تاريخنا

بقلم
فوزي أحمد عبد السلام
المحاولات الأولى الجادة لقياس نصف قطر الأرض ‏
 تطبيق الرياضيات في القياسات الطبيعة
لا تستطيع أدوات القياس مهما كانت دقيقة أن تقيس الأشياء المتناهية في الصّغر، كما أنّها لا تستطيع أن تقيس تلك ‏الأشياء المتناهيّة في الكبر، فلا يوجد جهاز فيزيائيّ مثلا يقيس لنا كتلة الذّرة ولا كتلة المجرّة، وغاية ما نستطيع فعله هو تقدير ‏تلك الكمّيات باستخدام النّماذج الرّياضيّة المعدّة لغرض ما، كضبط الثّوابت في النّموذج المعياري للفيزياء، أو في النّماذج الكونيّة. ‏وسنندهش عندما نعلم أنّ ما نتمكّن من قياسه مباشرة بالأجهزة الفيزيائيّة يمثّل هامشا ضئيلا جدّا، وإنّها على كثرتها تكاد لا ‏تساوي شيئا إلى جانب ما تمدّنا به النّماذج الرّياضيّة من تقديرات. كانت أولى المحاولات النّاجحة التي تستخدم فيها الرّياضيّات ‏البسيطة في تقدير الكمّيات الكبيرة تلك التي استطاع فيها «إراتوستينس» المولود في ‏‎276‎‏ قبل الميلاد قياس (نصف قطر الأرض) ‏ومن ثمّ محيط الأرض «أي محيط الدّائرة العظمى التي تمرّ بتلك المنطقة». كان «إراتوستينس» يعيش في مدينة الإسكندرية في ‏مصر، وكان يعلم حينها أنّه في مدينةٍ أسوان أقصى جنوب مصر، وفي يوم معيّن قريب من وقت الاعتدال الرّبيعي أو الخريفي، ‏عندما تكون الشّمس متعامدةً مباشرة على خطّ الاستواء يظهر انعكاس الشّمس، في قاع بئر عميقة في يوم محدَّد من السّنة. وكان ‏هذا يعني أنّ الشّمس لا بدّ أن تكون فوق البئر تماما. فقد كان معروفا وقتها الحقيقة القائلة أنّ الأشياء المتعامدة تمامًا لا تلقي أيّ ‏ظلال بجوارها. ولا يتحقّق ذلك في أيّ يوم في السّنة في الإسكندريّة، ففي اليوم نفسه والذي لم يكن لأيّ جسم متعامد على سطح ‏الأرض أيّ ظل في أسوان كان له ظلّ في الإسكندريّة. وباستخدام بعض قواعد الهندسة المعلومة وقتها، استطاع «إراتوستينس» حساب ‏محيط الأرض، كان يعلم أنّ الدائرة مكوّنة من ‏‎360‎‏ درجة، واستطاع قياس زاوية الظلّ الخاصّ بجسم طويل في الإسكندريّة، ‏وكان يعلم مقدار المسافة بين الإسكندريّة وأسوان (كانت المدينتان قريبتين إلى الحدّ الذي يسمح بقياس المسافة بينهما تقديرا من ‏مسير قوافل التّجارة بين المدينتين). أصبحت معادلة «إراتوستينس» معادلة في مجهول واحد وهو محيط الأرض وكانت المعادلة ‏توصف كالتّالي: «زاوية الظلّ في الإسكندريّة مقسومة على‎360 ‎‏ درجة = المسافة بين الإسكندرية وأسوان مقسومة على محيط ‏الأرض»، بنيت هذه المعادلة على قاعدة متينة في نظريّة التّقريب وتطبيقاتها في الرّياضيات التّطبيقيّة مفادها أنّه بما أنّ الشّمس ‏بعيدة للغاية عن الأرض، فمن الممكن تصوّر وصول أشعتها إلى الأرض وهي متوازية فعليًّا وخصوصا إذا كان المكانان قريبين ‏من بعضهما. وقاده هذا الافتراض إلى اعتقاد أنّ زاوية الظلّ التي قاسها في الإسكندريّة، مساوية للزّاوية بين الإسكندريّة وأسوان، ‏بالنّسبة إلى مركز الأرض. وبالتّالي تكون مثل الزّوايا التي يشكّلها خطٌّ مستقيم يتقاطع مع خطّين متوازيين. قاس «إراتوستينس» ‏الزّاوية بين أسوان والإسكندريّة ووجد مقدارها ‏‎7.2‎‏ درجة، أي إذا رسمنا خطاً مستقيماً من الإسكندريّة إلى مركز الأرض وآخر ‏من أسوان إلى مركز الأرض فإنّ الزّاوية المحصورة بين الخطّين يكون مقدارها ‏‎7.2‎‏ درجة، وهي تشكّل نحو جزء من خمسين ‏من محيط الأرض المساوي ‏‎360‎‏ درجة، باستخدام المعادلة المشروحة سابقا تمكّن «إراتوستينس» من قياس محيط الدّائرة العظمى ‏المارّة بالأسكندريّة وأسوان واعتبره ممثّلا لمحيط الأرض وحسب منه نصف القطر وحصل على نتائج معقولة جدّا.‏
طريقة أبو الريحان البيروني
حاول أبوالريحان محمد بن أحمد البيروني ‏‎(1)(1048 - 973)‎‏ قياس قطر الأرض ومحيط الأرض، باستعمال جهاز «الإسطرلاب»، وهو جهاز بسيط لا يعدو ‏عن كونه منقلة مثل منقلة الطّالب وعليها ذراع متحرّك، يقيس زوايا الانخفاض والارتفاع وهو يشبه في الفكرة ما يستخدمه في وقتنا الحاضر المسّاحون الأرضيّون وحتّى المسّاحون السّماويون. 
استعمل «البيروني» الاسطرلاب لقيس ميل ‏نقطة مع الأفق، بعد أن صعد جبلا يطلّ على أرض مستوية أو على بحر(2) ‏ورصد غروب الشّمس، ليحصل على زاوية ميل شعاع الشّمس في لحظة الغروب مع الأفق. (تغرب الشمس أو تشرق حين تقع ‏على أفق الرّاصد، نزولا أو صعودا، والأفق هنا هو المستوي المماس لسطح الأرض عند النّقطة التي يقف عندها الرّاصد، أي أنّ ‏الخطّ المماس يقع ضرورة في هذا المستوي عند لحظة الغروب أو الشّروق). 
رأى «البيروني» أنّه يجب قياس ارتفاع الجبل أوّلا ‏‏(أنظر الفقرة القادمة)، ويكون لدينا الآن زاوية غروب الشّمس وارتفاع الجبل، وبذلك نحصل على مثلث ‏AOC‏ قائم الزّاوية في ‏نقطة غروب الشّمس، ولأنّ المماس للدّائرة يكونُ عموديّا على نصف قطرها، والزّاوية المحصورة بين نصف القطر و (نصف ‏القطر + ارتفاع الجبل) هي زاوية غروب الشّمس‎.‎‏ وبحلّ هذا المثلث نستطيع تعيين نصف قطر الأرض من العلاقة البسيطة جدّا، ‏التي تحسب جيب تمام الزّاوية  α من المعرفة البسيطة التي كانت متاحة وقتها وهي طول الضّلع المجاور للزّاوية مقسوما على ‏طول الوتر.‏
طريقة البيروني  في قياس ارتفاع الجبل
قاس «البيروني» ارتفاع الجبل بالنّسبة لسطح البحر (المُعتبَر مسطحاً محليًّا)، فاختار موضعين قرب الجبل، المسافة بينهما ‏معلومة حيث أنّ هذين الموضعين على مستوى سطح البحر وهي ‏d1‎‏ ، بينما ‏d2‎‏  مجهولة ويتمّ التّغلّب عليها من العلاقات ‏الرّياضيّة. ثمّ قاس الزّاويتين المتشكّلتين من سطح البحر وقمّة الجبل باستعمال الإسطرلاب كما الشكل ‏‎3‎‏. ومن ثمّ فقد تمكّن ‏من قياس علوّ الجبل بمعرفته للبعد بين الموضعين ‏d1‎‏ وقيس الزّاوتين مستخدما حساب المثلثات. ‏
الشكل ‏‎3‎‏:  الجبل وارتفاعه ‏h‏ وزاويتي ارتفاع له
مكان ونتيجة التجربة
مسرح ‏التّجربة العمليّة الرّياضيّة التي صمّمها ونفّذها «البيروني» هي منطقة «ناندانا» وهي إقليم جبلي على نحو ‏‎100‎‏ كيلومتر من مدينة «إسلام آباد» عاصمة باكستان الحالية، وانتهى إلى إيجاد نصف قطر الأرض ‏‎6338,80 ‎‏ كيلومتر.علما وأنّ متوسّط القياس ‏الحقيقي لنصف قطر الأرض المعروف حالياً هو ‎6370.98 ‎‏ كيلومتر وعند منطقة «ناناندا» يكون نصف قطر ‏الأرض‎6353,41 ‎‏ كيلومتر أي بفارق لا يتعدّى  ‏‎0.2 %  عن قياس «البيروني» الذي تمّ قبل حوالي ألف سنة من الآن. يالها من دقّة ‏عالية جدّا في القياس بأدوات ذلك العصر‎.‎
تجربة أبناء موسى بن شاكر
كان ذلك أيضا في زمن «المأمون» حين عهد الى «أبناء موسى بن شاكر» قياس محيط الكرّة الأرضيّة وكانوا على دراية ‏بعلم الفلك، فأسّسوا تجربتهم على معلومة في غاية البساطة لكنّها مفيدة جدّا وهي ظهور النجم القطبي فوق الرّأس تماما إذا كنت في ‏القطب الشّمالي وعلى حافة الأفق إذا كنت في مستوى الإستواء، أي إذا تحرّكت من مستوى الاستواء أو من أيّ مكان في نصف ‏الكرّة الشّمالي باتجاه الشّمال، فإنّ نجمة القطب تزداد زاوية ارتفاعها شيئا فشيئا، والعكس بالعكس إذا عكست إتجاه الحركة. فذهبوا ‏الى صحراء «سنجار»، لأنّها كانت أرضا مستوية، واختاروا موضعا منها وثبّتوا به وتدا ثم قاسوا زاوية ارتفاع نجم القطب الشّمالي ‏ثمّ ربطوا حبلا طويلا بالوتد ومشوا به صوب الشّمال الجغرافي لا ينحرفون شرقا ولا غربا،  ولمّا فرغ الحبل ثبتوا في الأرض ‏وتدا آخر وربطوا به حبلا طويلا كذلك، واستمروا على ذلك المنوال حتّى وصلوا إلى مكان أخدوا فيه إرتفاع نجمة القطب مرّة ‏ثانية، فوجدو أنّه زاد عن الإرتفاع السّابق درجة واحدة ثم مسحوا ‏أي ‎حسبوا طول الحبال التي استخدموها،‎‏ فوجدوه ستّة وستين ‏وثلثي ميل، ثمّ أعادوا العمل مرّة أخرى مبتدئين من الوتد الأول، ولكن بتغيير الوجهة صوب الجنوب ومدّوا الحبال على إستقامة ‏إتجاه الجنوب حتّى فرغت جميع الحبال التي استعملوها سابقا ، فقاسوا ارتفاع النّجم القطب الشّمالي فوجدو أنّه نقص ‏عن الأوّل درجة واحدة فعلموا من ذلك أنّ كلّ درجة من درجات الفلك يقابله من سطح الأرض ‏‎66.666‎‏ ميلا. ولمّا كان درجات ‏الفلك «الشكل الدائري» يحدّ ‏‎ 360 ‎درجة فيكون طول محيط الكرة الأرضيّة يساوي 360*66.666 = 24000 ميلا‎. 
أعاد «‏أولاد موسى بن شاكر» هذا العمل مرّة ثانية في أرض الكوفة وتساوت النّتائج وكان هذا القياس من أحسن القياسات القديمة لمحيط ‏الكرة الأرضيّة، وإذا علمنا أنّ ‏‎66.666‎‏ ميلا تعادل ‏‎111‎‏ كيلومترا، فإنّ محيط الأرض يبلغ ‏‎39960‎‏ كيلومترا ومنه نستطيع تحديد ‏نصف قطر الأرض بالقسمة على ضعف النّسبة التّقريبيّة، فوجدوا أنّ نصف قطر الأرض يساوي ‏‎6359.8‎‏ كيلومترا، ومرّة ‏أخرى وبطريقة ثانية نحصل على دقّة مذهلة بأدوات ذاك العصر بما أنّ الفارق مع قياس الآن لا يتعدى‏‎0.175 ‎ %.
الهوامش
(1) ‎أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، القانون المسعودي، الطبعة الأولي، مطبعة دائرة المجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر ‏آباد، الدكن، وزارة المعارف العالية الهندية، ‏‎1954‎‏.‏
(2) سبب استخدام البحر في فعل ذلك وليس البرّ، هو كون ‏البحر مستوٍ تماما وخال من أيّ ارتفاعات شاهقة أو أودية سحيقة، فيستطيع حينها تحديد الضّلع ‏AC‏ بدقّة معقولة (انظر الشكل الثاني)، ‏أما البرّ فلا تتوفّر فيه تلك الخاصّية. كما أن البحر يترتّب بشكل مثالي منتظم على شكل كرة دقيقة حول مركز الأرض لأنّه سائل)