فواصل

بقلم
ناجي حجلاوي
التّوراة، الإنجيل، القرآن، أيّة علاقة بينها؟
 فرضيّة البحث
تروم هذه الورقة تحقيق الفرضيّة التّالية: بيان أنّ هذه النّبوءات تنبع من مشكاة واحدة، وأنّ الدّين يريد الفهم والإفهام ولكنّ المؤمنين أرادوا الحُكم والإفحام. وأنّ النّور لا يخطئ ولكنّ العين هي التّي تخطئ في الإبصار، وأنّ الفضاء الفكريّ المشترك يجعل التّعارض بين الدّيانات الإبراهميّة مسألة عرَضيّة. ومن أهمّ مقوّمات هذا الفضاء المشترك نذكر النّقاط التّالية: الألوهية والأنسنة والدّفق الرّوحي.
مدخل 
إذا كانت التّوراة نبوءة موسى، والإنجيل نبوءة عيسى، والقرآن نبوءة محمّد، فإنّ نور النّبوءة هو نور العقل الفطري الذّي لا يُدرك إلّا بالتّجربة أو بالإشراق الإلهي، وهو منبع العلم ومهبط الوحي. ولمّا كان اللّه هو جوهر الحياة وواهب النّور، فإنّ كلامه الوارد عبر هذه النّبوءات لا يُفهم، على الوجه المطلوب، إلّا باعتماد التّفسير الوجودي. وحدها هذه المقاربة التّفهميّة تجعل من العقائد تجاربَ حيّة، وتجعل من النّصوص المقدّسة تحليلا لهذا الوجود الموضوعي المحتضن للوحي وتحقّقاته. 
إنّ العقل لمّا كان من مقتضيات الإيمان وواجباته  «اعقل كي تؤمن وآمن كي تعقل»(1)  و«إن لم تؤمنوا فإنّكم لن تعقلوا»(2)، فإنّ العقل يظلّ أعلى من السّلطة على حدّ عبارة «Origène» أورجين(3). والإيمان لا يتحوّل إلى وجود إلّا من خلال الفعل، فاللّه ذاته لا يتمّ إثباته بالبراهين وإنّما يتمّ ذلك من خلال آثار فعله. وهو أكثر الموجودات وجودا. فاللّه والعقل والإيمان كلّها مجالات تدعو الدّارس إلى رصدها باعتبارها مداخل ضروريّة تفضي إلى أرض مشتركة بين الأديان الإبراهميّة. 
1 - الألوهيّة 
يمثّل الوحي بمختلف أشكاله همزة الوصل بين الإنسان وخالقه. وبفهم هذه  النّصوص المقدّسة يتعلّق نوعان من الفهم: فهم منفتح وفهم منغلق. والفهم المنغلق هو الذّي يدّعي احتكار الحقائق، فتتحوّل العقيدة معه إلى سياج مغلق محشو بالأفكار المسبقة عن الآخر، وقد تُرجمت مظاهر هذا الانغلاق في بعض الشّعارات من قبيل «شعب الله المختار» أو «لا خلاص خارج الكنيسة» أو « الحلّ هو الإسلام» وهكذا ينعدم الحوار ويُستبدل بنبذ الآخر والشّعور بالاستعلاء. إنّ التّصوّر النّمطي الموحّد إزاء اللّه ذاتًا وصفاتٍ، ليس موحّدا في أذهان المؤمنين، وليس شرطا لصحّة توحيدهم. ففي نطاق الدّين الواحد يختلف هذا التّصوّر من شخص إلى آخر ، فما بالك بينهم في نطاق الأديان المختلفة؟ ومن كمال اللّه واتّساع الأديان وأريحيّة الإيمان أنّ اللّه لا ينحصر في تصوّر بعيْنه.  
إنّ الفهم المغلق إزاء النّصوص المقدّسة يُنتج هويّة منغلقة متحجّرة وقاتلة على حدّ عبارة أمين معلوف، هويّة تفتقر إلى الشّعور بالأبعاد الانتمائيّة المتنوّعة؛ ويبدو أنّ الحلّ الأوفق لتجاوز هذا الانغلاق يكمن في التّركيز على دراسة الظّاهرة الدّينيّة في عمومها وشمولها. ومفهوم الظّاهرة الدّينيّة يبني الشّخصّية في الإنسان الذي يتوق إلى التّأمل واكتساب التّجارب في مجال الألوهيّة، لأنّ اللّه موجود في كلّ التّجارب وكلّ الثّقافات على اختلاف تسميّاته(4). وهذه الرّؤية النّابعة من مفهوم الظّاهرة الدّينيّة تُساعد على إنتاج آليّات تفكير جديدة وأدوات تأويل معتمدة على مناهج أثبتت نجاعتها مثل المقاربة الانثروبولوجيّة والسّيكولوجيّة، فإذا اعتمد الدّارس على هذه الآليّات في إنتاج فهم جديد للنّصوص المقدّسة، فإنّه يصل إلى معرفة جديدة متعلّقة بالحياة الدّينيّة المشتركة. فالأزمة حينئذ معرفيّة بالأساس بأحوال الأنا قبل الوصول إلى أزمة معرفة الآخر. يقول المستشرق روجي أرنالديز في هذا الصّدد: «يُصبح المرء ضحيّة جهله بالآخر ورؤيته له لا كما هو بل كما يرجو له أن يكون»(5). إنّ المعرفة الدّينيّة المنفتحة تبوّئ العقل مكانة مرموقة لأنّه هو الكفيل بتجديد الرّؤى إزاء الإنسان وإزاء العالم.
إنّ النّصوص الدّينيّة المرتبطة بفكرة التّوحيد باعتبارها كونيّة فإنّها، ظاهريّا، يُلغي بعضها البعض ولكنّ الأمر في حقيقته يتمثّل في أن النّصّ إذا كان نظريّا وماهويّا مجرّدا فلا قيمة له أصلا في حياة الإنسان. وإنّما تكمن قيمته الحقيقيّة في ارتباطه بالسّياق التّاريخي والاجتماعي والثّقافي، وهكذا يتمّ تنسيب هذه الأفكار وربطها بظروف تنزيلها وظهورها، فكلّ نصّ يتشكّل من جوانب مصداقيّة شديدة الارتباط بظروف التّلقّي إلى جانب أفكار مفهوميّة قد تتجاوز الزّمان والمكان، ولكنّ الفهم الدّيني الضّيّق يجعل من الرّسالة الدّينية كلّها آيات مفهوميّة. 
إنّ ربط النّصّ بسياقه يخلّص المؤمن من عقليّة الإفحام ويدفعه إلى اعتماد الإفهام ويدعوه إلى التّخلّص من الكليّة والشّموليّة إلى الجزئيّة والنّسبيّة. لقد غفل المؤمنون بهذه النّبوءات الثّلاث عن أمر جليل هو أنّ وراءها نصّا عظيما مفاده أنّ السّماء تجعل نصب أعينها الأرض ومن عليها بالمحبّة والسّلامة، رعاية وعناية لضمان السّعادة والأمن، فاللّه قد سمّى نفسه بالمؤمن والسلّام لهذا الغرض. وما الحرب والكراهيّة والتّعصّب والتّنابذ إلّا ثمرة من ثمار الغفلة عن هذه الأعين السّماويّة الجليلة والجميلة من أجل الحفاظ على قيمة الإنسان، فما منزلة الإنسان في هذه النّبوءات؟ 
2 -الأنسنة 
يُقصد بالأنسنة، ما في هذه الدّيانات من حقوق متعلّقة بالإنسان.  فقد كان كلّ نبيّ يُرسل إلى قومه، يقول لهم:«قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»(6). ومعنى ذلك أنّ الشّريعة التي تتضمّنها النّبوءات، إنّما هي علامة دالّة على حبّ اللّه لعباده. وهذه الشّرائع حينئذ هي جملة قوانين وتعاليم تُساعد الإنسان على تنظيم حياته وتحقيق أمنه وسعادته. والنّتيجة الطّبيعيّة هي أنّ هذه التّعاليم هي مجرّد وسيلة إلّا أنّ المؤمنين بهذه الدّيانات جعلوا منها غاية. فبدلا من أن يعيشوا بالشّريعة أصبحوا يعيشون من أجلها. ولذلك قُتلت الأنفس في سبيلها ظُلما وعُدوانا واسمع لهذه الآية من أنجيل يوحنّا:«بلْ سَتَأتي سَاعَةٌ يَظُنُّ فِيهَا مَنْ يَقْتُلُكًم أَّنّهُ يُؤَدّي لله عِبَادَة» (7)  
إنّ حبّ اللّه لعباده في القرآن على سبيل المثال يتجلّى في كونه - تعالى - وضع اسمه الجليل مكان كلمة النّاس في قوله:«مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا»(8). والمقصود من ذلك: من ذا الذّي يقرض عبادي قرضا حسنا. إنّ الدّارس يلاحظ أنّ الإنسان هو الهدف الأساسي من إنزال هذه الرّسالات، ولولا الإنسان ما كان هناك موجب لإنزالها. والذّي لا شكّ فيه هو أنّ الإنسان مقدّم على العقيدة ذاتها لأنّ حياته أهمّ من تعاليم منظّمة قد يستغنى عنها في بعض الأحيان، وفي غيابها قد تتحقّق مطالب الإنسان الأساسيّة من الرّفاه الأمني والصحّي والرّخاء الاقتصادي ومثال ذلك ما يحصل في كوريا الجنوبيّة على سبيل المثال. وما غاية الدّين إن لم تكن هذه المزايا الماديّة والمعنويّة؟ إنّ هذا الفضاء المفتوح يجعل من الدّين تجربة حيّة مفتوحة تحترم المؤمن وغير المؤمن، لأنّ المهمّ احترام حقوق النّاس سواء عبَد الفرد الحجر أو الشّجر، لأنّ ذلك أمر شخصيّ تكفله القوانين والنّواميس. فما هو المرتكز المشترك الثّالث؟
3 -الدّفق الرّوحي
إنّ الإنسان لما كان بالنّفس النّاطقة وبالعقل إنسانا، فإنّ الزّاد الرّوحيّ الذي لا يعرف حدودا والدّفقات الرّوحانيّة هي الطّرق المشتركة بين الأديان الثّلاثة الموصلة إلى اللّه؛ وبالإضافة إلى وحدة النّاموس، فإنّ هذا الرّصيد المعنوي المفتوح يتجلّى كأحسن ما يكون، وهو الذي يجعل من التّمايز عامل توحّد وتفاعل أكثر من أن يكون عامل تفريق وتناحر. وفي الأنبياء أسوة حسنة، لأنّهم هم الذين علّموا الفلاسفة والحكماء والنّاس جميعا حبّ الحكمة وفكرة التّأملّ في الحياة ونظامها. وفي هذه الوظيفة كان كلّ نبيّ يكمّل الآخر إذ عبّروا جميعهم عن شيء واحد، وإن اختلف الأداء بينهم، وقد وردت في حديث نبوي الإشارة إلى هذا المعنى: « إنَّ مَثَلي ومثلَ الأنبياء منْ قَبلي، كَمَثَلِ رجلٍ بنى بَيْتًا، فأحْسَنَهُ وأجْمَلَهُ، إلا مَوْضعَ لَبِنَةٍ من زاوية، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفونَ بِهِ، ويَعْجَبونَ له، ويقُولونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هذه اللَّبِنَة؟ قال: فأنا اللَّبِنَة، وأنا خاتمُ النَّبيِّينَ»(9). وقد أكّد المتصوّفة بدورهم أنّ التّعارض بين الرّسالات أمر عرَضي، لأنّ الدّين في جوهره يتجاوز الأشكال عبر التّرقيّ الرّوحي. فهم قد تصوّروا أنّ كلمة اللّه الأبديّة المفعمة بالحبّ هي الحقيقة الكامنة وراء الشّريعة، شعورا وتذوّقا. وبذلك خالفوا علماء الكلام ورجال اللّاهوت الذين دافعوا عن اللّه أكثر من دفاعهم عن الإنسان فهذا «فجدا» «Vajda»ا (10) يقول في كتابه المحبّة الإلهيّة في اللّاهوت اليهودي من منظور اليهوديّة الرّبانيّة الحاخاميّة:«إنّ حبّ اللّه وخشيته ليسا فقط مجرّد نصيحة للتّقوى، بل مسواح أيّ نظام حياة ومبدأ إيجابي» .وهذا القول يتجاوب مع ما أشار إليه أبو حيّان التّوحيدي في كتابه الإشارات الإلهيّة: «ما أسعد من كان في قلبه وديعة اللّه بالإيمان، فحفظها حتّى لا يسلبها منه أحد»(11).
إنّه فضاء روحيّ رحب يلتقي فيه الأنبياء مع التّوحيدي، وباسكال، وابن عربي، والحلاّج، والقدّيس جان ديلاكروا،  والقدّيس أوغسطين، لأنّهم ينهلون جميعا من مشكاة واحدة، ويهتدون بنور واحد، والنّور لا يخطئ أبدا وإنّما الضّوء هو الذّي يضيء أحيانا وينطفئ أحيانا أخرى. 
خاتمة 
تظلّ المعرفة الدّينيّة جزءا من المعارف البشريّة تتطوّر بتطوّرها. أمّا إذا تحجّر المؤمنون ولم ينفتحوا على معارف عصرهم، فإنّ الدّين يصبح حجر عثرة أمام التّقدّم والتّطوّر. وكم تمسّك المتديّنون بتأويلات الفقهاء ورجال الدّين على اعتبار أنّها جزء لا يتجزّأ من الدّين نفسه. ولمّا كان الدّين مكوّنا من شعائر وشرائع وقيم، فإنّ الشّعائر تخضع إلى قانون التّغيّر من دين إلى آخر، ولا ضير إن اختلف الصّوم أو الصّلاة أو الزكاة أو الحجّ من ملّة إلى أخرى. وأمّا الشّرائع فقانونها هو التّطوّر لأنّ حياة النّاس خاضعة بدورها إلى التّطوّر بمفعول الزّمن. فلا عجب إذا خُفّفت الأحكام رحمة بالنّاس ومسايرة لعجلة التّقدّم. وأمّا القيم فرصيد أخلاقيّ ثابت ذو أبعاد كونيّة كالتّوحيد الخاصّ بالألوهيّة، وإن تجسّد المفهوم في شكل قوانين عامّة متحكّمة في حركة الكون والطّبيعة، مثل برّ الوالدين، وحرمة قتل النّفس، والاعتداء على اليتيم بأكل ماله، أو الظّلم وشهادة الزّور؛ وعليه فإنّ البلد الذّي تتحقّق فيه هذه القيم هو مجتمع صُنع على عين الله وإن لم يرفع شعارات دينيّة.
الهوامش
(1) عبارة شهيرة للقدّيس أوغسطين نقلا عن حسن حنفي، نماذج من الفلسفة المسيحيّة في العصر الوسيط، دار التّنوير للطّباعة والنّشر، بيروت، لبنان، ط1، 1981، ص14. 
(2) سِفر أشعياء -7 -6  
(3) لاهوتي ذو لسان يوناني، (نحو 185، 254)، وهو من أحد كبار المفكّرين المسيحيين في عصره. ومن اسمه اشتق المذهب الأورجيني. انظر MICRO ROBERT PLUS, rédaction dirigée par Alain Rey, Paris ,1988, p203.
(4) محمّد أركون، تجديد الفكر الدّيني، مقال ضمن كتاب جماعي بعنوان: تاريخيّة الفكر الإسلامي، ندوات منتدى الجاحظ الحلقة الأولى، ط1، تونس، 2006، ص 164
(5) روجي أرنالديز، ثلاثة رسل لإله واحد، ترجمة سعدي رشيد، أفريقيا الشّرق، المغرب، ط1، 2012، ص14.
(6) سورة آل عمران - الآية 31.
(7) إنجيل يوحنا، الإصحاح 16، الآية 6.
(8) سورة البقرة - الآية 245.
(9) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، تحت عدد 3535.
(10)جورج فاجدا هو مؤرخ فرنسي من أصل مجري. درس في المدرسة الحاخامية وفي جامعة بودابست. ثمّ التحق بفرنسا منذ سن العشرين وحصل على الجنسية الفرنسية عام 1931.امتلك معرفة قوية باللغات الكلاسيكية والعربية والعبرية والفارسية والتركية . من عام 1933 ، كان عضوًا في هيئة تحرير مجلة الدراسات اليهودية وأستاذ الدراسات التوراتية واللاهوت اليهودي في المدرسة الإسرائيلية.
(11) أبو حيّان التّوحيدي، الإشارات الإلهيّة، ج1، تحقيق عبد الرحمان بدوي، مطبعة جامعة فؤاد الأوّل، القاهرة، ط1، 1950، ص 103.