نقاط على الحروف

بقلم
احميده النيفر
الخطاب الدّيني الرّسمي وصراع المرجعيّات في تونس (1/4)
 في المفارقة التونسية الكبرى ‏
أول ما يدفع إلى الاهتمام بالخطاب الدّيني الرّسمي في تونس هو ما تكشفه مقارنة ‏خصوصيّة الوضع العام بين لحظتين تاريخيتين: اللّحظة الرّاهنة التي تَلتْ ثورة ‏‏17ديسمبر2010 – 14 جانفي 2011 إزاءَ ما كانت عليه الأوضاع في سنوات ‏‏1955-1956. عند اعتماد العنصر الدّيني في المقارنة بين الزّمنين يبرز فرق شاسع ‏بين تلك السّنوات الخوالي التي شهدت الإعلان عن الاستقلال السّياسي للبلاد ‏عن الحماية الاستعماريّة الفرنسيّة وبين ما بلغه اليوم الوضع في تونس. ‏
في خمسينات القرن الماضي كان الشّأن الدّيني مُهمَلاً يوشك أن لا يُذكر نهائيّا رغم ‏ما يتوفّر عليه من رموز ومواقف ومؤسّسات لم تتمكّن من التّصدّي لتغييب فعل ‏عناصرها عن حراك المشهد الوطني(1) ‏. ‏
اليوم وبعد ستة عقود انقلب الوضع بصورة كاملة إذ غدا حضور العنصر الدّيني ‏بارزا بصورة مركزيّة تركيبيّة لا تُخطِئُه العين ولا يتخطّاه أي توجّه أو نشاط رغم ‏تشظّي المؤسّسات والفعاليّات والمشاريع والبرامج الخاصّة به.  ‏
كيف حصل هذا الانقلاب الهائل وكيف يمكن أن نفسر هذه المفارقة ‏التّونسية المعاصرة في المجال الدّيني؟ وعلى أيّ أساس تُبيِّن النّخب التّونسية ‏التّحديثيّة هذا التّحوّل المذهل وهي التي ظلّت تعمل بكلّ ما أوتيت من نفوذ وجهد ‏في المجال السّياسي والاجتماعي والمؤسّسي ومنذ فترة ما قبل الاستقلال على ‏الاستئثار بالسّلطة ثمّ المثابرة على إقامة نظام لائكي في تونس؟ (2) ‏ ‏
يَندُر أن نجد إجابات دقيقة عن هذه التّساؤلات لأنّها تتطلّب مقاربة تقييمة لتجربة ‏الدّولة الوطنية التّحديثيّة خاصّة فيما يتعلّق بالشّأن الدّيني وبخطابها وسياساتها ‏المتّصلة به. لقد ظلّ القائمون بمراجعات موضوعيّة لتلك التّجربة في عمومها غير ‏مُهتمين بهذه المفارقة التّونسيّة اللاّفتة. إنّهم في الغالب الأعمّ بدوا وكأنّهم اعتبروا أنّ ‏مسألة «الشّأن الدّيني» في تونس قد حُسِمَتْ بصورة نهائيّة وأنّه لا داعي لتقييم ‏الاختيارات ومراجعة السّياسات. ليس غريبا بعد ذلك أن تُلاحظ نُدرة الوقوف ‏للإجابة عن التّساؤل الكبير الخاص بـ «الخطاب الدّيني» للدّولة التّونسية التّحديثيّة ‏في علاقته بما حصل من تحوّلات لافتة في المشهد السّياسي الوطني وتَجلّي فاعليّة ‏العنصر الدّيني منذ العقد الثّاني من القرن الحادي والعشرين (3) ‏. ‏
لذلك وسعيا إلى تفسير حصول هذا الانقلاب الهائل وغير المتوقّع فما سنعمل على ‏تناوله في هذا البحث يتركّز أساسا على هذين الجانين:‏
-1 طبيعة «الخطاب الدّيني في تونس» وإلى أيّ حدّ كان فعلا خطابا ‏‏ «دينيّا»؟ ‏
-2 الحفر في إمكان وجود علاقة ارتباطيّة بين ذلك الخطاب وبين ما ‏أصبحت تشهده الحياة التّونسيّة من تحوّل صار بمقتضاه الشّأن ‏الدّيني مركزيّا رغم كلّ جهود التّهميش والاستئصال.     ‏
غايتُنا من هذا البحث هو دراسة هذه المفارقة الكبرى التي يجسِّدها سؤالُ: لماذا لم ‏تتمكّن الدّولة التّحديثيّة رغم طبيعتها السّلطويّة الشّاملة واستتباعها الكامل لما بقي ‏من «مؤسّسة دينيّة» أن تنجح في سياستها «اللاّئكيّة» التّحديثيّة وأن تمكّن لفكرها ‏الوضعي أن يكون فاعلا حقيقيّا في الحياة العامّة؟(4) ‏
ما ننطلق فيه للإجابة يتمثّل في الفرضيّة التي تُرجِع الجانب الرّئيس من هذا ‏الفشل إلى طبيعة ذلك الخطاب الرّسمي. بهذا يمكن أن ندعّي أنّ الدّولة ‏التّحديثيّة في عقودها السّتة المتوالية وبما أرسته ممّا كانت تعتبره خطابا دينيّا ‏رسميّا قد مهّدت السّبيل لانقلاب الأحوال بصورة كاملة جعلت مُهمّشي ‏الأمس واليوم سواء أكانوا من أبناء وأحفاد الزّيتونيين القدامى أم ممّن درسوا ‏في المؤسّسة التّعليميّة الرّسميّة روّادا حاملين رسالة للهويّة الإسلاميّة محتلّين ‏بذلك صدارة المشهد السّياسي رغم كلّ جهود التّشويه والرّفض. في كلمة ‏موجزة، فرضيتنا في هذا العمل يمكن صياغتها في التّساؤل التّالي: هل إنّ «براقش» ‏قد جنت على نفسها؟ وهل إنّ معضلة «الخطاب الدّيني» الرّسمي كامنة فيه ‏وراجعة إلى طبيعته ونوع النّظام الفكري الذي كان يعتمده ويُلزم به؟  ‏
دولة الاستقلال والخطاب الجديد‏
نحتاج لبحث هذه الفرضيّة إلى بيان ما نعنيه بـ «الخطاب» لأنّ المقصود يتجاوز ‏المعنى اللّغوي السّائد والدّال على الكلام المُوضِّح لقضيّة شائكة والذي قد يكون في ‏نصوص أو في خُطب. خصوصيّة المعنى الذي نعتمده من «الخطاب» هو مفهومه ‏الاصطلاحي الحديث(5) ‏ والذي يدلّ على الفكر المتجسّد في كامل منتجاته ‏ونصوصه أي فيما يريد الكاتب أو المتكلّم أن يقدّمه من وجهة نظره وفيما يتلقّاه ‏القارئ من الأفكار كما استخلصها أو اختارها من النّص أو من مقول القول. ‏فالخطاب يشتمل على مقول الكاتب وقراءة القارئ وهو بذلك نسيجٌ أكثرُ ثراء ‏باعتبار أنّ المعنى في الخطاب ليس متناظرا ولا مكافئا للمفردات. إنّه بناء قائم ‏على مختلف مواد النّص حين تُفهم في تكاملها وبعد قراءة تركيبيّة لها فيها تقديمٌ وتأخير ‏وإبراز وإخفاء.‏
على هذا فـ«الخطاب الدّيني الرّسمي» في تونس الحديثة والمعاصرة يطرح أكثر من ‏قضيّة ضمن إشكاليّة كبرى تتعلّق بطبيعة هذا الخطاب وفيما اعتمده من رؤى ‏ومرجعيّة سواء أعلن عنها صراحة أو ظلّت من المسكوت عنه. ‏
تبعا لهذا فإنّ من أوّل ما يتبدّى للباحث في المفارقة التّونسيّة هو ما يظهر على ‏‏«الخطاب الدّيني» الرّسمي ممّا يمكن اعتباره نوعا من الالتباس. ما تبنّته النّخبة ‏التّونسيّة الحاكمة في جملة من مواقفها الكبرى وسياساتها التّعبويّة والتّربويّة ‏والاجتماعيّة والثّقافيّة التي واجهت بها تحدّيات الواقع الاجتماعي والذّهني وما ‏صاحبهما من أميّة وتصوّرات كان يُعبّر صراحة على احتكار التّغيير والعمل على ‏فرضه بالقانون لكنّه كان يوحي في ذات الوقت بافتقارٍ إلى عناصر الوضوح ‏والاتساق.‏
‏ لهذا كانت سياسات سنوات الاستقلال الأولى تبدو، في المجال الدّيني، فاقدة ‏لخيط ناظم ورؤية موحَّدة. كانت لذلك مُتأرجحةً بين الصّرامة الظّافرة الدّالة على ‏وثوق بأنّ الشّأن الدّيني قد حُسم أمره بصورة نهائيّة لا رجعة فيها وبين نوع من ‏عقلنة الاختيارات الرّسميّة المرتبطة بالمجال الدّيني مع إظهار قدرٍ من التّسامح ‏والمهادنة لمن كان غير موافق عليها.  ‏
ما يُفهم من عموم الأداء الرّسمي هو أنّ دولة الاستقلال في «خطابها الدّيني» ‏اختارت سياسة اليد الزّاجرة الضّاربة ذات القُفّاز المخملي. كانت واثقة من أنّ ‏انتصارها السّياسي حاسمٌ وممتدّ للأجيال القادمة لذلك لم تتردّد في استيعاب بعض ‏العناصر التّقليديّة والتّغاضي عن سياسات غير تحديثيّة لدعم خطّها السّياسي ‏الجديد. ‏
عند التمعّن في السّياسات اليوميّة نلاحظ أنّ اليد الحديديّة انطلقت في خطّتها ‏الحاسمة الإقصائيّة مُبكرةً فلم يمضِ على توقيع وثيقة استقلال تونس في 20 مارس ‏‏1956 أكثر من خمسة أشهر حتّى اتخذت الحكومة برئاسة الحبيب بورڨيبة قرارات ‏جريئة متعلّقة بالأحوال الشّخصيّة ونظام الأسرة (6). بعد سنة أُلغي نظام الأوقاف ‏العامّة والخاصّة وأُقرَّ توحيد القضاء والتّعليم بما أدّى إلى إلغاء التّعليم الزّيتوني ‏والقضاء الشّرعي بمجلسيه المالكي والحنفي (7) ‏.   ‏
حصل كلّ هذا دون أيّ نقاش أو تداول في شأن المؤسّسة الإسلاميّة ومستقبلها ‏وكأنّ القيادة الرّسميّة الجديدة لم تكن محتاجة للتباحث فيها مع ممثّلي المؤسّسة ‏الزّيتونية العريقة وبيان مسوغات اختياراتها. لذلك ظلّ التّساؤل قائما عن طبيعة ‏الحكم الجديد في علاقته بعموم موضوع الإسلام واستتباعاته التي صارت أقرب إلى ‏مسائل تراثيّة. ولقد ظلّ هذا التّساؤل الشاكّ في طبيعة الخطاب الرّسمي مُلحّاً ‏مُنتهيا إلى صمتٍ رافضٍ لاختيارات القيادة الجديدة وتوجهاتها الدّينية وما يمكن أن ‏تحقّقه سياسيّا واجتماعيّا وثقافيّا.  ‏
مثل هذا الوضع لم يكن خافيا على قيادة دولة الاستقلال، لذلك حرص رئيس ‏الجمهورية الحبيب بورڨيبة ومنذ الفترة الأولى أن يخاطب «الأمّة»، بمناسبة المولد ‏النّبوي ومن أعلى منبر جامع عقبة بن نافع بالقيروان، ليؤكّد رؤيته «التّحرّرية» ‏و«الاجتهاديّة» التي يَتَبَنّاها في العلاقة بالإسلام. في ذلك يقول الرّئيس « هذا محمّد ‏ﷺ لا يزال قائما فينا لا فقط بالإجلال والمحبّة وبالذّكرى العاطفيّة ‏بل بفيض مثاله الفعّال وبسيرنا على ضوء ما أبلغ من وحي ربّاني وما علم من حكمة ‏إلهيّة وما دعا إليه من عمل وجهاد في سبيل رفع منزلة البشر واكتمال العقل والرّوح ‏فيهم»‏(8)‏. ثم يضيف:«وقد استوحيتُ من سيرته الزّكيّة ﷺ ومن ‏تعاليمه الطّاهرة النّقيّة ما جعلته هديا لي في قيادة هذا الشّعب أيام كفاحه قبل ‏الاستقلال وفي سياستي لشؤونه بعد تحرّره واسترجاعه لمقاليد أموره»(9) ‏.‏
كيف نفسّر مراوحة الخطاب السّياسي الرّسمي إزاء المسألة الدّينيّة بين «عَلمانية ‏عمليّة» وبين توظيف سياسي حريص على تقليص حجم التّوتر بين الدّولة الجديدة ‏ورموز التّدين ومؤسّساته(10)؟ وهل يمكن اعتبار أنّنا إزاء خطاب رسمي واحد؟ ‏لماذا هذا الحرص على الاجتهاد بالوكالة عن أيّ جهد مؤسّسي مع اعتماد مواقف ‏حدّية قاطعة(11)وكيف يمكن أن نقيّم هذه السّياسة المُتقَلِّبَة بين الصّرامة والملاينة ‏والتي حرصت في عدّة مواضع على التّوصّل إلى تسويّة؟  ‏
على خطى الفكر الوضعي:‏
للإجابة نُسارع بالقول إننا‎ ‎أمام «خطاب» يحرص أن يكون واحدا ومُتّسِقًا إلّا أنه ‏كان في حقيقته تَـرْميقًا (‏Bricolage‏) أو تلفيقا لأن النظام الجمهوري الجديد كان ‏مُسارعا في خطّ سيره وفيما يريد تحقيقه في المجال الدّيني. لذلك لم يجد بُدًّا من ‏الاستفادة من الخطاب السياسي السابق له والذي اعتُمِد في المملكة ‏التونسية إبّان العهد الحسيني(12)‏. هذه الاستفادة ستزرع أوّل جذور الالتباس ‏في الخطاب الرّسمي الذي ركّزته دولة الاستقلال في علاقتها بـ «المؤسسة الدينية» ‏المحليّة. يكمن مصدر هذه الإعاقة في أنّ الخطاب الرّسمي له من جهة سلّم أولويّات ‏تحديثي في المستويين السّياسي والاجتماعي لكنّه كان في ذات الوقت يعيد إنتاج ‏ما كان عليه الشّأن الدّيني من استتباع في علاقته بالدّولة الحسينيّة. ‏
إلى جانب هذه الإضاءة الأولى للسّياق الموضوعي والتّاريخي لا بدّ من التّأكيد على ‏المحدّدات الإيديولوجيّة للنّخب الجديدة الحاكمة دفعت إلى مؤثّرات مُغايرة لذلك ‏السّياق الموضوعي. إزاء هذا وذاك مثّلت الخصائص الفكريّة والعلائقيّة لعموم ‏رجال الشّرع الإسلامي في تونس الحديثة عنصرا ثالثا لم يزد جذور الالتباس إلاّ ‏حدّة.  ‏
لهذا وعند السّعي للوقوف على أولويّات دولة الاستقلال في خطابها الدّيني الرّسمي ‏ينبغي أن نولي المسألة النّظريّة الإيديولوجيّة للنّخب الحاكمة عناية خاصّة من خلال ‏مسعاها «الوضعي» الذي قاد خطّتها الثّلاثيّة في هذا المجال. ‏
في مستوى أول من هذا التّوجه الإيديولوجي هناك استدعاء لمبدأ الاجتهاد ‏باستفادة الحاكم منه. في هذا يقول الحبيب بورڨيبة :«إنّ الدّين الإسلامي قابل ‏للتّطور وصالح لكلّ زمان ومكان وأنّ ما جاء على لسان الفقهاء والمجتهدين في صدر ‏الإسلام من تأويل لأصول الدّين قد لا يكون متماسكا مع العصر الحديث»(13)‏. في ‏مستوى ثان تستعيد أطروحة الدّولة الحديثة ما كان اعتمده رجال الإصلاح في ‏القرن التّاسع عشر من مقولة «المنافع العموميّة» التي تَفْصِل نظريّا وعمليّا بين ‏الثّقافة الغربيّة ومبتكراتها التّقنية من جهة وبين السّياسات الغربيّة تجاه العالم ‏الإسلامي من جهة ثانية. ‏
يضيف الخطاب الرّسمي في تونس المستقلّة إلى المبتكرات العلميّة والتّقنية التي أقرَّ ‏الإصلاحيّون الأخذَ بها النّظمَ الاجتماعيّة والسّياسيّة والفكريّة للحضارة الغربيّة. في ‏هذا نقرأ للحبيب بورڨيبة قوله:«نحن نعتقد أنّ الأديان جاءت لتحقيق مصالح ‏البشر وخاصّة الدّين الإسلامي الذي هو صالح لكلّ زمان ومكان ولا تتعارض ‏أحكامه مع أيّ عمل يؤدّي إلى المدنيّة ورفع مستوى الأمم»(14)‏. بناء على ذلك نصل ‏إلى المستوى الثّالث الخاصّ بشرعيّة الدّولة والمؤكّد للمفهوم الوضعي للقانون. في ‏هذا نقرأ أنّه «طالما أنّ للدّين أهدافا دنيويّة منفعيّة مماثلة لأهداف القانون، فإنّه لا ‏منافاة بين ما جاء به القانون الجديد والقرآن»(15) ‏. ‏
نقطة الارتكاز في هذه الخطّة الثّلاثيّة المؤسّسة للنّظام الجديد بقاعدته الفكريّة «الوضعيّة» تتمثّل في تثبيت شرعيّة الدّولة وأساس بنيتها القانونيّة. في هذا الخصوص ‏يقول مؤسّس الدّولة الحديثة : «لا جدال في أنّ القانون ينبغي أن يساير ظرفنا ‏الحاضر ويتطوّر تبعا لما بلغه المجتمع في طوره الانتقالي».(16) ‏ 
من ثمّ أمكن القول إنّ جوهر الخطاب «الدّيني» الرّسمي اعتمد خطّة تحديثيّة ‏متدرجة قائمة على تجاوز سريع «للمؤسّسة» الدّينية العريقة لاعتقاده أنّها لا تنفك ‏مُتشبِّثة بفهم تجاوزه الواقع لتعاليم الإسلام في خصوص طبيعة الحكم من أجل تركيز ‏مرجعيّة جديدة للدّولة عبر المفهوم الوضعي للقانون.    ‏
لذلك كانت الغاية من جملة الخطب والمواقف والقرارات الرّسمية التي أقرّتها الدّولة ‏بحزم في المجالات الاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة القطع مع مقومات المرجعيّة ‏الدّينيّة السّائدة في الحكم. أساس هذا التّوجه هو اعتبار القانون ظاهرة حياتيّة ‏لا تختلف عن أيّ ظاهرة طبيعيّة لذلك أصبح تعبيرا عن إرادة المشرّع أي ‏الدّولة بمؤسّساتها وحسب ما تقتضيه العوامل الواقعيّة الاجتماعيّة ‏والاقتصاديّة والسّياسيّة. ‏
مؤدّى هذا الفكر الوضعي تحوّلُ شرعيّة سَنِّ القوانين من المصدر الدّيني ونصوصه ‏وعلمائه ومؤسّساته إلى القائمين على شؤون الدّولة الجديدة في رفضهم للاعتراف ‏بالأفكار المسبقة للقانون، أو المبادئ والقيم الخالدة. في عبارة جامعة أصبحت دولة ‏التّحديث في تونس هي المصدر الأوحد للقاعدة القانونيّة إذ لا تلتزم فيما ‏تصدره من قوانين وتنظيمات إلاّ بسلطتها التّشريعيّة.‏
ما لا ينبغي أن نغفله بخصوص سُلَّم الأولويات الذي اعتمده القائمون على نظام الحكم ‏الجديد هو أنّهم كانوا في فكرهم السّياسي يتمثّلون بوضوح خصوصيّة التّجربة ‏الفرنسيّة في حكم جمهوريتها الثّالثة(17)‏. لقد عايش الشّاب الحبيب بورڨيبة وأقرانه ‏فترة تعلُّمِهم العالي في فرنسا عشرينات القرن العشرين النّموذجَ المميّز لتلك الجمهوريّة ‏الثّالثة بخصائصها المحوريّة الصّميميّة الأربع: تركيز رابطة الهويّة الوطنيّة – ‏استقرار النّظام الجمهوري بصورة غير مسبوقة- صدور القوانين التّأسيسيّة ‏للتّعليم العمومي المجاني واللاّئكي- تحقّق تحولات اجتماعيّة هامّة. من هذا ‏النّموذج الرّباعي انبثق المشروع السّياسي التّحديثي وعنه صدر الخطاب الرّسمي ‏الذي لم يكن دينيّا بالمعنى الدّقيق الذي يحيل على مرجعيّة شرعيّة - خلقيّة ‏ومؤسّسيّة - اجتماعيّة للإسلام بقدر ما كان خطابا جمهوريّا لتأطير الإسلام وتحييد ‏فاعليته في تونس الحديثة.   ‏
ضمن هذا التّوجه الرّسمي، الفكري والتّشريعي والمرجعي، كان بُناة الدّولة الحديثة ‏يدعمون المشروع الجديد في الحكم بسياسة دعائيّة واسعة وكاسحة. اعتمدوا في ذلك ‏بصورة مُعلنة ومكثّفة نشاط أساتذة وأدباء وإعلامييّن تونسييّن قاموا بحملة ممتدّة ‏ضمن حراك توعويّ مركّز في المؤسّسات التّعليميّة والثّقافيّة والإذاعيّة ثمّ التّلفزيّة. من ‏أبرز الأسماء التي دعّمت هذه الحملة نذكر في المقام الأول الأديب محود المسعدي ‏الذي نقل توجّهات الدّولة الجديدة لحيّز التّطبيق في مجال التّعليم الرّسمي الموحّد ‏بمشروع إصلاحي انطلق مع مفتتح السّنة الدّراسية 1958/1959 وظلّ قائما عليه ‏في وزارة التّربية القوميّة لأكثر من عشر سنوات، وهي أطول فترة تولّى فيها وزيرٌ ‏شؤون تلك الوزارة. إلى جانبه كان الأستاذ المفكّر محجوب بن ميلاد بدروسه ‏ومحاضراته ومنشوراته في الفلسفة والفكر الإسلامي من أكبر دعائم سياسة الحبيب ‏بورڨيبة الذي كان يصفه بأنّه:«محرّر الأمّة التّونسيّة ...وباني كيانها في ضوء العبقريّة ‏العقليّة»‏(18) والذي اشتهر ضمن تلك الحملة بالتّشهير المتواصل بإفلاس الفقهاء. في ‏هذا الخضم برزت أيضا  الكاتبة المناضلة، اللّبنانية المولد والتّونسيّة الإقامة، ناجية ‏ثامر التي تألّقت في مجال الرّواية والإذاعة والتّوعية الاجتماعيّة فضلا عن عضويتها ‏في الاتحاد النّسائي التّونسي، واتحاد الكتّاب التونسيين(19)‏. ‏
هذه العوامل، على أهمّيتها البالغة، لا ينبغي أن تُنسينا الوجه الآخر من معضلة ‏الخطاب «الدّيني» الرّسمي في تونس وهو الوجه المتعلّق بالإرث الحسيني في تعاطيه ‏مع شأن الإسلام من جهة وبالنّظام الفكري الذي استقر عليه عموم رجال الشّريعة ‏التّونسيين. بناء على هذا التّركيب الثلاثي عملت دولة الاستقلال على إرساء ‏خطاب رسميّ للإسلام مقطوع عن أيّة حاضنة مؤسّسيّة ومجتمعيّة قصد الحسم ‏لصالح التّوجه التّحديثي الوضعي.‏
الهوامش
(1) هي مقولة الزّعيم الحبيب بورقيبة مع شيوخ الزّيتونة في سنوات الاستقلال الأولى التي اعتبر فيها أنّه لا يراهن عليهم لأنّهم جواد خاسر، انظر مقالنا الصّادر بجريدة الصّباح التّونسية الجمعة 18-12-1987. 
(2) انظر موقف الشّباب الدّستوري العائد من فرنسا (حامد القروي – عبد المجيد شاكر) في ندوة حصلت في صيف 1955، راجع احميده النيفر، «الدولة الإسلامية حديثة وأكثر»، مجلة 15/21 عدد 16 سنة 1988 ص ص 8-14.
(3) انظر على سبيل الذّكر محمود الذوادي، «العلاقة بين شخصيّة بورقيبة وأزمة الهويّة في المجتمع التونسي الحديث» مجلة دراسات عربية عدد 11-12 \ 32 سبتمبر - أكتوبر 1996 ص 116 ومصطفى كريم، «تأملات في شخصيّة بورقيبة» تعريب عبد الجليل التّميمي ضمن «الحبيب بورقيبة وإنشاء الدّولة الوطنية قراءات علميّة للبورقيبيّة» منشورات مؤسّسة التّميمي للبحث العلمي والمعلومات، أفريل 2000 ص 13، وعدنان منصر، «دولة بورقيبة 1956-1970»، صفاقس 2004 وعبد الرزاق الحمامي، «الفكر الإسلامي في تونس» (1956 - 1987) مركز النشر الجامعي تونس 2005، ولطفي حجي، «بورقيبة والإسلام: الزعامة والإمامة» دار الجنوب للنشر تونس 2004، وآمال موسى «بورقيبة والمسألة الدينية»، دار سراس تونس 2008. 
انظر أيضا: 
Ben Salah Hafedh, Système politique et système religieux en Tunisie, Mémoire pour D E S en sciences politiques, 1973-1974 ; Ben Hammed Med Ridha,Laïcité et fondamentalisme en Tunisie R T D , 1985.  
(4) يعتبر الباحث الاجتماعي التونسي  «عبد القادر الزغل « أن الدولة التونسية كانت أيام حكم الرئيس الحبيب بورقيبة لائكية مستدلا لاستتباعها مجالات التعليم والاجتماع والثقافة وهو نفس الموقف الذي ذهب إليه المؤرخ «هشام جعيط «الذي اعتبر بورقيبة لائكيا غير معاد للإسلام، راجع محمد الحبيب الهيلة بورقيبة والإسلام، مشاركة في المؤتمر العالمي الثاني المتعلق بتاريخ الفترة البوقيبية «بورقيبة والبورقيبيون»  نشر ضمن أعمال المؤتمر إعداد وتقديم الدكتور عبد الجليل التميمي مؤسسة التميمي/ زغوان تونس 2000.
(5)  يعرّف «ميشال فوكو» الخطاب أنه «النصوص والأقوال كما تعطي مجموع كلماتها ونظام بنائها، وبنيتها المنطقية، أو تنظيمها البنائي» ويعرفه «هارتمان» و «ستورك» أنه «نص محكوم بوحدة كلية واضحة يتألف من صيغ تعبيرية متوالية تصدر عن متحدث فرد يبلغ رسالة ما». أما الفرنسي «أوليفي روبول» فيرى أن المقصود بالخطاب عدة معانٍ: المعنى الشائع وهو مجموعة منسجمة من الجمل المنطوقة والمعنى اللساني المختزل الذي يدل على جمل متوالية مشكّلة لرسالة أما المعنى اللساني الموسع فيدل على مجموعة من الرسائل بين أطراف مختلفة تعرض طبائع لسانية مشتركة.
(6)  خفايا وأبعاد الاستقلال: ترأس الطاهر بن عمار حكومة التفاوض وأمضى الاتفاق الحاسم
http://www.turess.com/alchourouk/7742
(7)  حصل إلغاء نظام الأحباس الخاصة والمشتركة قبل إعلان الجمهورية في تونس وقد كان بناء على قرار من الوزير الكبر الحبيب بورقيبة وموافقة محمد الأمين باشا باي صاحب المملكة التونسية، راجع الأمـر العلي المؤرخ في 18 جويلية 1957 (20 ذو الحجة 1376) الرائد الرسمي عدد 58 بتاريخ 19 جويلية 1957.
(8) راجع خطاب الحبيب بورقيبة « الإسلام دين الحياة» في 3 سبتمبر 1960، نشر كتابة الدولة للأخبار والإرشاد 1965، المطبعة الرسمية تونس، ص 5.  
(9) المرجع السابق.  مثل هذا لم يمنعه في مناسبات تالية أن يقول سنة 1974 في الرسول عليه الصلاة والسلام كلاما مناقضا مما يدل على أن الخطاب الديني الرسمي فيه اضطراب ويعسر نعته بالديني، انظر رسالة بن باز 
http://www.binbaz.org.sa/mat/8204. 
(10) راجع خاصة موقف الرئيس بورقيبة في مناقشات المجلس القومي التأسيسي (1956-1959) المكلف بوضع دستور دولة الاستقلال وكيف حسم الخلاف بين الكتلتين المختلفتين في خصوص أسس الدولة الحديثة ومرجعيتها، انظر عبد الجليل بوقرّة المجلس القومي التأسيسي، شهادة الكفاءة في البحث، مرقونة، تونس سبتمبر 1986.
(11) لم تتردد تلك السياسة في البطش ببعض مشائخ الزيتونة ممن ووجهوا بالعزل والإبعاد والإيقاف والإهانة ذلك ما جرى مثلا للشيخ المختار بن محمود وللشيخ عبد الرحمن خليف والشيخ محمد البشير النيفر.
(12) تنسب الدولة الحسينية التي حكمت تونس إلى مؤسسها حسين بن علي من سنة 1705 إلى سنة 1957. للتذكير فقد تعاقبت على تونس (أو إفريقية قديما) منذ الفتح الإسلامي إلى قيام الدولة الحسينية ست دول وكانت أطول فترات الحكم التي شهدتها البلاد مع الدولة الحفصيين ثم تليها الدولة الحسينية.
(13) خطب الحبيب بورقيبة 1956 ج 2 ص 262. 
(14) م. س. ص 38.
(15) م. س. ص 40.
(16) الحبيب بورقيبة خطب 1965-1966 ج 21 ص 136.
(17)  تميزت الجمهورية الثالثة في فرنسا (1870 - 1940) بكونها فترة حراك سياسي حاد رغم أنه بعيد عن كل نزوع ثوري مما جعل المؤرخين يصفونها بأنه فترة نشوء فكرة « فرنسا أمة سياسة». راجع: 
     Jean-Marie Mayeur La Vie Politique sous la IIIe République, éd. du Seuil, 1984.  
(18) راجع محجوب بن ميلاد في سلسلة تحريك السواكن في سبل السنة الإسلامية، دار بوسلامة للطباعة والنشر، تونس 1962.   
(19)  لناجيية ثامر عدد من المؤلفات الأدبية، منها: المرأة والحياة 1956، وعدالة السماء 1956، وأردنا الحياة 1964، وسمر وعبر 1972، وحكايات جدتي 1977 (قصص للأطفال)، التجاعيد 1978، ومعاناة 1984 (مسرحية) كما كان لها عدد كبير من التمثيليات الإذاعية فضلا عن مشاركتها في عدد من برامج التلفزيون التونسي خاصة برنامج «مسرح الحياة».