في العمق

بقلم
مصدق الجليدي
عودة التعليم الزيتوني: الرهانات والتحديات

 تمهيد

 
انطلاقا من متابعتنا لملف عودة التعليم الزيتوني يمكننا القول بوجود ثلاث اتجاهات بخصوص مسألة هذه العودة:
1- الترحيب الكامل: وقد عبر عنه وزاراء الشؤون الدينية والتعليم العالي والتربية وحركة النهضة وبعض المجموعات السلفية وعدد من المواطنين.
2- الرفض التام: ويبدو أنه اتجاه أغلب أساتذة العلوم الإنسانية بالجامعة التونسية (لجنة الدفاع عن القيم الجامعية واستقلالية المؤسسات والحريات الأكاديمية مثـــــالا) ورئاسة جامعة الزيتونـــة الحديثـــة وعـــدد من الشخصيات السياسية والمدنية ومن الأساتذة والمعلّمين.
3. القبول المشروط بعدة ضوابط هيكلية ومعرفية ووظيفية وعمرانية.
وهذه الورقة تنحاز إلى هذا الاتجاه الأخير، وسنحاول بلورته بشكل أوضح وعلى قدر من التفصيل من خلال تمش يمر بنا من استعراض الرهانات والآمال المعلقة على استئناف التعليم الزيتوني إلى بيان الصعوبات التي ينظر في إمكانية تذليلها والشروط التي يتوجب توفرها ليكون لمثل هذا الاستئناف معنى إيجابي حقيقي، لا مجرد احتفاء فولكلوري بقيمة رمزية ثقافية تستعاد بعد طول غياب. وهو ما أجملناه في عنصر خاص بالتحديــــات التـــي تواجـــــه أي إجراء جدي في اتجـــاه "عودة" هذا النـــوع من التعليم الأصيل في تونس.  
 
1- رهانات استئناف التعليم الزيتوني
 
من أبرز الرهانات والآمال المعلقة على استئناف التعليم الزيتوني:
 
(أ) تأصيل التعليم: بجعله في ارتباط مباشر بأصول الحضارة الإسلامية التي هي الثقافة الإسلامية الدائرة حول الوحي بشقيه قرآنا كريما وسنة نبوية مطهرة ثابتة والمتضمنة لمختلف اجتهادات العلماء المسلمين وإبداعاتهم في الكلام والفقه واللغة وغيرها من المجالات المعرفية الأصيلة.
(ب) تصحيح خطإ تاريخي قام به بورقيبة والنخبة التي كانت مرافقة له في عملية تسطير الاختيارات التربوية الكبرى للبلاد فجر الاستقلال، ومن بين هذه النخبة نجد الوزير محمود المسعدي الذي أشرف على الإصلاح التربوي الذي انطلق سنة 1958، تطبيقا لمشروع الاتحاد العام التونسي للشغل. ويتمثل هذا الخطأ في إيقاف العمل بمنظومة التعليم الزيتوني التي كانت تضم المستوى الجامعي حيث تمنح للمتخرجين شهادة العالمية (الإجازة) والتعليم الإعدادي (الذي كان يمنح شهادة الأهلية) والتعليم الثانوي (الذي كان يمنح شهادة التحصيل: الباكالوريا حاليا). تم ذلك تطبيقا لأمر 1 مارس 1961، الذي أصبحت بموجبه كلية الشريعة وأصول الدين الوريثة الرسمية لجامعة الزيتونة (أمر 31 مارس 1960) ولجامع الزيتونة كمؤسسة تعليمية طوال قرون مديدة (1). وكون هذا الإجراء يُعدّ خطأ تاريخيا حسب وجهة نظرنا، فلأنه تم في وقت بلغت فيه جهود الإصلاح التربـوي في الزيتونـــــة أوجهـــــا، خاصـــة مع بعـــــث الشعبـــة العصريـة على يد الشيخ الطاهر بن عاشور. هذه الشعبة التي استحدثت فيها مواد جديدة لم تكن تدرس من قبل في الزيتونة مثل الرياضيات الحديثة والعلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا واللغات الحية (الفرنسية والانجليزية) وكل هذه المــــواد ذكرهــــا الشيخ الطاهر بن عاشور وأوصى بتضمينها في التعليم الزيتوني منذ أكثر من قرن، أي منذ سنــــة 1910، زمن انتهائــــه من تحرير كتابـــه الشهيــــر في  إصلاح النظام التربوي الزيتوني: "أليس الصبــــح بقريب"؟ وقد أثمر هذا الإصلاح بعض النتائج الملموسة الطيبــــة، مثل قدرة عدد من خريجــــي الشعبـــــة الزيتونيــــة العصريــــة على النجاح في الباكالوريا فرنسية والاضطلاع ببعض الوظائف التي تحتاجها الدولة فجر الاستقلال.
 (ت) القطع مع القطع التاريخي الذي مارستــــه النخبــــة الحداثية مع الإسلام و ”تثبيت دعائم الهوية العربية الإسلامية في بلادنا ونشر قيم الخير والصلاح في العالم أجمع“ (بيان وزارة الشؤون الدينية، المغرب، 3 جوان، 2012).
(ث) إثبات الغيرة على الإسلام في مواجهة التيارات الإسلامية المتشددة وسحب البساط من تحتها، مثل تهديدات الظواهري لحركة النهضة وقيادتها واتهامه لها بتمييع الإسلام والتفريط في مقدساته من أجل الحصول على كراسي الحكم. فهذه إذن رسالة سياسية موجهة إلى الخارج الإسلاموي إلى جانب الرسالة السياسية الموجهة إلى الداخل السلفي وشبه-السلفي. 
(ج) محاصرة ظاهرة السلفية والوهابية والرد العلمي عليها استنادا إلى أقوال الفقه المالكي واستئناف التقليدي الزيتوني في كبح جماح الدعوة الوهابية. فالمعلوم تاريخيا أن زمرة مستنيرة من شيوخ الزيتونة قد تصدت خلال القرن التاسع عشر لدعوة محمد بن عبد الوهاب "التي أرسلهــا إلى تونـــس في أواخر حكم الباي حمودة باشا (1814-1882) وإلـى باقــــي أقطار المغـــرب والمشــرق سعود بن عبد العزيز  بن سعود طالبا اتباع الناس للمذهب الوهابي والولاء له ومن خالفه فقد وصمه بالشـــرك فـــي اعتقـــاده"(2). نجد من بين أولئك الشيوخ الذين تصدوا للدعوة الوهابية وحصنوا البلاد منها طوال القرنين الماضيين تقريبا، الشيخ محمد بيرم الثاني (توفي سنة 1831) والشيخ إسماعيل التميمي وإبراهيم الرياحي ومحمد بن ملوكة. ومن أشهر الردود على تلك الدعوة رد الشيخ المفتي قاسم محجوب.
 
2- التحديات 
 
نستخدم هنا مصطلح التحديات بمعنى الصعوبات التي يجب تذليلها لبلوغ الهدف المنشود:
أ- محدودية النظرة للتأصيل لدى جانب من المتحمسين لهذا المشروع: فالتأصيل لا يعني العودة إلى الوراء، والأسلاف لم يكونوا سلفيين بل كانوا مجددين ومبدعين. قد يقال إن استئناف التعليم الزيتونــي سيكـــون مــن اللحظــــة التـــي تركها فيه الشيخ الطاهر بن عاشور. ولكن أين وعي الشيوخ الحاليين من وعي الشيـخ الطاهر بن عاشور وأين تكوينهم العلمي والبيداغوجي من تكوينه؟ ويكفي أن نستحضر حادثة طرد شيخ الزيتونة الحالي (لا ندري من نصبه شيخا عليها) السيد حسين العبيدي، للباحث الجامعي المتميز في قسم الآثار بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان الأستــاذ النوري بوخشيم من جامع الزيتونة لما كان بصدد القيام بدرس ميداني لطلبته حول المعمار الإسلامي الأصيل، بموجب ترخيص متحصل عليه من وزارة الشؤون الدينية ومن الجامعة، وإهانته له ولطلبته شر إهانة وتهديده بتسليط العنف المادي عليه بعد تعرضه منه إلى أشد عنف لفظي، متهما إياه بمحاولة زعزعة أركان مؤسسة الزيتونة باختزاله لها في أكداس من الحجارة القديمة، يكفي أن نستحضر هذه الحادثة لنعلم إلى أي مستوى لا علمي ولا أخلاقي ولا إسلامي تردى بعض من يتزعمون مشروع استئناف التعليم الزيتوني من مشائخ الزيتونة. فأبمثل هؤلاء ستستعيد الزيتونة مكانتها العلمية والأدبية الحضارية وإشعاعها المعرفي والثقافي الإسلامي العالمي؟ !!!
 
ب- قلة عدد الشيوخ الزيتونيين الباقين على قيد الحياة
من بين الشيوخ الأعلى درجة علمية (العالمية). فبأي خبرات وكفاءات علمية، والحال هذه، سيتم ابتعاث التعليم الزيتوني من جديد؟ حيث يوجد الآن ثلاث شيوخ فقط في الهيئة العلمية بعد وفاة أحد الشيوخ الأربعة المكونين لهذه الهيئة (رحمة الله عليه) في الأيام الماضية. أما الأساتذة الجامعيون في اختصاصات العلوم الإسلامية في جامعة الزيتونة والشبان الباحثون في هذه الجامعة فيبدو أنهم في الغالب غير مقتنعين بالعمل ضمن هذا المشروع لاعتبارات علمية ومنهجية. من ذلك مثلا عدم القبول بالعودة بالتعليم الزيتوني والعلوم الشرعية إلى ما قبل مرحلة التطوير التي شهدتها مع الشيخ الطاهر بن عاشور في مستوى إنتاجاته العلميــــة، كمشروعـــه الإصلاحي لعلم المقاصد(3). ولنفتـــرض وجــــود بعض العشـــرات من شيوخ الزيتونة الذين ما زالوا على قيد الحياة والذين لهم الاستعداد للانخراط في هـــذا المشـــروع من جديد، فليس مـــن المضمــــون أن يكونـــوا كلهم أو جلهم من المناصرين القدامى لإصلاح أحوال التعليم الزيتوني التي كان يشكو معضلات جمة طوال القرون الماضية، والدليل على ذلك انتقاد ابن خلدون من ستة قرون لأحوال هذا التعليم أشد انتقاد. يقول الشيخ الطاهر بن عاشور متذمـــــرا مـــــن ســــوء استعداد مشائــــخ الزيتونــــة إلى إصلاح ما بهــــم مـــن ســــوء التحكــــم في ملكة التعليم الجيد ونفورهم من هذا الإصلاح: »إن الفساد الأكبر الذي يلقاه مصلـــح التعليــــم فــــي المعلميــن هو كراهيــــــة النظام وكراهيــــة القوانيــــن وسوء الإلمام بوجوب العناية بالتعليم، ولا يرون التعليم إلا كيفية واحدة هي التــــي تعارفوهــــا معتذريــــن بأن بها رقى سلفنا» (ص. 230).(4)
ويقول الشيخ الطاهر بن عاشور مشنعا على الشيوخ الذين لا تتعدّى الفضائل الأخلاقية ألسنتهم أو الذين لا تصل حتى إليها:»ومن العار الكبير أن نرى كثيرا ممن ينتصب لتعليم النشأة تعجبك أجسامهم، وتبهجك بزتهم، وتعظم صورهم، ولكن ما بينك وبين أن ترمقهم بضد ذلك إلا أن تحاكًّهم[تحتكّ بهم] وتعاشرهم أو تجادلهم فترى تلك الهياكل العظيمة فارغة من الفضيلة ومكارم الأخلاق والمروءة.» (ص. 124).
ولقد أقام لنـــــا الشيـــــخ ابن عاشــــور تصنيفــــا طريفا للمدرسين ينـــــم عــــــن خبــــرة ودقـــة ملاحظــــة، فحصــــر مراتبهم (5) في خمسة أنواع:
الأول: النحرير الذي يميز الصحيح من الفاسد بنقد وفهـــم مصيب مع التضلع في الكتب التي لا تدرس من أصول العلوم وهذا النوع قليل بالجامع الأعظم.
الثاني: المتمــــرن بكتب التدريـــس الواقف على اصطلاحاتها المقتدر علــــى تدريـــــس المهـــــــم منهــــا بالفهـــم والإفهـــام على ما هي عليه من غير خطأ وهذا أكثــــر مـــن يطلـــــق عليه اسم نحارير المدرسين.
الثالث: نقلة لما في الكتب مكدون لحوافظهم عند التدريس وليسوا من النقد أو التحرير في شيء ينقلون ما يحتطبونه بالليل على غرة ليأتوا به صباحا، وينالون بإعجاب تقريهم له انشراحا، وهؤلاء أتعب خلق الله عيشا وأقلهم تدريسا لأن اعتيــــادهم بأن لا يقـــرروا إلا ما طالعوا يكلفهم نصب السهـــــر والنقــــــل ويمنع من التدريس أقل مانع يعوقهم عن المطالعة في الليل.
النوع الرابع: أناس يفهمون ويدرسون ولكنهم لا يميزون في ذلك الصحيح من الفاسد.
النوع الخامس: طائفة كثيرة دأبها صراح الخطأ، وزلق الخطا(6)، والستر على العيب بغطاء. » (ص. 233).
زد إلى هذا التكلف والانقباض الذي يرتديـــــه بعض المدرسيــــن في مشيتــــــهم وكلامــــــهم ولباســـهم وسحنـــــات وجوههـــــم التي تبعد ما بين التلميذ والأستاذ فتحول دون النفع بعلمه فبذلك يخرج التلامذة مقلدين« فتمر عليهم مواقع البحث وهم لا يشعرون بها. وتجد ضد ذلك في بعض المدرسين من رثاثة الهيئة واضطراب الحركات وسخافة الحديث، على أن هنالك صفة ذميمة منتشـــرة بين الجميع وهي التعلــــق بسفاســــف الأمـــــور وانطواء البواطن على بغـــــض الزمـــــلاء والنبـــــز وإشاعـــــة المساوي والرمي إلى تحقير الغير وسعي الواحد منهم لإقناع الناس بعلو درجته في العلم بطرق من التمويه وإكثار السكوت وحب المحمدة بما ليس من فعلـــــه بحيث يقـــــل أن تجـــــد بينهم أصحـــــاب همم عاليـــــة ولهجة صادقة وكلمات صريحة، وقد كان في العلماء المتقدمين فضائل جمة » (ص. 233- 234).
فنتساءل الآن ماذا بقي لنا اليوم من كل هذه الأصناف التعليمية، علما وأن بعض المؤشرات والإشارات لا تطمئن كثيرا على هذا الأمر؟
 
ج- عدم استعداد بعض الشركاء المنتظرين من قبل أصحاب المشروع للتعاون معه: 
ففي الوقت الذي رحبت وزارة الشؤون الدينية بما اعتبرته في بيانها "إنجازا تاريخيا كبيرا وكسبا ثوريا عظيما"، نجد رئيس جامعة الزيتونة د. عبد الجليل بن سالم يرفض حضور حفل توقيع بروتوكول استئناف التعليم الزيتوني تعبيرا منه عن رفضه لهذه البادرة. كما أن وزارة الصحة أصدرت بلاغا أكدت فيه رفضها التام إرساء نظام لتدريس الطب في جامع الزيتونة وذلك في معارضة واضحة وحاسمة لما أعلنه الشيخ حسين العبيدي إمام جامع الزيتونة. ووزارة التعليم العالي نفسها وضحت أن موافقتها ليست مطلقة بل مقيدة بجملة من الشروط المنهاجية وغيرها. والموقف الأكثر حسما ربما هو الذي اتخذته لجنة الدفاع عن القيم الجامعية واستقلالية المؤسسات والحريات الأكاديمية التي انتقدت أصحاب المشروع والحكومة بعدم القيام باستشارة وطنية واسعة حول هذه المسألة وعدم الحصول على إجماع وطني بخصوصها. ومما جاء في بيانها بهذا الخصوص أنها: "تعتبر أن هذا القرار أحادي الجانب ويمثل بادرة غير قانونية وغير ديمقراطية، وتستهدف خرق المبادئ التي تأسس عليها التعليم الجمهوري الوطني الذي سعى منذ نصف قرن  إلى توحيد صفوف التونسيين...".
 
د - الأمثلة التي وقع الاستشهاد بها (جامع الأزهر وجامع القرويين) ليست أمثلة على تفوق وريادة حقيقية للتعليم الأصيل في عصرنا الحالي.
 فهل أن مستوى تدريس الطب في الأزهر مثلا يضاهي مستواه في النظام الحديث التونسي مثلا، هذا إذا لم نقارنه بمستويات تعليمه في الدول الأكثر تقدما في العالم. وحينئذ ما الفائدة من تدريسه في هذه المؤسسة التربوية العريقة؟ التكوين الديني الذي يفره الأزهر لدارسي الطب فيه يمكن أن يوفره لكل راغب فيه من طلاب الكليات الحديثة.
 
ﻫ- ما موقع هــــــذا الإجـــــراء مــــــن عمليـــــة إصلاح النظام التربوي الجارية الآن؟
 هل علينا مضاعفة الجهد والقيام بإصلاحين: تأصيل التعليم الحديث وتحديث التعليم الأصيل؟ أم إدراج مشروع عودة التعليم الزيتوني ضمن رؤية إصلاحية تربوية شاملة؟ ! فالمعلوم أننا نعيش اليوم لحظة تاريخيــــة فارقـــة، هي لحظة الاستحقاقات الثورية التي تجيز لنا إصلاح التعليم بما يتلاءم مع مقتضيات الإخلاص للهوية العربية الإسلامية ومقتضيات النمط الحديث في التربية والتنمية والسياسة والمجتمع في الآن نفسه. فلماذا نشتت الجهود ولا نشحذ ونجمّع الطاقات لإبداع نظام تربوي حداثي أصيل يكون التعليــــم الزيتوني ملمحـــا من ملامحه، وليس مظهرا شاذا عن اختيارات البلاد التربوية والتعليميـــــة العامــــــة. إن هذه القضيــــة لهي من الخطورة بمكان، لأنه في الوقت الذي نعيش فيه لحظة ما بعد حداثية حيث تبرز تعددية في أنماط المعقولية، نوشك بالتسرع في تكريس خيارات مجتزأة تكرس بدورها تناقضا في الشخصيـــة القاعديـــة للتونسييــــن وتزيــــــد في تعميق حالة الانشطار والتشظـــي والتمـــــزق التي تعيشهــــا هذه الشخصية الآن والتي تعبر عن تضاربها هذا بصراعات واستقطابات لا تنتهي بين شق علماني وآخر إسلامــــي نهضـــوي أو تحريري أو سلفي أو جهادي. إن تعدد أنماط المعقولية يكون أمرا صحيا ومنسجما مع طبائع العمران البشري عندما يكون مصاحبا بحالة نفسية وثقافيـــة جماعيــــة تقـــر بهــــذه التعددية وتعترف بها وتحترمها. وهذا في حد ذاتــــه لا يكون مضمونا إذا ما تمسك كل طرف بضرب معقوليته كما هي ولم يجتهد فـــي إدخــــال قـــدر من التنسيب عليها يمكن من التعايش مع المختلف ويضمن قيام السلم الأهلي وديمومته.
 
و- البرامج: كيف ستكون ومن سيعدها وإلى أي نظام معرفي ستستند؟ 
على سبيل المثال، في تونس العصر الحديث استأنف الشيخ الطاهر بن عاشور النظر في مبحث "المقاصد الشرعية". أي قراءة الشريعة قراءة مقاصدية انطلاقا من اللحظة المعرفية التي وصل إليها أبو إسحاق الشاطبي المالكي في كتابه الموافقات (790ھ) الذي اكتشف في الوحي منطقا قصديا(7). وقد عمل ابن عاشور على أن يفصل مبحث المقاصد عن علم أصول الفقه  ليصبح علما قائما بذاته في كتابه "مقاصد الشريعة الإسلاميــــة" وأخرجــــه من المنطق المذهبي الضيق ليجعل منه علما كليا اجتهاديا مفتوحا، وأدخل عليها بعض التطويرات، من ذلك مثلا التوسعة في مجال المقاصد لتتجاوز حفظ  الدين والنفـــس والعقل والمال والنســــل، إلى مقصد الحرية والديمقراطية، وقد فعل ذلك في كتابه "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام" وبذلك يكون قد سبق كل الحركات الإسلامية إلى هذا المقصد. ومع ذلك فإن اللحظة المعرفية الفريدة التي لم تلتقط حسب رأينا إلى الآن، هي اللحظة التي بنـــــى فيها ابن خلدون المقاصد الشرعية على قوانين وطبائع العمران البشري، فاتحا الباب بامتياز أمام  رفع الحواجز المصطنعة بين الشرعيات والإنسانيات، وبين علوم الشريعة وعلوم الطبيعة بشقيها المادي والإنساني. فأين الوعي العلمي والمعرفي (الابستمولوجي) لمشائخ الزيتونة  اليوم اللحظة المعرفية العمرانية الخلدونية والمقاصدية العاشورية؟ !
ولذا قبل الإسراع السياسوي والإيديولوجي نحو فتح فروع الزيتونة في كامل البلاد، كما هو جار الآن، يجب القيام بمراجعات ابستمولوجية عميقة للعلوم الإسلامية، من علم كلام أو توحيد، وعلـــــم أصول فقـــــــــه، ومقاصــــد وتفسيـــــر وتأويــــل...الخ. وهو الأمر الذي انتبه إليه إخواننا في المغرب الأقصى عندما نظموا منذ سنتين ندوة أزمة العلوم الإسلامية بطنجة  سنة 2010، وتساءلوا عندها "هل هي أزمة منهج أم أزمة تنزيل" واتجهت أغلب الآراء والتحاليل إلى كونها أزمة منهج بل وأزمة معرفية ابستمولوجية هيكلية عميقة، كما بينت شخصيا ذلك في ورقتــي حول علم الكلام (علم أصول الدين) في تلك الندوة، وكما سبق للشيخ الطاهر بن عاشور أن بينه بخصوص علم أصول الفقــــه. وإذا ما تناولنا علم التفسير التقليدي، فأين هو من مناهج التفسير والتأويل وقراءة النصـــــوص التي ظهـــــرت في العصــــر الحديث من هرمونيطيقا وسيميوطيقا وبراغماتيكا وفيلولوجيا وألسنية عامة وألسنية نفسية وأنطروبولوجيا ثقافية وعلوم عرفانية...الخ؟ ! 
ولذا إذا ما أردنا تجاوز مجرد المظاهر الفولكلورية في مشروع استئناف التعليم الزيتوني علينا القيام بمراجعات معرفية ومنهجية عميقة للعلوم والمعارف الإسلامية النظرية منها والعملية، على غرار ما قام به رجال اللاهوت المسيحي واليهودي الذين تفوقوا كثيرا في المستوى العلمي على الأئمة والمشائخ المسلمين في وقتنا الحاضر للأسف، لا نستثني من ذلك إلا قلة قليلة منهم. بطبيعة الحال لسنا هنا في سياق الدعـــوة إلـــى تقليــــد اليهــــود والمسيحييـــن في نظرياتهـــــم ومناهجهـــم فهـــذا ما لا يجـــــوز معرفيا ومنهجيا للاختلافات الجوهريـــــة بين عقيــــــدة التوحيــــد الإسلامــــي والتثليث المسيحـــي أو التوحيد القومي اليهودي (يهوه إله واحــــد لكل اليهـــــود وليس للعالميــــن) مع أن القرآن الكريم لم يستبعد وجود كلمة سواء بيننا وبينهم، ولكن أنى لهم الاستجابة لها، إلا من رحم ربك...
 
ز- لدينا الآن زيتونتان: جامع الزيتونة وفروعه الجديدة وجامعة الزيتونة:
فأيهما يمثل الزيتونة والتعليم الزيتوني حقا؟ ! وكيف ستكون العلاقة بينهما (هي علاقة جفوة في الوقت الحاضر) وكيف سيستفيد مشروع عودة التعليم الزيتوني من الطاقات البشرية العلمية والتعليمية الموجودة في جامعة الزيتونة المقاطعة لهذا المشروع؟ ! كل هذا يجب التفكير فيه ومعالجته بالحكمة اللازمة.
 
خاتمة
 
في الأخير لا ننكر الفضائل المعروفة للتعليم الزيتوني رغم رزحه لقرون من الزمن تحت وطأة التقليد والتكرار، مثل حفظ القرآن ومثل التكوين اللغوي الممتاز والتكوين الفقهـــي التعبــــدي الأساســــي، وهو ما لا تنقطع الحاجة إليه إلى اليــــوم، خاصـــة في ضوء التراجع المخيف لمستوى التحصيل اللغوي في العربية لخريجي النظام التربوي الحالي والجهل بكثير من ضرورات القواعد الفقهية التعبدية لدى جمهور المصليـــن، ولكن المسألــــة مع ذلك في نظرنا هي أكبر من هذا بكثير. إنها قضية حضارية عمرانيـــــة على درجة عالية من الأهمية والخطورة. إن مؤسســـة الزيتونــــة لم تكن مؤسسة معزولة عن نمط عمراني ومعيشي وثقافي حاف بها ومخترق لها. لقد كانت الزيتونة ملبية لجملة من الحاجات والوظائف العمرانية التي كان المجتمع يطلبها منها، مثل الإمامة والتعليم والقضاء، ولكننا نتساءل اليوم عن نوعية الحاجات والوظائف العمرانية التي يمكن للزيتونة أن تلبيها في هذا العصر الفائق التعقيد، من النواحي القانونية والإدارية والعلمية والتكنولوجية والتواصلية والطبيــــــة والاقتصاديــــة وغيرهـــا... ولذا فإن الأمر إذا تعلق بإصلاح التعليم الديني، فهذا أمر مشــروع بل ومطلوب وملح في ظل تنامي نزعات الجهل والتطرف والإقصاء والعنف، وهذا يتطلب إعداد العدة لــــه. ولكن إذا ما تعــــدى الأمر ذلك إلى مشروع أكبر وأشمل وهو مشروع تأصيل التعليم، فهذا يقع في مستوى آخر أعلى يتطلب طاقات وأفكار وإعداد أكبر وأشمل. فهل تهتدي النخبة التونسية والسلطة الحاكمة والمجتمع المدنــي إلى أنسب الطرق لحل هذا الإشكال؟ هذا ما علينا التجند له جميعا ضمن مشروع تربوي وطني حداثي أصيل. 
كلمة أخيرة حول ما راج عن خصخصـــة التعليــــم الزيتونــــي: نقول بأي حق يتم بيع رأسمال ثقافي رمزي ومنظومة تعليمية أصيلة هي ملك لكل الأمة الإسلامية قاطبة والتفويت فيها إلى بعض رؤوس الأموال التونسيين أو الخليجيين أو غيرهم. من سيشتري ومن سيقبض؟ !! هذا أمر في عداد المستحيل عمليا وقانونيا وأخلاقيــــا ! السليم في نظرنا هو طرح مسألة تأصيــــل التعليــــم على قواعد سليمة ولا حـــرج عندئـــــذ أن يتــــوزع هذا التأصيل بين القطاعين العام والخاص،
على أن يتم ذلك في سياق استشارة وطنية واسعة النطاق تتآزر فيها السلطتان السياسية والروحية العلمية.
 الهوامش

 

(1) انظر مختار العياشي، الدولة المدنية والمسألة الزيتونية، أكاديميا، السنة الأولى، العدد السادس، جوان، 2012، ص.15.

(2) انظر عبد الواحد المكني، عندما كانت الزيتونة حصنا للتنوير، الفكرية، السنة الأولى، العدد الأول، جوان، 2012، ص. 27.

(3) انظر مثلا مداخلة الأستاذ جمال دراويل ضمن فعاليات هذه الندوة (عودة التعليم الزيتوني: هل يستجيب لمتطلبات المرحلة؟ تنظيم منتدى الجاحظ، تونس في 30 جوان، 2012) حول أسس الإصلاح العلمي الصحيح للتعليم الديني.

(4) أليس الصبح بقريب، المصرف التونسي للطباعة، ص. 230.

(5) يقول "تقريبا".

(6) هكذا كتبت و أكثر ما تعرف به بهذا الرسم: الخطى.

(7) حسن حنفي، دراسات إسلامية، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1، 1982، ص 57.