بصراحة

بقلم
فوزي أحمد عبد السلام
البنية التحتية للخطاب الإعلامي
 الإعلام والمجاري
يقول فيكتور هوجو في روايته الشهيرة «البؤساء»، بأنّ «تاريخ الإنسانية ينعكس في تاريخ مجاريها»‏‎.‎‏ وقد أنشئت أول ‏بالوعة في مصر في بداية القرن العشرين بحي الزمالك، حيث كانت مصلحة المجاري في مصر قد تأسست عام 1914م . وبعد ‏أكثر من قرن ينزل المطر لمدّة سويعات، فتتحوّل البيوت والشّوارع إلي بحيرات مكهربة يموت فيها الأطفال غرقا وكهربة، وقد ‏كانت تصرف في بالوعاتها منذ قرن، حتّى قال قائلهم من لم يرَ القاهرة لم يرَ عزّ الإسلام، وعندما ينزل المطر عند قوم ‏آخرين طوال العام، تتحوّل مياه المطر إلى ثروة وثراء وخير وفير ونماء. وليست هذه قضية المقال، لكنّ القضية تكمن في التّناول الإعلامي ‏لمثل هذه القضايا، فقد أتى علينا زمان نسمع من ينعق في الإعلام بأنّ البنية التّحتية عندنا تالفة، ولإصلاحها نحتاج إلى أكثر من ‏ثلاثمائة مليار دولار، وبدلا من أن ننفق هذا المبلغ الطّائل لحلّ مشكلة تكون لمدّة ساعات في العام وربّما يمرّ العام ولا نرى مثل ‏هذه المشاكل، نحوّله إلي مشاريع تنمويّة أخرى، ويتناسى هؤلاء أنّ هدم الكعبة حجرا حجرا أهون عند الله من روح طفل أزهقت ‏بسبب الإهمال. وكان عمر الفاروق يقول لو تعثرت بغلة بالعراق لسُئلت عنها «لماذا لم تمهّد لها الطريق ياعمر». الحقيقة أن البنية ‏التّحتية للخطاب الإعلامي هي التي تلفت تلفا شديدا بحيث يعسر جدّا إصلاحها. لا أعرف كيف هانت عند هؤلاء حياة النّاس إلي ‏هذا الحدّ، لدرجة أنّه لو مات عشرون بسبب المطر والإهمال في صرفه، فليس هناك إحساس بمشكلة، ولو كان الميّت أحد أبنائهم ‏لقامت الدّنيا ولم تقعد. لن أناقش موضوع أهمّية البنية التّحتية لأي بلد هنا في هذا المقال، وأنّه أحد أهم مقاييس حضارته المادّية، ‏لأنّه لا يشكّ أيّ أحد تلقّى قسطا يسيرا من التّعليم أوالفهم أو حتى عنده أقل قدر من الإنسانيّة أنّ البنية التّحتية للبلد، في ظلّ ‏الحضارة المعاصرة، هي خطّ الدّفاع المدني الأول والأهمّ عند التّصدي لمشاكل كثيرة بعينها، وأنّ من يحفر في باطن الأرض ‏لوضع أنبوب يستطيع حينئذ أن يستعمله في عشرات الأغراض المدنيّة الأخرى، لكنّ المفسدين يوهمون النّاس بأنّ الثلاثمائة مليار ‏ستُستعمل فقط في صرف المطر، ولا أجد عبارة للرّد على هذا الكلام السّاقط إلاّ ما نقوله عند دخول الخلاء أو الخروج منه «اللهم ‏إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» و «غفرانك». لأنّ هؤلاء المفسدين هم كالشّياطين تماما، ينخرون في البنية الفوقيّة «العقلية» ‏للإنسان، يحوّلون الإنسان إلى كائن يصدّق التفاهات، بل ويصدّق المغالطات، وعندها فعلا لا يستطيع الإنسان بعد مضي وقت من ‏تصديقهم إلى عدم قبول الحجج المنطقيّة في النّقاش، يفقد حينها أثمن ما يملك وربّما أثمن من الحياة نفسها وهو العقل. البنية التّحتية ‏للخطاب الإعلامي عندنا يتحكّم فيها الزّواج الباطل بين السّلطة ورأس المال. لا أدري كيف تمرّ تصريحات مثل هذه ولا يحاكم ‏قائلها على الأقل شعبيّا، لكن لا عليه فقد مرّ مثله كثير من التّصريحات من نفس البوّابة، من أمثال «اقتلوهم دُولْ ريحتهم نتنة» ‏تصريح بالقتل من رأس دينيّة كبيرة بلا أيّ موجب للقتل لا في العرف ولا في القانون ولا في الشّرع، فمن الذي قال أنّ كل من ‏كانت رائحته نتنة يقتل، «اللهم غفرانك»، باستطاعة أي باحث أن يسود صفحات سفر عظيم بهذه التّرهات التي تستوجب حقّا ‏المحاكمة.  ‏
الإعلام في دول اللاّقراءة
أصحاب رسالة إلهية تبدأ بــ «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ‏‎* خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ‎ * ‎اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * ‎الَّذِي عَلَّمَ ‏بِالْقَلَمِ‎ * ‎عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ‎ «‎‏(1) أصبحوا لا يقرؤون، ولا يكتبون، لذلك أصبح الإعلام في دول كثيرة، وخصوصا تلك ‏التي تقلّ فيها نسبة القراءة عن نسبة المشاهدة، هو المكوّن الرّئيسي للثّقافة «الهشّة» وهو أحد روافد الوعي الجمعي، وهو المرآة ‏التي ينعكس فيها واقع النّاس الاجتماعي والسّياسي. وفي المجتمعات التي تزداد فيها نسبة القراءة،  يكون للخطاب الإعلامي دور كبير في تكوين المجتمعات البشريّة والتّأثير فيها ولا يجوز إهماله كما يقول «فوكو». يستقيها النّاس في منطقتنا العربية حسب بعض ‏الإحصاءات 80 % من المعلومات من المواقع الإعلامية بشتّى صنوفها، على خلاف دولة واحدة مثل ‏الدانمارك، فالجمهور هناك يأخذ حوالي 20 % من معلوماتهم من الإعلام، والباقي من مصادر أخرى ولا سيما الكتب. ‏وإذا ما قارنا دولة بدولة، فإنّ الدانماركيين وهم ستّة ملايين يقرؤون نحو ثلاثة عشر ألف كتاب جديد في السّنة، بينما يقرأ ‏المصريّون وهم نحو المائة مليون نحو تسعة آلاف كتاب جديد في السنة‎.‎‏ تمثل القراءة الجيّدة القصور الذاتي ضدّ الانحراف ‏والانجرار ناحية الاستقطاب الأيديولوجي الحاد، والذي يعدّ الرّسالة الأساسيّة لمعظم وسائل الإعلام العربيّة، ولا ينجو من ذلك ‏الإعلام الغربي أيضا، حيث يوجد مثلا في الولايات المتحدة الأمريكية وسائل إعلام في أقصى اليسار وأخرى في أقصى اليمين، ‏لكن يوجد أيضا هناك كثير من الوسائل الإعلامية الرئيسة التي تقع في المنتصف، والتي تقاوم حالة التّموضع الأيديولوجي من ‏اليمين أو اليسار؛ بمعنى آخر تبذل أقصي ما بوسعها بحيث تحاول الوقوف في الوسط‎.‎‏ لكن من الصّعوبة بمكان إيجاد وسيلة ‏إعلاميّة عربيّة تقف في المنتصف(2) وبسبب قانون الطّوارئ وبعض مواد قانون العقوبات المعيقة لحرّية التّعبير غابت مثل تلك ‏الوسائل عن الظّهور ممّا جعل البنية التّحتية للخطاب الإعلامي العربي مهترئة، وانعكس ذلك على واقع الناس الاجتماعي ‏والسّياسي والذي جعل كافة المجتمعات العربيّة بعيدة عن نقطة الاستقرار الطبيعي بل وصار التّشرذم والاقتتال والصّراع والجدال ‏العقيم جزءا من طبيعة الحياة في المنطقة‎.‎
إعلام الشعب أم إعلام السلطة
في مصر علي سبيل المثال، كان إعلام الدّولة الرسمي قبل 25 يناير، عمليّا على الأقل يدعم أي نظام يمسك بزمام ‏السّلطة، وبذلك تحوّل من نظام إعلام لدافعي الضّرائب أو بالأحرى للشّعب عموما، نظاما كان أو معارضة أو محايدا، إلى إعلام للسّلطة. ومع ظهور وسائل الإعلام الخاصّة لم يصحّح الوضع، بل أصبح أكثر استقطابا لأنّها هي الأخرى تبنّت ‏آراء ملاّكها من رجال الأعمال المرتبطين عضويّا بالسّلطة، وغابت بوصلة الثّقافة في خضم تنازع بين الأجنحة المختلفة في ‏السّلطة الهرمة، وخاب أمل النّاس في وجود إعلام مهنيّ رصين يصون عرض الكلمة كما يصون النّاس أعراضهم، لذلك دخلت ‏شبكات التّواصل الاجتماعي على الخطّ لتصحّح جزءا من الواقع الإعلامي المؤلم ولعبت دور الإعلام البديل بشكل رائع، وأخذت ‏الثورة زخمها منه ابتداء، ووفّرت مساحات مفتوحة للتّعبير عن الآراء الحرّة(3). والسّؤال الذي يطرح نفسه الآن هل من الممكن ‏بناء بنية تحتيّة لإعلام يحترم عقول مشاهديه، ومن هم الذين يعقد عليهم الآمل لفعل ذلك، هل لابدّ أن يكونوا من خارج المنظومة ‏أم من الممكن أن نجد بعض أفراد في داخلها تحظي باحترام شعبي واسع ومن ثمّ تدعم بتأييد مؤسّسات المجتمع المدني‎.‎‏ يساعد ‏أحيانا على تبنّي هذا المسلك ماحدث في عهد مبارك نفسه حيث كان قد تمّ تأميم الخطاب الإعلامي بكلّ صوره وأشكاله في عهد ‏عبد الناصر والسّادات من قبل، لكن مع بداية ظهور الصّحف الحزبيّة والمستقلّة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، تمكّنت ‏من إحراز بعض التقدّم في مواجهة الصّحف الحكوميّة الرّئيسيّة، التي بقيت في مجملها موالية للسّلطة، وكان قد ظهر بها بعض ‏الأصوات الرّصينة في نقد الواقع السّياسي، والأسماء الكبيرة ذات القلم المحترم التي كانت تكتب في هذه الصّحف وكانت ‏تعرقل أحيانا أوضح من أن تذكر هنا، بل وكان بعض ذلك أيضا في الصّحف الحكومية. وهل أيضا من الممكن استثمار الإعلام ‏البديل، في حلّ هذه المشكلة؟
الغالب والغائب عن إعلامنا
يغلب إلى الآن على خطابنا الإعلامي «أنظمة ومعارضة» صفة الإنشائيّة والتّدريسيّة، وكأنّنا أمام معلّم وأفراد الشّعب هم ‏التلاميذ، والمعلم يريد من التّلاميذ حفظ الرّسالة. ومع ذلك يغيب عنه اللّغة العلميّة في الحوار وفي ذكر التّقارير الرّصينة ‏والإحصاءات الدّقيقة من واقع تقارير التّنمية. يغيب عن إعلامنا التّركيز علي الإنجاز «نفسه» الذي ساهم فيه جنود مجهولون ‏كثيرون، بينما يتمّ التّركيز على المسؤول، الذي في الغالب لا يهمه أي شيء سوى الصّورة واللّقطة، فإذا بنيت مؤسّسة ضخمة في ‏بلد عربي، فعند الاحتفال بها إعلاميّا يغيب ذكر المهندسين والمعماريين والمخطّطين والبنائين والسّواعد التي ربّما مات بعضها ‏في الإنشاء. يغيب عن إعلامنا الحرّية في صياغة سياسته التّحريرية «وتتحرّك العصا الغليظة للرّقيب» والتي حوّلت الإعلام إلى ‏روبوت يتحرّك في مساحة محدّدة له سلفا. فعلى سبيل المثال فإنّ الإعلام السّوري يصف المواطن الذي يطالب بحرّيته وكرامته بأنّه إرهابي، ويصف النّظام بأنّه رمز المقاومة والممانعة، ولا يخفى حال الإعلام المصري على أحد، فهو داخل إلى ‏كافة المساحات العربية، الرّسالة التي تقال في فضائيّة ما تتردّد «مع تحوير شكلي في النّص» حتى تهرب من برامج قياس ‏الاستلال والانتحال، يتمّ ترديدها في غالب القنوات الفضائية الأخرى، مع غياب شبه تامّ لكل من يغرّد خارج السّرب حتى ولو ‏كان من المنظومة. تقول سانديا نامبيار «إنّ وسائل الإعلام تخلق وحوشا جديدة لنا كلّ يوم، وذلك بدلا من التّحول إلى عنصر داعم ‏للتّحديث في المجتمعات العربيّة والتّكريس لما يعرف باتصال التّنمية». لذلك ستبقى مشكلة البنية التّحتية للخطاب الإعلامي في ‏وطننا العربي عصيّة على الحلّ، طالما كنّا بعيدين عن انتزاع حرّيتنا من المستبدّين، ولن نطالب بحريتنا طالما كنّا بعيدين عن ‏العلم بشكل عام وعن القراءة والثّقافة بشكل خاصّ، يذكر تقرير التّنمية البشرية (4) الصّادر عن اليونيسكو أنّ الدّول العربيّة أنتجت ‏‎6500‎‏ كتاب عام ‏‎1991‎، بالمقارنة مع ‏‎102000‎‏ كتاب في أمريكا الشمالية، و ‏‎42000‎‏  كتاب في أمريكا اللاتينية والكاريبي. ‏يذكر التّقرير أيضا أن اليابان تترجم حوالي ‏‎30‎‏ مليون صفحة سنوياً. في حين أن ما يُترجم سنوياً في العالم العربي، هو حوالي خُمس ما ‏يترجم في اليابان. والحصيلة الكلّية لما ترجم إلى العربيّة منذ عصر المأمون إلى العصر الحالي ‏‎10000‎‏ كتاب، وهي تساوي ما ‏تترجمه أسبانيا في سنة واحدة‎.‎‏ ‏
المراجع
‎ (1)‎القرآن الكريم، سورة العلق، أول ما نزل من القرآن نص مقدس يعظم القراءة.‏
(2) ‎ليون برخو، مقال «لماذا ألوم الإعلام العربي»؟ الإقتصادية: جريدة العرب الإقتصادية الدولية، ‏‎15‎‏ فبراير‎2019 ‎‏. متاح علي ‏الرابط  ‏http://www.aleqt.com/2019/02/15/article_1542936.html
(3) رشا عبدالله،  «الإعلام المصري في خضمّ الثورة»، ‏‎ 16‎يوليو ‏‎2014‎م.‏
‎ (4)‎تقرير التنمية البشرية لعام ‏‎2003‎، النسخة الإنجليزية، صفحة ‏‎77‎‏.‏