أسماء الله الحسنى

بقلم
الحقّ ـ القويّ ـ العليّ ـ الأعلى
 مازالت الرّحلة المعرفيّة العذبة مع أسماء اللّه سبحانه متواصلة على أساس تقديم الأسماء الأكثر ذكرا وورودا في الكتاب العزيز على غيرها على أنّ كلّ ما يرد هنا نسبيّ لا يدّعي له المرء كمالا ولا إحاطة إذ كلّما تقدّمت في الرّحلة شوطا إلاّ إزددت إدراكا أنّ الإحاطة بأسمائه سبحانه لا أمل فيها ليس إحصاء فحسب، فذاك مفهوم، ولكن عدّا كذلك فلا يحيط بمن هو بكلّ شيء محيط محيط وللّه المثل الأعلى سبحانه.
الحقّ
ورد هذا الإسم زهاء تسع مرّات وعادة ما يقترن بغيره كما سنرى في الإبّان إن شاء اللّه. وقبل المضيّ لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذا الإسم «الحقّ» أطلق مرّات كثيرات على الكتاب العزيز وعلى الدّين الذي جاء به وغير ذلك. هو إسم مشترك إذن. دعنا الآن مع ظلاله الدّلاليّة. أصله : الحقق أي من الجذر «ح ق ق». وإنّما لمّا دخل عهد الكتابة والتّدوين إستعيض بالتّشديد عن الحرف المكرّر. مذهبي في تحديد الدّلالة اللّغويّة لأيّ كلمة هو المنهج الصّوتي أي إستقراء الظّلال الصّوتيّة التي يلقيها نطق الكلمة بحروفها. أوّل ما ينبغي له أن يشدّك هنا هو أنّ «الحقّ» كلمة تنطلق من الحلق بحرف «ح» الحلقي الغائر لتعود إلى المخرج ذاته أي الحلق مرّة أخرى ولكنّ الأيلولة الحلقيّة تقع على حرف مفخّم وهو حرف «ق» بل إنّ تلك الظّلال تزداد وضوحا إذ أنّ ذلك الحرف المؤول إليه يتكرّر مرّتين. لا ريب في أنّ المعنى المنشود لن يكون إلاّ دلالة عظمى كبرى. كيف لا وهي صنيعة حرفيّ حلق غائرين والثّاني منهما مشدّد مكرّر ومفخم. الإتجاه العامّ لهذه الكلمة إذن تجلّى. الحقّ لغة هو ما ثبت ورسخ ووضح وتجلّى وظهر، فهو أمر ثابت ثبات الحاء في حلقها ومهما شغب عليه الشّاغبون، فإنّ ذلك الحقّ يعود إلى ثباته ورسوخه عود آخره أي حرف القاف إلى ذلك الحلق الغائر ذاته بل هذه المرّة يعود مقلقلا مشدّدا مفخّما. 
حقّ الشيء أو الأمر أي ثبت وظهر وبان للنّاس جميعا فلا ينكر. الحقّ في الحقيقة أمر يعسر تعريفه لأنّه لا يخفى. وأعسر شيء أن تبرز أمارة على ضوء الشّمس الذي يملأ الدّنيا أو على الشّمس ذاتها التي تكلّ الأبصار. الحقّ في ظهوره وجلائه مثل الشّمس في رائعة النّهار لا يبتغى لها دليلا إذ هي الدّليل. الحقّ هو الدّليل الذي به يستدلّ ولا يُستدلّ عليه ولذلك قال الأقدمون : «إنّما يُعرف الرّجال بالحقّ ولا يُعرف الحقّ بالرّجال».
من الأفعال التي سيقت في الكتاب العزيز والتي تشتق من هذه الكلمة فعل «حاق، يحيق، حيقا» أي أحاط إحاطة شاملة كاملة، فلا مناص منه ولا مفرّ. ذلك هو مثل الحقّ إذ يحقّ. اللّه هو الحقّ لأنّ العلم به فطرت عليه النّفوس وجبلت عليه الأرواح. كيف لا وفرعون ذاته لمّا أدركه الغرق إعترف به وقد كان من قبل يدّعي أنّه هو الإله والربّ؟ بل سمّى نفسه في سورة النّور المدنيّة : الحقّ المبين. وسمّى كتابه الحقّ. ضدّ الحقّ هو الباطل والضّلال. كما وصف نفسه أنّه يهدي إلى الحقّ. من الكلمات الواردة من جذره قول موسى عليه السّلام «حَقِيقٌ عَلَىٰ أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّّ»(1). كلمة «حقّ» تستخدم بصيغة حاليّة «رجل حقّ أي يلزم الحقّ دوما». حقيق : تصغير حقّ. التّصغير هنا يعني شدّة اللّزوم واللّصوق. ذلك هو الحقّ سبحانه فهو الحقّ وما يصدر عنه هو الحقّ وذلك ليحقّ الحقّ سبحانه في الأرض.
القويّ
جذر هذا الإسم «ق و ي». وفعله : قوي يقوى قويا وقوّة، فهو قويّ. المفتاح الصّوتي يرشدنا كالعادة إلى أنّ اتجاه الإسم هو اتجاه العزّة و الكبر والعظمة والغنى وذلك بسبب إفتتاحه بحرف مفخّم هو القاف. جاء مقترنا بإسم «العزيز» وبإسم «المتين» وغيرها وقد ورد هو نفسه زهاء تسع مرّات. لمّا إعتدت عاد بقوتها قائلة «من أشدّ منا قوّة؟» قال لهم سبحانه «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً؟»(2). أصل القوّة مادّي وهي ما يتّخذه الإنسان تحصّنا من أسباب الضّعف ونشدانا للغلبة ولذلك أخبرنا سبحانه أنّ النّار سبب من أسباب التّقوي والتّحصّن والغلبة وخاصّة للمسافرين والمنقطعين ولمن ينشد قوّة بصفة عامّة، فقال سبحانه «نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ»(3). أي للمسافرين في الأصل ولكن سيقت مساق الغالب فحسب، وإنّما النّار ـ بما هي مصدر قوّة وغلبة ـ متاع لمن ينشد القوّة والغلبة والحصانة في كلّ زمان وفي كلّ مكان. عدا أنّ اللّه سبحانه قويّ بكلّ معاني القوّة إذ هو القويّ الذي لا يقهر ولا يغلب وهو القويّ الذي يقوّي من يشاء بما يشاء ولذلك أمر الأمّة بإعداد القوّة كلّ قوة. كما سمّى نفسه : ذو القوّة. وسمّى ملكه جبريل : «ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ» (4). كما وصفه في موضع آخر بقوله : «شَدِيدُ الْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ» (5). 
قوّة الله سبحانه ظاهرة جليّة في ملكوت السّموات والأرض وفي تضاريس الطّبيعة ودوراتها ومنها الرّعد الذي يسبّح بحمده سبحانه. قوّة اللّه تختلف عن قوّة أيّ قويّ بسبب أنّه يجمع القوّة مع الغنى والقدرة مع القهر والعزّة مع الحكمة وهو المتين الذي لا تخرق قوّته وهو القويّ الذي لا يتقوّى أحد إلاّ بإذنه.
العليّ
ورد هذا الإسم زهاء ثماني مرّات. وردت معرّفة «العليّ» ووردت نكرة «عليّ». أصل الفعل هو : علا، يعلو، علوّا، فهو عليّ. وردت مقترنة مرّة مع «الكبير» ومرّة مع «العظيم» ومرّة مع «الحكيم» وهو إقتران منسجم إذ أنّ من لازمات العلوّ العظمة والكبر والحكمة. يدرك المرء بالفطرة والسّليقة أنّ الشّيء العليّ هو كبير وعظيم وغنيّ وعزيز وغير ذلك من أسماء القوّة التي رأينا إستقراء أنّها الأكثر ورودا في الكتاب العزيز. من شأن من تعلو مراتبه في النّاس أن يخشى ويتّقى وأن يطمع فيه ويهاب. أصل العلوّ مادّي كقولك علوت الدّابة أو ظهرها أو الدّار أو الشّجرة ولكن المجاز غلب على اللّسان العربي. 
علوّ الله سبحانه هو علوّ القهر والعزّة التي لا تدرك، ومن ذا مهما طوّحت شطحات المشركين بعيدا وكبرا فإنّها فاءت إعترافا بأنّ اللّه سبحانه هو الخالق بل هو الرّازق بل هو المدبّر ولكن الإلف أو الكبر أو سرطان التّقليد هو الذي حبسهم عن عبادته وحده سبحانه. أخبرنا سبحانه أنّه يبغض الذين يريدون علوّا في الأرض وأنّه يحبّ الذين لا يريدون فيها علوّا لأنّ العلوّ يقتضي التّكبّر والتّكبّر صفة محمودة للّه وحده سبحانه. «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»(6)
الأعلى
الأعلى والعليّ من جذر لغوي واحد هو «ع ل و». عدا أنّ «الأعلى» صيغة مبالغة على وزن «أفعل» من الفعل ذاته : علا الذي أصله : علو ولكن تيسيرا إستعيض بالألف عن الواو. أي أنّه أعلى من كلّ من يتطاول علوّا وكبرا ولكنّه لا يذكر الأدنى منه سبحانه إذ أنّ المقارنة بينه وبين خلقه لا تليق بتفرّده بالإلهيّة ولذلك نقول : «الله أكبر» ولكن لا نقول : «الله أكبر من كذا أو أعلى من كذا». هو أكبر وكفى وهو أعلى وكفى وليس هناك من ينافسه حتى نذكره. 
إسم «الأعلى» جاءت به سورة مكّية قصيرة بدأت بقوله «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى»(6). ولم يرد هذا الإسم إلاّ مرّات قليلات. أمر عليه السّلام النّاس بقولها تسبيحا في السّجود وهو تطابق عجيب إذ يذكر السّاجد وهو الأدنى بحركة سجوده الأعلى سبحانه وذلك إعترافا له بالعلوّ سبحانه. فهو العليّ مطلقا وهو الأعلى لمن يحدّث نفسه أنّ له من العلوّ شيئا. كما سمّى نفسه: «المتعالي» وذلك في قوله «الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ»(7) . ولكنّه لم يسمّ نفسه «العالي» كما وقر عند النّاس ولذلك يقولون : عبد العالي وسنعود إلى هذا بحوله سبحانه.
مشكلات التسميّ
تختلف أنظار النّاس هنا بين متشدّد وبين موسع، فمنهم من يسمّي اللّه سبحانه بفعله وقد تطرّقنا إلى هذا في بداية هذه السّلسلة، ولذلك درج النّاس على تسميته سبحانه أنّه الضّارّ ولم يسمّ نفسه بذلك ولكن أخبر أنّه يفعل ذلك. والمشكلة هي هل نعدّي الفعل ليكون إسما أم نقصر نشدانا لتنزيه مطلوب؟. 
الخلاف هنا هو مثل الخلاف العقدي المعروف قديما بين طائفة المفوّضين وطائفة المثبّتين وطائفة المؤوّلين وكلّهم للتّنزيه الإلهي من النّاشدين، ولكن تختلف الإجتهادات ولا ضير عندي هنا ولا هناك ومن ذلك تعلّقا بما نحن اليوم بصدده من أسمائه سبحانه أنّ بعضهم يشنّع على من يتسمّى بالهادي بسبب أنّه سبحانه تسمّى بذلك، ولكن هؤلاء ينسون أنّ عليّا إبن أبي طالب تسمّى بذلك أي بإسم «عليّ» وهو إسم ثابت له سبحانه وعندما أراد عليه السّلام تغيير بعض أسماء الصّحابة من مثل صخر وحرب لم يفعل ذلك مع عليّ وهو وليّه ولاية عائليّة وهي الولاية التي بها منعه من الجمع على فاطمة. 
المتسمّي بالهادي أدنى حرجا لمن ينشد الحرج من التّسمّي بعليّ لمن كان له قلب، ولكن الزّوبعة حول الأسماء مادام ذلك في حدود لا تنقض التّوحيد والشّريعة فلا أمل فيها وتجنّبها أولى. الأولى أن يتسمّى المرء بعبد الحقّ أولى من الحقّ وبعليّ أولى من العليّ وبعبد الأعلى أولى من الأعلى وبعبد المتعال أولى من المتعال وبعبد القوي أولى من القويّ، بل حتّى من تسمى بعبد العالي فلا حرج عندي لأنّ اللّه سبحانه عال حتّى لو لم يتسمّ بالإسم. 
صحيح أنّ الأولى لزوم الوحي هنا شبرا بشبر ولكن لا غرض لمن يتسمّى بعبد العال أو بعليّ أو بالهادي أنّه ينافس اللّه على أسمائه حاشا للّه سبحانه ولكن بعضه جهل وبعضه غفلة وتقليد. وبالخلاصة فإنّ هذه المعركة زوبعة في كأس كما تقول العرب.
الهوامش
(1) سورة الأعراف - الآية 105 
(2) سورة فصلت - الآية 15
(3) سورة الواقعة - الآية 73
(4) سورة التكوير - الآية 20
(5) سورة النجم - الآيتان 5 و 6
(6) سورة القصص - الآية 83
(7) سورة الأعلى - الآية 1
(8) سورة الرعد - الآية 9