همسات

بقلم
محمد كشكار
حديثنـــــا قيــــاس

 (1)

حديثنا قياس! 
 
أبسط قوانين البناء حسب المواصفات العلمية تتطلب تصميم رسم فني قبل الشروع في البناء. ومَن أقدر من المهندس المعماري المختص على تصميم مثل هذه الرسوم ونحتاج أيضا إلى مهندس اسمنت مسلّح حتى يكون أساس البناء صلبا وقادرا على تحمل الهزّات التكتونيـــّـة البسيطـــة (la tectonique des plaques ) و حتى الزلازل. 
وحديثنا قياس على كتابة الدستور! وهل يوجد بنـــاء ديمقراطـــي أهم من الدستـــــور؟ وهل بنــــاء عمــــارة سكنيــــة تضمّ عشرات المتساكنيـــن يحتــــاج إلى رســــم فنــــي من قبل مختص وكتابــــة دستــــور يهم عشـــــرة ملاييــــن مــــن التونسييــــــن لا تحتـــــاج إلى مختص في كتابـــة الدساتير؟ فلماذا نوكل هذه المهمة الجليلة إلى أيـــادي غيـــر مختصــــــة حتـــــى ولو كانت هذه الأيادي أمينة وتخاف ربي؟
تجــــري الريـــــاح بمــــا لا تشتهي السفن كما قــــــال فيلسوفنا وشاعرنــــا الأعظم المتنبــــي. وددت لــــو كُتِب دستورنا من قبل مجموعة من المختصين في كتابة الدساتيــــر، تسند هـــذه الأخيـــرة وتشــــد أزرهــــا مجموعــــة مــــــن الفلاسفـــــة والاستشرافييـــن des futurologues » «  ثم يُعرَض على الاستفتاء لكي يباركه الشعب أو يطالب بتعديله.
 
(2)
التجاوزات الناتجة عن الحرية و الديمقراطية، تُعالَج بمزيد من الحريات و ليس بتقييد الحريات المكتسبة! 
 
زلاّت الديمقراطية وهنّاتها تُعالَج بمزيد من الديمقراطية وليس برفض بعض أسس الديمقراطية كحرية التعبير وحرية المعتقد، دينيا كان هذا المعتقد أو إيديولوجيا.
تجاوزات حريـــة التعبيــــر تُعالَـــج بمزيــــد من حريــــة التعبيــر علـــى شــــرط أن لا تمــــس هـــذه الأخيرة بالحياة الشخصية للفرد وأن لا تدعو علنا أو سرّا لاستعمال العنــــف و أن لا تحـــرّض أبـــدا علـــى الطائفيـــة أو العنصريــــة أو الفتنـــة أو الحــــرب الأهلية، وعلى كل مقـــال سيء نردّ بمقال جيد لا بالعنف الرمزي أو اللفظي أو المادّي.
توفيـــر الشغل لعشرات الآلاف من الشباب المعطلين عن العمل يكون بمزيد من العمل من قبل مئات الآلاف من العمال المباشرين وليس بالإضرابات المجانية أو الإعتصامات الهمجية أو تعطيل مصالح الغير لأتفه الأسباب أو قطع الطرقات العامة من أجل المطالبة بحقوق خاصة.
 
(3)
قرط أمي! قصة جمنية واقعية قصيرة 
 
قيمة أخلاقيــــة تونسيــــة إسلاميــــة عربية متأصّلة فينا، تذكّرتها في هذا الزمن التونسي "الثوري"! 
حدثت هذه القصة الواقعية القصيرة بجمنة (ولاية ڤبلي، جمهورية تونس) في أربعينات القرن العشرين.
فَقَدَتْ أمــــي أحد قرطيهــــا الذهبيّيــــــن (حُليّ أو بَدْلَة باللهجة التونسيــــة، تُحمـــل فــــي الأذن للزينـــة) وهي راجعة من عرس. خَشِيَتْ من غضب أبي (سي السيد بالمعنـــــى المصــــري للكلمــــة) ولم تطلب مــــن منـــادي القريـــة (البَرَّاحْ باللهجــــة التونسيــة) في مثل هذه المناسبات أن يجول في الشوارع ويعلن ويفشي الخبر حتى يعثر على الأثر.
وَجَدَ القرط الضائــــع أحد المواطنين الجمنيـــن، وهو بالصدفة عامل بفرنســـــا جاء يقضي عطلته السنويـــة بمسقط رأســــه، أخذ القرط واحتفظ بـــه فــــي منزله حتى تظهر صاحبته، انتظر شهر العطلة ولم ينادي منادي القرية على شيء ضائع كعادته.
مرّ عام على الحادثــــة وصاحبنا محتفظ بالأمانـــــة لصاحبة الأمانة. وفي أحـــد أمسيـــات عمّالنــــا بالخــــارج، روى في فرنسا ما حدث لــــه فــــي جمنـــــة. سمعه صدفة أحد جيراننا و أخبره أن صاحبة الأمانــــة موجـــــودة لكنهـــــا كتمت ضياع قرطها خوفا من زوجها. وعند عــــودة بطــــل قصتنــــا إلـــــى القرية، سلّم الأمانة بعد عام سرّا إلى أمي عن طريق زوجته.
لقد سبق ونَقَدَنَا إمامُنا الشافعي في قصيدته هذه منذ 12 قرنا تقريبا فقال، و لكن للأسف الشديد جُلُّنَا لم يتعظ بنصيحته إلا النادر فينا كأخينا المذكور أعلاه:
نَعيـــبُ زَمانَنـــــا وَالعَيــــبُ فينــــــا...
وَمــــا لِزَمانِنــــا عَيبٌ سِوانـــــا
وَنَهجــــو ذا الزَمـــــــــانِ بِغَيرِ ذَنبٍ...
وَلَـــو نَطــَقَ الزَمانُ لَنا هَجانـــــــا
وَلَيـــسَ الذِئـــبُ يَأكُـــــــلُ لَحمَ ذِئبٍ...
وَيَأكُــــــلُ بَعضُنـــــــا بَعضـــــــاً عَيانــــــــــــا
 
——————————