همسة

بقلم
هبيري محمد أمين
بناء الحضارات
 من بين ما أحدث العلاّمة ابن خلدون نظريّة مقومات بناء الحضارات وعوامل قوّة الدّولة وقد قسّمها إلى مقوّم مادّي قائم على نظريّة العصبيّة ومقوّم معنوي قائم على الرّسالة.
أمّا نظريّة العصبيّة فهي الوعي الجماعي والتّضامن والولاء القبلي أو الوطني أو الحسّ المجتمعي فهو شعور جماعي مشترك لدى أفراد العصبة أي أن له صبغة جمعيّة أساسيّة بين الفرد والمجموعة، وليس بين فرد وآخر فقط، وفي حال تعرّض العصبة إلى عدوان يظهر «الوعي» بالعصبيّة ، وهذا « الوعي العصبي» هو الذي يشدّ أفراد العصبة إلى بعضهم ويسمّيه ابن خلدون « بالعصبيّة» التي بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكلّ أمر يجتمع عليه. وبهذا تكون العصبيّة أساس نهوض الحضارة أو أفولها، حيث تكون العصبية أقوى مع بداية الحضارة وتضعف مع تقدّمها إلى أن تزيحها عصبيّة أقوى تأسّس حضارة جديدة. والمفهوم العصري للعصبيّة لابدّ أن ينتهج نهج المدنيّة بالمفهوم المواطني ومساواة القانون وأن يبتعد عن نهج القوميّة بالمفهوم القومي المنغلق. 
وأمّا الرّسالة فهي الرّسالة الفكريّة التي أتى بها الدّين. والعرب، عند ابن خلدون، بطبيعتهم الصّعبة لا يمكن أن تتّفق إلاّ على الدّين. وللتّنسيب فإنّ تجديد الفكر الدّيني بما يسمح من بناء شخصيّة مواطنيّة للفرد قائم على التّقوى (احترام القانون) وعلى التّعارف (كونيّة حقوق الإنسان) وهو ما يجعل المجتمع الإنساني قائم على رسالة محدّدة تساهم في تحديد الهدف المعين للحاجة الإنسانيّة، وكنموذج نجد الإنسان في الفلسفة الغربيّة قائم أساسا على المادّة أي استعمار الأرض ممّا يُنتَج عنه نظام رأسماليّ متوحّش قائم على جشع المال دون مراعاة للفقراء، وأمّا في فلسفة القرآن فالإنسان هو مستعمر للأرض بقيم الإستخلاف الكونيّة الأمر الذي ينتج عنه نظاما اقتصاديّا واجتماعيّا لا يزال في طور الدّراسة ثمّ تكريسها على أرض الواقع.
تحليل ابن خلدون بولادة ونموّ وهرم الدّولة له أهمّية بالغة، لأنّه ينطلق من دراسة الحركة الدّاخلية للدّولة المتمثّلة في العصبيّة، تلك المقولة الاجتماعيّة والسّياسيّة التي تعتبر محور كلّ المقولات والمفاهيم الخلدونيّة. فقد اعتمد عليها اعتمادا أساسيّا في دراسته الجدليّة لتطوّر المجتمعات الإنسانيّة (العمران البشري) وكأنّه يبشّر منذ القرن الرّابع عشر بما اصطلح على تسميته في أواخر القرن التّاسع عشر وأوائل القرن العشرين بالمادّية الجدليّة. وفي غمرة انطلاقة العلميّة الراّئعة الرّائدة وضع إصبعه على العصب الحسّاس والرّئيسي، وإن لم يكن الوحيد في تطور (العمران البشري) ألا وهو الاقتصاد.