باختصار شديد

بقلم
سالم العيادي
ماذا يعني أن تكون مواطنا في دولة حديثة - علمانيَّة؟
 ليس صحيحًا بالمرَّة أنَّ المواطن في دولة حديثة - علمانيَّة هو الشّخص الّذي يقبل بأن تحدِّد له الدَّولة نوع المعرفة الّتي ينبغي عليه أن يعلم وضرب الثقافة الّتي عليه أن يستهلك ونمط التديُّن الّذي يجب الانضباط له. بل لا تكون الدَّولة حديثة وعلمانيَّة إلاَّ بقدر ما تترك مجال الفكر والثقافة والدّين خارج سلطانها بوصفه مجال الحريَّة الفرديَّة والحياة الرّوحيَّة والمعنويَّة الخاصَّة.
والأمر لا يتعلّق بمنَّة تُستَجدى أو بمنحة قد يطيب للدّولة أن تهبها للناس وقد لا يطيب، وإنَّما يتعلَّق بموقف الفرد ذاته بوصفه صاحبَ الحقّ. وهكذا عندما أرى بعض نخبنا ومثقّفينا ينتصرون لموقف دولةٍ وهي ترسم للنَّاس المعنى الواجب للتديُّن وحدوده فإنَّي أراهم يتخلّون عن صفة المواطنة من حيث هي صفة قانونيَّة-سياسيَّة ويقبلون طوعا وصاغرين صفة الرّعيَّة، وإن كان ذلك انتصارًا لدولة يُظنُّ أنَّها نموذج الحداثة والعلمانيَّة. وحين يتعلّق الأمر بمواطنة كوسموسياسيَّة فإنَّه من المفترض أن يناضل الإنسان الحرُّ لأجل التقليص من سيادة الدَّولة المغلقة لا أن يدعو إلى تضخيمها.
الموقف الحداثي - العلماني هو الموقف المنتصر للفرد بوصفه الحامل القانونيّ للحقّ وللمجتمع المدنيّ بوصفه سلطة مضادَّة للدَّولة المحتكرة لوسائل الإكراه والعنف المادّي والرّمزي. لا يمكن لحداثي - علماني أن ينتصر للدّولة ضدّ الحرّيات وضدّ المجتمع المدنيّ، ولا يمكن له أن يقبل أن تتحوّل الدّولة إلى مؤسَّسة دينيَّة تملي على النَّاس عقائدهم وإن كان ذلك بالسَّلب.