بإيجــــــــــــاز

بقلم
مصدق الجليدي
في مرجعيات الصراع حول النمط المجتمعي لتونس ما بعد الثورة

 الصراع القائم الآن في الساحة السياسية التونسية من الزاوية الإيديولوجية (لذا لن أتحدث هنا عن المسألة الاجتماعية) وخلافا لما يظنه غلاة الإسلاميين، ليس بين مسلمين وكفار، بل بين فهمين مختلفين للإسلام. فهم يجعل منه (إطلاقا) علة تأخرنا (العلمانية المجحفة) بعد أن كان تاريخيا عامل تقدمنا، وفهم يجعل منه عامل قوتنا في المستقبل كما كان عامل قوتنا في الماضي (أغلب أتباع تيار الهوية). وبين هاتين الأصوليتين، توجد قراءات أخرى: منها أن الإسلام بالرغم من الحضارة الرائعة التي نسجت من حول نصوصه وبنصوصه والتي أنتجت نصوصا وفصوصا حكمية جديدة، فإنه قد تعرض لعملية تحريف كبرى عن مقاصده وفلسفته وروحه، من خلال التعويل المجحف على العنصر الدخيل فيه (اليونان- الفرس- الروم...الخ.) ومن القائلين بهذا الرأي فيلسوفنا أبو يعرب المرزوقي، وقراءة أخرى تقول إن الإسلام يتحقق تدريجيا في التاريخ من خلال سيرورة ختم النبوة (ارتفاع الوصاية عن عقل الإنسان: العلماء ورثة الأنبياء) على يد المسلمين وغير المسلمين، باعتبار أن هذا الختم ظاهرة معرفية وحضارية كونية وليس خصيصة ملّيّة. ولذا فالتفاعل الحضاري الذي وقع بين الإسلام وبقية الثقافات هو من صميم فلسفة الإسلام الحضارية (شعوبا وقبائل لتعارفوا) وهو تأويل وتنزيل ممكن له قد تحقق، من بين عدة تأويلات أخرى ممكنة....وبعضها أقرب لروح الإسلام ومقاصده من بعض(ونحن من القائلين بهذا الرأي)... وتتعدد القراءات.... والتونسي المتوسط ينظر في هذه القراءات جميعا ويزنها بمعيار التسامح والحرية والكرامة والعدالة والواقعية والنجاعة والفعالية والجمالية في مجالات الأسرة والتربية والتنمية والترفيه والصحة وغيرها من المجالات الحيوية. كما أن التونسي المتوسط يعتز بشخصيته وخصوصيته وينفر من كل دخيل فج غريب عن طباعه وأذواقه، ولكن الشذوذ عن هذه القاعدة موجود ويزداد انتشارا بفعل الأموال المغدقة والفوائد المجنية. وهذا مما يجب أن تنتبه له الدولة الوطنية والمجامع العلمية والدوائر الثقافية والأطراف التربوية حتى لا يستفحل ضرره ويعم بلاؤه. 

 
إذا ما سلمنا جدلا بصحة هذا التشخيص فإننا الآن أمام عدة خيارات مجتمعية:
◄المحافظة على الإرث البورقيبي باعتباره محصلة حوار الثقافة (الزيتونة) والحداثة (فلسفة الأنوار) مع تجاوز ما شاب هذا الإرث من نزعة ديكتاتورية وتركيز منظومة حقوقية إنسانية مكانها. وهذا الاتجاه ليس خاصا بالعلمانيين واليساريين (نداء تونس- المسار الاجتماعي- الجمهوري- التكتل- المؤتمر....الخ) بل إن بعض الإسلاميين بمن فيهم التيار الليبرالي في النهضة لا يردون بالكامل هذا الاختيار. وإذا ما فكرنا في التيار القومي العربي، فيجب عندئذ إضافة عنصر الوحدة القومية وتجاوز النزعة القطرية التي وسّمت الدولة التونسية في العهد البورقيبي.
◄شطب كل هذا الإرث جملة وتفصيلا: التيار السلفي بمختلف تلويناته، بما في ذلك حزب التحرير (الرغم من نفيه عن نفسه هذه الصفة) وبعض مكونات الجناح المحافظ في النهضة، الذي يدعو للعودة للنص والإجماع دون سواهما من المرجعيات.
◄إعادة بناء الحداثة في السياق العربي الإسلامي عموما (والتونسي خصوصا) بناء مبتكرا أصيلا (بناء حداثة أصيلة). ونحن من بين الدعاة لهذا الاتجاه وممن يجتهدون في أن يكونوا من بُناته. وهذا الخيار لا يجعلنا ضرورة في مواجهة كل الشركاء الآخرين في إعادة البناء الوطني بل يوفر لنا قاعدة التقاء واسعة مع العديد منهم على أكثر من صعيد، وهذه القاعدة هي الحد التوافقي الأدنى الضروري الجامع بيننا جميعا.