باختصار شديد

بقلم
سالم العيادي
الثورة في عيدها العاشر
 الشيءُ الّذي كان في الوقت ذاته مكمنَ قوّةِ الثّورة وضعفِها، وسرَّ وضوحِها الساطع ولبسِها الصَّارخ، هو أنَّها لم تكن ثورةً من منطلقٍ «نظريٍّ» ولا ثورةً بقيادةٍ موحَّدة. الثَّورة التونسيَّة كانت «حدثًا» بالمعنى الفلسفيّ العميق للمفهوم. وهي «حدثٌ» في صلبِ التاريخ بما هو صيرورة إنسانيَّة في حدود ما هو إنسانيّ من حيث نبلُه والطابع البطوليّ من ناحية، ومن حيث هشاشتُه وكلُّ أشكال التردُّد فيه، من ناحية أخرى: نحن نستكشف مجدَّدًا أنفسنا وقيمَنا ومعاني الانتساب إلى الوطن والعالم خارج كلّ المسلّمات والبداهات. ونحن أيضًا داخل مسار تاريخي افتتحه «حدث» الثّورة دون «مطلقات» فوق تاريخيَّة، ملِّيَّة كانت أو قوميَّة أو طبقيَّة ... الفعل في التّاريخ بأدوات التّاريخ ذاته: تلك هي الخاصيَّة الأساسيَّة للثّورة التّونسيَّة. ولذلك هي متعثِّرة رغمَ قوَّتها، ومسدَّدة رغم ضعفها.
أمَّا ما يرهق الثّورة فهو الميل الجارف - عند القصوويِّن - إلى تحريف الثَّورة داخل مقولات «المطلق». وأنا أذهب إلى أنَّ المكسب الجوهريّ الّذي تحقَّق للشّعب التّونسيّ إنَّما هو «الصّيرورة- شعبا»: صرنا «شعبًا» بالمعنى الفلسفيّ السياسيّ الّذي انبنى عليه صرحُ الحداثة السّياسيَّة. وكلُّ مقولات المطلق تقلقها هذه الصّيرورةُ بالذّات. وما برهن عليه الشّعب التّونسيّ في «صيرورته-شعبًا» يكمن في الأمر التّالي: الثَّورةُ ممكنة داخل عالمنا. وفي تقديري أنَّ التحقّق الفعلي لإمكان الثَّورة مشروط بصيرورة أخرى هي الآن موطن كلّ الصّراعات والاستقطابات داخليَّا وخارجيًّا، وهي صرورتُنا-دولةً.
ثمَّة شيءٌ من عدم التّساوق التّاريخيّ بين الصّيرورة-شعبا (فضلُ الشعب على النُّخب السّياسيَّة) والصّيرورة-دولةً (تقصير النّخب السّياسيَّة في حقّ الشَّعب).
ولمَّا كان حدثُ الثّورة حدثًا إنبلاجيًّا، وكان كلّ انبلاج إعلانًا عن ميلاد يوم جديد، وكان مدارُ اليوم هو العمل، فإنَّ الثّورة لا تبلغ قصدها إلاَّ بالعمل وفيه. وهذا ما لم ننتبه إليه بَعْدُ بسبب التأويل الغنائميّ للثَّورة.