع من فاعليته التّربوية والتّعليمية. إذ تسعى سلطة الإشراف التّربوية في المجال البيداغوجي إلى ضبط مجموعة من المعايير والتصوّرات والسلوكيات للإرتقاء بالمستوى التّعليمي المدرسي، وحتى تتوافق مع أهداف الإصلاح التّربوي عموما. 
 
(أ) الموازنات: الضوابط والمقاييس
 
تخضع عمليّة ضبط الموازنات إلى مقتضيات تربويّة وتراتيب إدارية تضمنتها مختلف النّصوص القانونية ذات العلاقة. وتقوم هذه الموازنات على أساس مبدأ التّوفيق بين رغبات المدرّسين والمصلحة البيداغوجية للمتعلّمين، وما تسمح به الإمكانيات البشرية والمادية المتوفرة بالمؤسّسة التربوية. 
وتقتضي هذه العملية جملة من الضّوابط أهمّها:
ضرورة التّأكّد من عدد السّاعات المقرّرة لكلّ مادة بالنّسبة إلى كلّ قسم ومستوى، وتحيين المعطيات بالنّسبة إلى التّوقيت للأستاذ وللتّلميذ،
توزيع الحصص على كامل أيّام الأسبوع ولا يجوز مراعاة رغبة الأستاذ على حساب التّلميذ،
تجنّب أن تكون تدريس المواد الرّئيسيّة في حصص متتالية،
اجتناب السّاعات الجوفاء والمنعزلة في جداول التّلاميذ، وخاصّة في المؤسّسات التي تنعدم فيها قاعات المراجعة. 
 
 (ب) أزمة التّوزيع البيداغوجي  
 
   إنّ توزيع المستويات التّعليميّة على المدرّسين مسؤوليّة كبيرة ومرحلة دقيقة وحسّاسة وصعبة في العمليّة التّعليميّة والتّربويّة. وعلى الرّغم من وجود التّراتيب والمناشير الوزاريّة التي تحدّد ضوابط التّوزيع البيداغوجي ومقاييسه، فإنّ "الحالة التّعليمية" في مؤسساتنا التربوية الإعداديّة والثانوية مازالت تتميّز بعدّة اختلالات في مستوى تنظيم هذه الموازنات. وهو ما نلاحظه أوّلا في غياب أيّ توازن في مسألة التّقسيم الحالي للسّنة الدّراسيّة، وخاصّة بالنّسبة إلى المرحلة الثّانية من التّعليم الأساسي والتّعليم الثّانوي. إذ تعتمد مؤسّساتنا التّربويّة نظام الثّلاثيات لكن ليس هناك توازن بينها حيث يعُدّ الثّلاثي الأوّل 74 يوما، في حين لا يتجاوز الثّلاثي الثّالث 50 يوما ويصل االفرق بينهما إلى 24 يوما أي بنسبة 13,4% مثلما يبينه الرّسم التّالي: 
لقد نظمت وزارة التّربية "الاستشارة الوطنيّة حول الزّمن المدرسي" سنة2001 في غياب مشاركة فعليّة للأطراف التّربويّة من منظّمات وأحزاب وجمعيّات ومربّين وتلاميذ وأولياء، لذلك تضمنت هذه الوثيقة مثل غيرها من الوثائق والبرامج مقترحات الوزارة دون موافقة بقية الأطراف المتدخلة في الحقل التربوي واعتمدت فيها على مقارنة وضع المدرسة التّونسية بنظيراتها الأوروبيّة، وكأن من خلال هذه المقارنة تتولّد الحلول. لذلك فمشروع الزّمن المدرسي لم يستند إلى الظّروف التعليمية الوطنيّة الخاصّة، وبالتّالي لم يستطع  حلّ المشاكل الحقيقيّة للمدرسة التّونسية باعتباره مشروع قائم على التّعجّل والتسرّع والارتجال. فنتائج الاستشارة الوطنيّة حول الزّمن المدرسي لم تقدّم حلولا واضحة فبقيت هذه المسألة خاضعة إلى اجتهادات المسيّرين وتختلف باختلاف البيئات المدرسية والاجتماعية.
 فهناك حالة من التعارض والتناقض أحيانا بين بعض اللّوائح والمناشير المنظمة لحصص العمل بالمؤسّسات التربوية. فمنها ما يدعو إلى ضرورة اعتماد أنظمة تراعى فيها مصالح مختلف الأطراف المدرسيّة، ومنها ما يدعو إلى منح مدير المؤسّسة التّربوية حرّيّة في إتباع نظام زمني دراسي يتوافق مع طبيعة المنطقة ومحيطها المجتمعي، وذلك وفق المقاربة الإداريّة الجديدة التي تستند إلى مبادئ اللّيونة والتّكيّف...إلخ. 
وقد أدى اعتماد هذه المقاربة "المرنة" في مسألة التّوزيعات البيداغوجية في كثير من الوضعيّات إلى الإخلال بمبدأ التّوفيق بين مصالح مختلف الأطراف بالمدرسة، وخاصّة بين التّلميذ والأستاذ. وهي من أكثر المسائل المسبّبة لعدم التّوافق بين المدرّسين والإدارة. وهذه العمليّة تقتضي تكييف النّظام الإداري مع المطالب الحقيقيّة لمختلف الفاعلين الاجتماعيّين، وتشريكهم في اتّخاذ القرارات المدرسيّة. وكذلك تشريكهم في عمليّة الضّبط والرّقابة لكلّ ما يحدث في مجال العمل من أنشطة إدارية وبيداغوجية.
  فمن أهمّ التّوصيات البيداغوجية التي أكّدت عليها مختلف المناشير هي تجنّب ظاهرة "السّاعات الجوفاء" بالنّسبة إلى التّلميذ والأستاذ معا. هذه الظّاهرة مازالت قائمة وبشكل واضح سواء بالنّسبة إلى جداول أوقات المدرّسين أو المتعلّمين. فهناك بعض المؤسّسات التي تعتمد توزيعية بيداغوجية صوريّة يتم إرسالها إلى المندوبيّة الجهويّة للتّعليم في مفتتح السّنة الدّراسيّة، ثم بعد ذلك تحدث ما تريده من تغييرات على هذه التّوزيعيّة ولا يتمّ الإعلام عنها لأنّها لا تتوافق مع المعايير والضّوابط القانونيّة. وقد وجدنا هذه الحالات بكثرة في بعض المناطق "الشّعبيّة" والمناطق الدّاخليّة من البلاد. فإذا كانت المؤسّسة تنتمي إلى منطقة شعبيّة أو ريفيّة فإنّ السّاعات "الجوفاء" تكون من نصيب جداول أوقات التّلاميذ أكثر من المدرّسين. أمّا إذا كانت هذه المؤسّسة في منطقة حضرية وروّادها من أبناء الطّبقات الغنيّة والمتنفّذة في المجتمع، فإنّ النّصيب الأكبر من هذه السّاعات الجوفاء يكون من نصيب المدرّسين.
 
(ت) غياب مبدأ الإنصاف
 
يقتضي مبدأ "تكافؤ الفرص التّعليمية" فتح المدرسة أمام الجميع وتمكينهم من نفس المعارف والمهارات ومن نفس فرص التّعليم والنّجاح، وذلك وفق خطّط إستراتيجية متكاملة للرّؤية التّربويّة في مختلف المناحي المنهجيّة وأساليب التّدريس والكتب والبنية التّحتيّة...الخ.
 إنّ غياب مبدأ "الإنصاف" في المدرسة في مختلف مستوياته يمثّل إحدى الإفرازات السّلبيّة للنّظام الإداري "اللاّمركزيّ" الذي عمّق التّفاوت بين المناطق والجهات وبين المدارس. فالاعتراف الرّسمي بتعدّد الوضعيّات التّعليمية، مثّل في نظر البعض آليّة من آليات شرعنة هذه التّفاوتات وأدّى إلى استدامتها. أما على مستوى النّتائج النّهائية فيطالب جميع رؤساء المؤسّسات التربوية بأن يحقّقوا نتائج مدرسية متساوية أو متقاربة. بل تُقيّم كفاياتهم الإدارية وفق هذه النّتائج. 
ـ  في مستوى توزيع الفصول على المدرّسين:
جرت "العادة" أن ترسل إدارة كلّ مؤسّسة تربويّة قبل افتتاح السّنة الدّراسيّة، مقترحاتها حول التّوزيع البيداغوجي لمختلف المواد التعليمية إلى الإدارة الجهويّة للتربية حتّى يوافق عليها إطار التفقّد البيداغوجي بتلك الجهة. وأهمّ معيار يتمّ الاستناد إليه في هذه التّوزيعيّة هو خبرة المدرّسين والأقدميّة في التّدريس والشّهائد العلميّة..الخ وهي معايير ذات بعد موضوعي ويعتمد الشّفافية والوضوح.
  لكن في الممارسة العمليّة أصبحت هذه المسألة غير واضحة ولا يتمّ فيها تشريك أو أخذ رأي المدرّسين حولها. فمدير المؤسّسة له معاييره ومقاييسه الخاصّة، بل هناك من المديرين من لا يلتزم برأي متفقّد المادّة في الموضوع. وهذه العمليّة أدّت إلى حدوث مشاكل بين المدرّسين الآخرين الذين تمّ إقصاؤهم من تدريس تلاميذ الباكالوريا وبين مدير المؤسّسة. فهذه الحالات والمواقف التّربوية، تؤكّد أنّ بعض مديري المؤسّسات التّربوية لايهتمّون بتحقيق مصلحة التّلاميذ ومصالح مختلف العاملين معهم بقدر اهتمامهم بتحقيق مصالحهم الشّخصيّة.
 ـ في مستوى حجم الفصول الدّراسيّة:
إنّ عمليّة بناء الفصول الدّراسيّة يتحدّد وفق معيار ضمان التّوازن بينها من حيث"الحجم" و"النّوعيّة". فمن خلال الكثافة البشريّة، لا بدّ من توزيع المتعلّمين بشكل متساو بين مختلف الفصول. وقد ضبطت الوزارة خاصّة بالنّسبة إلى بعض المستويات مثل "التّاسعة أساسي" والرّابعة ثانوي" عددا لا يمكن تجاوزه. أمّا في ما يتعلّق بنوعيّة التّلاميذ فهي مسألة هامّة باعتبارها تستهدف التّقريب بين مختلف الفصول من حيث مستوياتها العلميّة والأخلاقيّة، ومن ثمّ ضمان التّقارب بينها من حيث ظروف التّدريس ومن حيث مستوى النّتائج. 
 فحالة التّمييز بين التلاميذ وبين المدرسين استشرت في مؤسّساتنا التّربويّة سواء كان هذا التّمييز يتمّ بشكل مباشر أو غير مباشر. فإذا كان الصّنف الأوّل ينشأ من خلال اعتماد رئيس المؤسّسة ممارسات الاستبعاد لبعض الأفراد ويمنح للبعض الآخر "الفضلية" في الشّغل وفق معايير شخصيّة. فإنّ الصّنف الثّاني يتمّ من خلال الآثار غير المتناسبة التي تتركها المعايير والممارسات على العلاقات بين مجموعة من الأفراد الذين ينتمون إلى نفس السّلك الوظيفي في المؤسّسة، وما يتّصل به من آثار للمحسوبيّة والاستبعاد المهني والاجتماعي والإحساس بمشاعر الخيبة والحرمان والانطواء لدى المدرسين والمتعلمين وتراجع قوّة الحافزيّة للعمل والتعلم وعدم الاندماج في المؤسّسة. 
إنّ البديل المدرسي الذي يقترحه الإصلاح التّربوي الجديد، وإن لامس بعض المشكلات التي يواجهها التّلميذ والمدرّس وكافّة أعضاء المؤسّسة، إلاّ إنّ الحلول العمليّة كانت غير ملائمة للحالة التّربوية والتّعليميّة التي تعيشها مدارسنا ومعاهدنا في تونس. مازالت المؤسّسة عاجزة عن التّكيّف مع التّحوّلات الكبرى التي يمرّ بها المجتمع، وما تتطلّبه من تطوير في أنماط التّسيير والتّعامل مع العاملين. كما بقيت العقليّات والبرامج "الإداريّة" لا تعطي أهمّية للاعتبارات الإنسانيّة وتقف حجر عثرة أمام التّطوّر التّنظيمي للمؤسّسة التّربويّة مثلما عبّر عن ذلك مختلف الفاعلين الاجتماعيين .
  ففي ظلّ البيئة الثقافيّة التّشاركية يمكن للفاعلين التّربويين والمهتمّين بالشّأن التّربوي أن يكتسبوا الاتّجاهات والقيم الجديدة المحفّزة لعمليّات التّطوير، ومن ثمّ الانخراط الجماعي والطّوعي في تحقيق أهداف مشروع المؤسّسة. كما إنّ هذه الثّقافة التّشاركيّة تتطلّب من ناحية أخرى، إعادة النّظر في الممارسات والترسّبات الماضية سواء في مستوى العلاقات الإنسانيّة أو في مستوى النّظم الرّقابيّة والقياديّة، أو في مستوى منظومات التّحفيز حتى نضمن التحوّل من مستوى الخطاب إلى مستوى تمثّل العلاقة بين مختلف هذه العناصر المكوّنة للثّقافة التّشاركية في مختلف مؤسّساتنا التّربويّة في المستقبل.
لهذا، نعتقد أنّه يجب إعادة مراجعة معايير التّقييم الكمّية المعتمدة، واعتماد مقاربة جديدة شاملة من حيث أبعادها الأفقيّة والعموديّة للإصلاح التّربوي. وكذلك من حيث القيم والعلاقات والتّواصل بين الفاعلين، وضرورة متابعة تنفيذ أيّ مشروع إصلاحي عبر الهياكل والمجالس الحقيقيّة حتى تتحوّل المؤسّسة التّربوية إلى قطب تنموي حقيقي من خلال المأسسة والتّنظيم والتّقييم
 
3ـ أهمية الوسائل التكنولوجية في عملية التعلم  
 
  لم يعد من الممكن للمدرسة أن تشتغل بنفس طريقة اشتغالها في بداية القرن العشرين. لذلك بات من الضّروري استنباط مبادئ وأساليب جديدة، وأنماط فعل حديثة، دون أن يعني ذلك إقصاء كلّي للأشكال القديمة القابلة للاستعمال. فتحسن التّعليم لا يمكن أن يتمّ بمعزل عن تحسين الإدارة وتجويدها، وتحديث وسائلها وآليّاتها، باعتبار أنّ الحقل التّربوي- التّعليمي مرتبط بشكل واضح بأشكال التّسيير الإداري والأنماط التّنظيميّة المتّبعة بالمؤسّسة التّربويّة.  
 يمكن الانطلاق من التساؤل البسيط التالي: كيف يمكن الاستفادة من التكنولوجيا في مجال تحسين أداء المدرسة واندماج المتعلمين في العملية التعليمية داخل الفصول وخارجها؟
 وكيف يمكن يمكن أن نحوّل الوسائل التكنولولوجية إلى آليات للتنشيط على أساليب التفكير والتنظيم والبحث التربوي التعليمي في تونس؟
 لقد بينت عديد الدراسات الأمريكية والغربية أن أغلب المتعلمين في الإعدادي والثانوي يظهرون، وبشكل تلقائي، اهتماما كبيرا لأغلب الأنشطة التعلمية التي تعتمد التكنولوجيا الحديثة، ويحصل العكس عند استعمال المقاربات التقليدية. ففي تقرير نشره "مكتب تقويم التكنولوجيا" (office of technology Assessment)سنة 1995، ثم التأكيد فيه على أهمية التحفيز التي يحدثها استعمال التكنولوجيا وسط التلاميذ من مختلف الأعمار. ومن أبرز العوامل المحفزة للتلاميذ هي المحيط والوسائل التكنولوجية والمضمون الذي تقدمه بشكل يثير اندماج التلاميذ مباشرة في العملية التعليمية ومن المشاركة في بناء المعرفة بشكل فاعل.
فالمعلومات عبر هذه التكنولوجيا ونظام الاتصال يسهلان العمل التفاعلي والعمل في إطار المجموعات يساهمان في تغيير المناخ الداخلي للفصل ويحفزان المتعلمين على المشاركة في بناء المعرفة ويصبح المدرس يقوم بدور المرشد والوسيط والمرجع في بناء عمليات التعلم التي أصبحت تتقوى بوجود هذه التقنيات الحديثة.
 
أـ  البنية التحتية للتجديد البيداغوجي: الفضاءات والتجهيزات
 
إن تحقيق الأهداف التّربوية والتّعليمية والتأهيلية يتطلب ضرورة مراجعة الطرق البيداغوجية بالابتعاد عن المناهج التلقينية وتعويضها بالمناهج التنشيطية التي يكون فيها المتعلم محور العملية التّربوية. وهذه المقاربات البيداغوجية الجديدة (بيداغوجيا المشروع، التعلمات الاختيارية، المقاربة بالكفايات) تتطلب بدورها توفير فضاءات وتجهيزات وبنية تحتية مدرسية خاصّة ومتطورة، وهي مازالت غير متوفرة في مدارسنا إلى الآن. إن هذا الجانب المادي وهو الأساسي لتطبيق هذه المقاربات البيداغوجية قد سكتت عنه "الخطة التنفيذية حول مدرسة الغد" وكل المشاريع التّربوية الأخرى.
فالطرق البيداغوجية النشيطة، باعتبارها إحدى آليات تجويد نوعية التعلم وطرق التقييم لا يستقيم إقرارها في حالة اكتظاظ الأقسام وفي غياب الفضاءات المدرسيّة الملائمة لها (أقسام ومخابر وقاعات خاصّة..). 
 
ب ـ وسائل التّدريس والتّقنيّات الحديثة
 
 تعدّ وزارة التّربية، في مفتتح كلّ سنة دراسية، قائمة رسميّة في الكتب المدرسيّة والوسائل التّعليمية المرخّص باستعمالها بالمؤسّسات التّربوية. لكن في السّنوات الأخيرة بدأت تظهر بعض الإشكاليات حول مدى تعميم بعض الأجهزة المدرسيّة على جميع المؤسّسات، ومدى فاعليّة بعض الوسائل البيداغوجيّة الحديثة وانتشارها لدى مختلف المتعلّمين والمدرّسين.
  لئن بقي الكتاب المدرسي أهمّ وسيلة تعليميّة في مدارسنا، فإنّ انتشار الإعلامية وتكنولوجيا المعلومات مثّل تحدّيا حقيقيا لضمان نجاعتها في عمليّة التّعليم والتّعلّم من قبل التّلميذ. تشكّل تكنولوجيا المعلومات والاتّصال خيارا استراتيجيا في مشروع مدرسة الغد، وإحدى أهمّ ركائزها. ذلك أنّ التّحكّم في هذه التّكنولوجيا يعتبر من أبرز سبل تأهيل النّاشئة لمواجهة تحدّيات المستقبل (6) كما تمثّل هذه الوسائل الحديثة في نظر سلطة الإشراف أداة رئيسيّة للنّهوض بالتّعليم وتحقيق الجودة الشّاملة، وذلك من خلال:
◄ التّقليل من زمن التّعلّم وتنمية مهارات التّلميذ في حلّ المشكلات وتنفيذ بعض التّجارب العلميّة،
◄ توظيف هذه التّكنولوجيا يساهم في زيادة المشاركة الايجابيّة للتّلاميذ ورفع مستوى أدائهم التّعليمي،
أهمّية استخدام هذه التّقنيات والوسائل في تقديم المواد التّعليمية للمتعلّم بصيغ جديدة تعتمد الصّور والمؤثّرات الصّوتية ممّا يثير الانتباه لدى المتعلّم للمشاركة والحضور الذّهني في الفصل. وحتى تصبح التّقنيات الحديثة وتكنولوجيا الاتّصال والمعلوماتيّة إحدى مقوّمات الجودة في التعليم.
 فالسّؤال الملح هو: هل إنّ توفير هذه التّقنيات واستعمالها من شأنه أن تراعي الفروق الفرديّة ويزيد من التّحصيل الدّراسي واكتساب مهارات التّعلّم لدى التّلميذ أم أنّه يعمّق هذه الفوارق وهذه المشاكل التّعليميّة؟
 يتوقف نجاح هذا الرّهان في المستقبل على مدى إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتّصال في عمليّة التعلّم. ذلك أنّ إدراج هذه التكنولوجيا لا يتّخذ شكل إضافة مادّة تعليميّة تتعلّق محتوياتها بالحاسوب وبمكوّناته وبرمجيّاته، وإنّما هو توظيف للمهارات والمعارف المتّصلة بتكنولوجيا المعلومات والاتّصال في أنشطة التّعلّم بهدف البحث وبناء المعرفة المدرسيّة. ومن هنا تمنح هذه التّكنولوجيا بعدا إضافيّا لعمليّة التّعلّم لدى الّنشء، من شأنها أن تجعل المتعلّم يبني مسار تعلّمه بصفة فعليّة ويبحث بنفسه عن المعلومة أينما وجدت حتى يغني مكتسباته ويطوّر اقتداراته ويوسّع آفاقه بدخوله في علاقات تواصل متعدّدة ومتنوّعة مع عدّة مصادر وأطراف (7)..
 لكنّ واقع استخدام هذه التّقنيات وتوظيفها من أجل خدمة العمليّة التّعليميّة والتّعلّمية مازالت تعترضها عدّة صعوبات ومعيقات. إذ يعتقد أغلب المدرّسين (إعدادي وثانوي) أنّ هذه الوسائل مازالت تمثل عائقا لدى أغلب المتعلّمين المنتمين إلى عائلات فقيرة، كما تمثّل لدى البعض الآخر عائقا أمام المثابرة والاجتهاد. وأثارت هذه الوسائل "الرّقمية" قضيّة اجتماعيّة على غاية من الأهمّية، وذات تأثيرات سلبيّة وتبعات جدّ متشعّبة خاصّة على المستوى البيداغوجي والمعرفي. لعلّ من أهمّها:
◄ تكريس ظاهرة التّفاوت والتّباين بين المتعلّمين في التّحصيل الدّراسي،
◄ التّأثير السّلبي على كفايات المتعلّمين، لأنّ اعتمادها بشكل غير منظّم يؤدّي إلى تراجع مكتسبات التّلميذ، وتشجّعه على التّواكل وعدم الاجتهاد في البحث عن المعلومة. كما أنّ هذه التّقنيات لا تتماشى مع واقع القسم المكتظ والتي تغيب فيه التجهيزات البيداغوجية التقليدية،
◄ تدهور كبير في نوعيّة التّعليم وتراجع كفاياته الأساسيّة،
◄ تعويد التّلاميذ على الغشّ والمراوغة وهي تصرّفات ما انفكّت تتفشّى في السّنوات الأخيرة لتصبح قيما اجتماعيّة عامّة،
◄ القفز على الواقع المفكّك للمدرسة من حيث تخلّف أساليب التّدريس ووسائله وتجاهل المعيقات الحقيقيّة لتطوير التّعليم في ضوء التّغييرات الرّاهنة.
 فإذا كانت الغاية من هذه التّقنيات تجسير الفجوة العلميّة والمعرفيّة بين المتعلّمين، فإنّ سوء توزيع هذه التّقنيات سوف يعمّق هذه الفجوة. لأنّه من شروط تركيز "مجتمع المعرفة" هو القضاء على أسباب التّفاوت بين المتعلّمين في الحصول على المعرفة واستثمارها. لكن هذه التّقنيات عمّقت منطق الإقصاء والتّهميش المدرسي لدى أبناء الفئات الضّعيفة والمتوسّطة، وكرّست التّناقضات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة بين الذين يندمجون في الفضاء الالكتروني الجديد، وبين الذين يزداد تهميشهم خارج هذا الفضاء (8).
  كما إنّ ما هو مطلوب من المدرّس غير ممكن إنجازه في ظلّ غياب وسائل تعليميّة متنوّعة تستجيب لمختلف الأنشطة الإدماجيّة للمتعلّمين. إذ تتطلّب وضعيّات التّعلّم عبر "التّقنيات الجديدة للمعلوماتيّة والاتّصال" بنية مدرسيّة متطوّرة من حيث القاعات والإطار البيداغوجي والتّقني المساعد لاستثمارها بشكل حقيقي في الوضعيّات التّعليميّة. 
  قد تساهم هذه الوسائل في تجويد ممارسة النّشاط التّعليمي التّعلّمي التّفاعلي داخل الفصل، وتشجّع على التّعاون ضمن المجموعات في بناء المعرفة المدرسيّة. لكنّ نشر هذه التّقنيات واستغلالها في مؤسّساتنا التّربويّة مازال محدودا جدّا في ظلّ إمكاناتها المادّية والبشريّة المتواضعة.
 مازالت مؤسساتنا التربوية في أغلب المناطق بالبلاد تفتقر إلى الفضاءات التعليمية الملائمة لكافّة المواد الدّراسيّة، وقلّة الوسائل البيداغوجية، ممّا يزيد في إرهاق المدرّس والتّلميذ. هذا عدا عن حالات الاكتظاظ في الأقسام التي تزيد في تعقيد الوضعيّة التّعليمية وفي تراجع نسبة التّأطير التّربوي. فمن أجل ضمان إدماج تكنولوجيات المعلومات والاتّصال في عمليّة التّعلّم الفعّال لا بدّ من الانتباه إلى بعض المزالق التّالية:
◄ غياب البيئة المدرسيّة المناسبة التي تستخدم فيها التّقنية لدعم التّعليم الهادف،
◄ إنّ استخدام هذه التّقنيات أثناء التّدريس والبحث من شأنه أن يكرّس المفهوم التّقليدي للتّقنية والوسائط التّعليمية. وهذا يعني أنّ المعرفة تصبح متضمّنة في هذه الوسائل ويكون دور المدرّس هو نقل هذه المعرفة بشكل مباشر إلى المتعلّم،
◄ لا يمكن لهذه التّقنية أن تكون ناجعة في عمليّة التّعليم والتعلّم إلاّ إذا استخدمت لدعم بناء المعرفة وكوسيط يتعلّم معها المتعلّم وليس فيها .
إذاً، فالخلل لا يكمن في نظام التّدريس أو في وسائله البيداغوجية التّقليدية فقط، بل يكمن أساسا في تغير الظّروف المحيطة بالتّعليم حيث لم تعد النّظم التّربوية تتلاءم مع المستجدّات المحليّة والعالمية مثل الإنسياب المعرفي والغزو الفضائي الذي قلّل من دور المدرسة كمصدر وحيد للمعرفة.
إنّ الديناميكية الجديدة التي تخترق جميع مفاصل الفعل التّربوي، في نظم الاتّصال وتكنولوجيا المعلومات والبرمجيّات، تتطلّب أيضا تغييرا لأساليب عملها وطرق تواصلها، قيما وتفاعلا، حتى يتمكّن جميع الفاعلون داخل المدرسة من المشاركة والانخراط الفعلي في الاستفادة من هذه التّقنيات، ومن ثّم يتحقق التغيير في مختلف جوانب عمل المؤسّسة التّربوية. فالتّكيّف مع المتغيّرات الدّاخليّة (التّنظيم الدّاخلي، أسلوب الإدارة، خصائص الموارد البشريّة المتوفّرة) والخارجيّة (سوق العمل، الثّقافة، القوانين، التّمويل..) يتطلّ