باختصار

بقلم
سالم العيادي
في ماهيَّة الدَّاعشيّ: فنُّ التَّعريف
 يمكن القول من خلال استقراء الواقع العربيّ والعالميّ الرَّاهن إنَّ ماهيَّة الدَّاعشيّ تكمن في النَّفي والتمانُع والسَّلب. وبناء على هذا القول يمكن تعريف الدَّاعشيّ على هذا النَّحو: هو من يرى أنَّ قيامَ وجوده لا يكون إلاَّ بنفيِ وجود الآخرين وأنَّ العلاقة بكلّ مختلفٍ مغايِرٍ هي بالضّرورة وعلى نحوٍ كليٍّ علاقةُ تمانُعٍ، فلا يقدر على تعريف نفسه إلاَّ بالسَّلبِ. وأمَّا العقائد والأفكار المبرِِّرة لحالة السَّلبِ هذه فليست إلاَّ من الأعراض الّتي لا فرق فيها بين يمين ويسار وبين فكرةٍ دينيَّة وفكرة لا دينيَّّة.
بعضُ الدُّول - حتَّى لا أقول جلّها - هي بهذا المعنى كيانات داعشيَّة وإن تزيَّنت بكلّ النظريَّات السياسيَّة المشرعِنة للعنف وإرهاب الدَّولة المسلَّط على المواطنين أو على الشّعوب الأخرى... فكلّ القوى العظمى الّتي كانت تُسمَّى «إستعماريَّة» هي إلى اليوم «داعشيَّة» بمعنى السَّلب هذا: لا ترى قوّتها إلا في إضعاف الآخرين ولا رخاءها إلاَّ في اضظهاد الآخرين ولا سيادتها إلاَّ في انتهاك حقوق الآخرين.
الوطن العربيّ الآن مستباح الأرض والعرض وهو واقع تحت أعتى أشكال «الدَّعوشة» خرابًا وهولاً: التفكيك الرّوحيّ لهذا الشَّيء الّذي نسمّيه وطنًا وأمَّة وذلك باستهداف «الفكرة» الّتي من المفترض أن تكون أساسًا لوجودنا الحضاريّ والسياسيّ. ومن علامات الانهيار الوشيك لهذه الفكرة أنَّ كلّ المشاريع المقترحة لهذا الوطن هي مشاريع تمانُعٍ داعشيّ، فلا أحد يرى في الآخر المغاير شريكًا وإنَّما مجرّد ضديدٍ ينبغي إلغاؤه.
هذا التمانع الداعشيّ هو الذي جعلنا اليوم أكثر الشّعوب وهنًا وضعفًا وانعدام أفق. فلا غرابة إذن في أن تتحوّل المنطقة العربيَّة برمَّتها إلى أرض مستباحة تغري كلّ الإمبراطوريَّات بالضمِّ والإلحاق. ولا أمل في استعادة السّيادة والنَّخوة إلاَّ بأن تُحقِّق الثورةُ أهدافها من حيث هي أوّلا وبالأساس انقلابٌ معرفيٌّ وروحيٌّ وأخلاقيٌّ جذريٌّ وعميقٌ. ومنوطٌ بهذا الإنقلاب أن يدفع الجميع إلى أن يعتني بفنِّ التَّعرف: أن تُعرِّف نفسك بالإيجاب لا بالسَّلب. هذا فنٌّ لا يقدر على جماليَّته إلاَّ ذوو الهمم الرّفيعة الّذين لا يلتفتون أصلاً إلى قبح الأنفس الخسيسة.