فواصل

بقلم
ناجي حجلاوي
المطالب العالية «دواعي المبحث وآفاقه»
 يكاد يُجمع أعلام المهتمّين بالفكر الإسلاميّ، أنّ الإسلام يمجّد العقل ويولي إعمال النّظر أولويّة قصوى  باعتبار أنّ العقل هو العلامة الجوهريّة الّتي تميّز الجنس البشريّ عن غيره من المخلوقات، إلاّ أنّ النّاظر في بعض آثار هؤلاء الأعلام يلفته الهجوم الحادّ والعنيف على مستعملي النّظر العقليّ في تفسير آي القرآن وتأويلها بدعوى اتّباع الهوى، ومن ثمّة وقع التّشديد على «النّهي عن القول في تأويل القرآن بالرّأي»[1]. واستمـعْ إلى أبي الحسن الأشعريّ[2] وهو يتحدّث عن المعتزلة ناعتا إيّاهم باسم « أهل الزّيْغ والبدعة» في قوله: « إنّ الزّائغين عن الحقّ من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم ومن مضى من أسلافهم فتأوّلوا القرآن على آرائهم تأويلا لم ينزّل الله به سلطانا، ولا أوضح به برهانا ولا نقلوه عن رسول ربّ العالمين ولا عن سلف المتقدّمين وخالفوا روايات الصّحابة عليهم السّلام عن نبيّ الله (ﷺ)، وتكلّموا بخلق القرآن نظيرا لـقول إخوانهم من المشركين الّذين قالوا:«إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ» - المدّثّر 74/ 25»[3].
إنّ هذا المنحى في التّعامل مع المخالفين لوجهات النّظر في المستوى الفكريّ، بقدر ما يكشف عن توتّر في علاقته مع الآخر تجعله سجينا للنّظرة الضّيقة ذات الاتّجاه الواحد الّذي يمليه المذهب، فإنّه يشي بمنهج في التّفسير يسعى إلى تكثيف الرّوايات وتجميع الأخبار الحافّة بالنّصّ. فبدت دلالة النّصّ، تبعا لذلك، متجاوزة له لتطال حوافّه وعتباتِه، وهو في النّهاية معطى لغويّ، وإن تقدّس، تتظافر أسباب نزوله مع ردود الأفعال المنجرّة عنه في الواقع لإضاءته وبيان معناه.
وفي هذا الفضاء الثّقافيّ يورد القاضي عبد الجبّار أنّ أبا الحسن الأشعريّ قد كتب تفسيرا مطوّلا ينقض به تفسير أستاذه أبي عليّ الجبّائي ويردّ عليه، أسماه «تفسير القرآن والرّدّ على من خالف البيان من أهل الإفك والبهتان»، ثمّ اشتهر هذا التّفسير باسم – الخازن- أو – المختزن-، ولم يُخْفِ أبو الحسن بالطّبع ذكر ذلك إذ قال: « ورأيت الجبّائي ألّف في تفسير القرآن كتابا أوّلَه على خلاف ما أنزل الله عزّ وجلّ، وعلى لغة أهل قريته المعروفة بجبّى وليس من أهل اللّسان الّذي نزل به القرآن وما روى في كتابه حرفا واحدا عن أحد من المفسّرين وإنّما اعتمد على ما وسوس به صدره وشيطانه. ولولا أن استغوى بكتابه كثيرا من العوام واستزلّ به عن الحقّ كثيرا من الطَّغَام[4] لم يكن لتشاغلي به وجه»[5].
وهكذا يتّضح أنّ عمليّة تفسير النّصّ القرآنيّ شهدت تجاذبا وتدافعا بين الفرق الإسلاميّة بحسب الخلفيّة العقديّة والمذهبيّة، فاختلط المضمون المعرفي بالمحتوى المذهبي رغم أنّها تلتقي جميعا عند معنى التّقويم والإصلاح وهو ما يفسّر رجوع جميع الفرق إلى القرآن الكريم وجعله أصلا يصلح عليه الواقع[6]. ولا أدلّ على ذلك من تباين المناهج المعتمدة في مباشرة هذا النّصّ التّأسيسي بالرّغم من انتماء أصحابها إلى ذات الحيّز الزّمنيّ وذات الفضاء الثّقافي. فأبو عليّ الجبّائي، وهو الّذي يعدّ من كبار شيوخ المعتزلة، يعتمد النّظر العقليّ ويدعو إليه صراحة، فالتّوحيد رأس المعارف لديه يجب أن يتمّ بالعقل وأنّ النّصّ المقدّس ما هو إلاّ لُطْف مساعد لهذه الملكة الفعّالة الّتي تهدي صاحبها إذا ما استُعْمِلت استعمالا سليما إلى سبيل الهداية والرّشاد، وما الرّسل إلاّ منبّـِهون عن الغفلة وباعثون على النّظر. وقد تأوّلَ كثيرا من الآياتِ طبقا لقواعد النّظر والاحتكام للعقل ممّا أكسبه فرادة وتميّزا حتّى في نطاق التّفكير الاعتزالي ذاته فضلا عمّا سواه من أنماط التّفكير الأخرى، وهذه الفرادة تستهوي الباحث وتدعوه إلى الوقوف على معالمها، ولا سيّما إذا قورنت بضديدها من مألوف المناهج في التّفسير.
إنّ العلاقة المتقلّبة بين الفِرق، المشار إليها آنفا، قد أدّت منذ زمن مبكّر إلى الانتقام والتّنكيل بالحبس والقتل وإحراق الكتب، فكانت كتب المعتزلة أوّل الوقود لفتيل الفتن المتكرّرة. ولم يبق أمام الدّارسين إلاّ البحث والتّنقيب عن آراء أعلامها ثِـنْيَ كتب الخصوم والأتباع، فبجهود خضر محمّد نبها[7]، في هذا الاتّجاه تمكّن من الحصـول على مدوّنة مهمّة من آراء أبي عليّ الجبّائي أحد زعماء المدرسة البصـريّة في الاعـتزال، أو ما قيل:  إنّها آراؤه، من خلال عدّة مصادر متعلّقة بالتّفسير[8]. وقد سبقه في هذا المجال الباحث الفرنسي دانيال جيماريه في جمع مدوَّنة مكوّنة من 890 صفحة استغرقت منه ربع قرن من1969  إلى1994، وهي تمثّل نصيبا لا بأس به ممّا ذُكر أنّه من آراء هذا الشّيخ مأخوذة من تصانيف كانت استشهدت بما في تفسيره الّذي أتلف[9].
إنّ ما يميّز آراء المعتزلة عامّة وآراء أبي عليّ الجبّائي خاصّة هو الاستفادة من الموروث الأجنبيّ وهو رافد ثقافيّ ذو شأن، وقد تمّ ذلك بمفعول الاطّلاع عليه عبر حركة التّرجمة ومن خلال الاحتكاك بفِرق الخصوم مجادلة ومناظرة، « فالمسيحيّون والثّـنويّة كانوا يستعملون الأسلوب العقليّ الفلسفيّ لسابق معرفتهم بالفلسفة والمنطق اليونانيَّيْن واستفادتهم بذلك لإقامة علم لاهوتيٍّ يقوم على الجدل الفلسفيّ والأقيسة المنطقيّة»[10].
وهكذا تولّدت أنماط من الفهم جديدة ترمي إلى تفسير النّص القرآني بطرق تروم تقريب المسافة بين ظاهرة الوحي وواقع الإنسان المعيش باعتماد النّظر العقلي[11]. وفي هذا الفضاء تندرج آراء أبي علي الجبّائي التّفسيريّة أو ما نُسب إليه من تفسير. إذ نحا إلى هذا المنزع في زمن طغى فيه التّفسير بالمأثور واعتُمِدت فيه الأخبار وندر فيه إعمال الرّأي، فقلّل من شأن القصص والأساطير وأسباب النّزول، واستعمل الأسلوب الجدليّ والبرهانيّ والمقارنة وعرْض الآية على الآية من القرآن والوقوف عند الظّاهر في الحالات المستوجبة لذاك، واعتماد الأسلوب والسّياق واللّغة وخاصّة في قضايا التّوحيد سعيا وراء فكرة التّنزيه، ممّا هيّأ تفسيره إلى أن يكون مجال بحث بِكر يبشّر بمقاربة مستطرفة للقيل القرآني. ولمّا كان النّقيض هو الكفيل الأجدر ببيان خصائص نقيضه فإنّ مفسّرا عِدلا لأبي عليّ الجبّائي وهو ابن جرير الطّبري الّذي زامنه وجايله قد انتحى منحى التّفسير بالآثار والأخبار فشكّل النّظر لدى الأوّل والأثر لدى الثّاني جناحين لهذه الدّراسة وهو ما يخوّل التّساؤل عن معالم التّعقّل وإعمال النّظر لدى أبي عليّ الجبّائي وعن كنه التّفسير بالآثار والأخبار وماهيّة مرتكزاته النّظريّة لدى الطّبري.
إنّ التّفسير الّذي ينحو منحى الآثار والأخبار في التّعامل مع الآيات القرآنيّة فهما وشرحا ينبع حسب ابن جرير الطّبري من أنّ التّأويل ينحصر في ثلاثة أوجه: « الأوّل لا سبيل إلى الوصول إليه وهو الّذي استأثر الله بعلمه وحجب هذا العلم على جميع الخلق مثل وقت قيام السّاعة ووقت نزول عيسى ووقت طلوع الشّمس من مغربها، والوجه الثّاني خصّ الله بعلم تأويله نبيّه دون سائر أمّته وهو ما يحتاج العباد إلى تأويله، فلا سبيل إلى علمه إلّا ببيان تأويل الرّسول له، والثّالث ما كان علمه عند أهل اللّسان الّذي نزل به القرآن وذلك علم تأويل عربيّته وإعرابه» [12].
وهذا الانحصار المشار إليه على لسان الطّبري سرعان ما يضيق أكثر ويزداد انحصارا في مستوى ممارسة التّفسير إذ بدا التّشديد على ضرورة اتّباع خطوات النّبيّ والصّحابة والتّابعين في فهم الآي ومن زاد عن ذلك أو أنقص انضوى تحت الحديث القائل: « مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ»[13]، علما بأنّ المكانة الّتي اكتسبها تفسير الطّبري في الضّمير الإسلامي قد نبعت من اعتماده على ما أمكن له جمعه من تفاسير الّذين سبقوه صحابة وتابعين وهكذا تتجلّى قوّة تفسيره الإقناعيّة النابعة من خارجه لأنّه لم يرتكز إلاّ على تفسير المفسّرين القدامى، وهم أهل التّأويل لديه[14].
وعلى هذا النّحو أضحى كلّ من خرج عن المعهود أو خالف الفهم السّائد مرتكب بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النّار. ومن هذا المنطلق وقع التّركيز على صحّة الخبر ودرجة تواتره ومدى ثقة الرّوّاة فأُخضعت عمليّة التّفسير لمنهج الحديث الّذي تأخّرت عمليّة تدوينه بأمر من الرّسول نفسه[15]، فلم يخلُ من الوضع الّذي وجد في التّفسير فضاء مناسبا له فانتعشت فيه الرّواية حتّى طاله القصّ واقترن به، فتجرّد ممّا اكتنفه من قداسة كما ارتبط بالملاحم والمغازي[16]، وبذلك التبست المفاهيم وتلوّثت المصطلحات وتداخلت المعاجم تداخل الأعراف والعادات والتّقاليد بعضها ببعض حتّى غدا مفهوم الدّين ملوّثا بمفاهيم غير دقيقة تعود إلى أشياء دخيلة[17]، ومن مظاهر هذا التّلوّث أن تضيق دائرة الاجتهاد وتتزايد الدّعوة إلى الاتّباع، كأن يُروَّج إلى أنّ الإدلاء بالرّأي يُعَدُّ خطأ وإن صحّ. وفي هذا الصّدد أورد الطّبريّ في تفسيره الحديث التّالي بسنده: حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بِنْ عَبْدِ العَظِيمِ العَنْبَرِي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ حَدّثِنِي حَبَّانُ بِنْ هِلاَلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمْرَان الجُونِي عَنْ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُـولَ اللهِ (ﷺ) قَالَ:« مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ»[18]. وعلاوة على رأي التّرمذي في هذا الحديث الّذي أعدّه حديثا غريبا، فإنّه من غير العسير الانتباه إلى أنّ الصّراعات المذهبيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة بين الفرق والطّوائف والملل والنّحل قد شجّعت على الانتحال والوضع والتّستّر تحت قداسة الحديث حتّى غدت هذه الادّعاءات مضادّة لروح المفاهيم الأصيلة والمقاصد الدّينيّة النّقيّة[19]. وهذا التّناقض الحاصل بين الأحاديث المرويّة والآثار المتناقلة إنّما يجد تفسيره في أنّ الرّواية، بحكم طبيعتها، تنهض على دعائم يسهل الطّعن فيها وفي أنّ الأحاديث تشكّل جزءا من المعطيات الثّقافيّة والاجتماعيّة الّتي تنبع منها وتنخرط في حركتها فالحديث، في الواقع، يشتمل على عناصر مختلفة من التّقاليد المحليّة أو المجموعات المعيّنة الّتي منها تشكّل تدريجيّا وانتشر[20].
إنّ التّفسير بالمأثور اتّجاه يركّز على الكمّ، لذلك ينبري أصحابه وعلى رأسهم ابن جرير الطّبريّ إلى الإمعان في استقصاء الأخبار وتكثيف الرّوايات دون كلل ولا ملل إعلاء من شأن الخبر وبحثا عن الرّواية الّتي يرتئيها صحيحة بواسطة المفاضلة الّتي يجريها عليها. وفي هذا يقول عبد الحميد عبد المنعم مدكور[21]:«يظلّ للخبر المكانة اللاّئقة به من التّقديم ما دام صحيحا ثابتا بالنّقل المستفيض عن الرّسول (ﷺ)، أو بنقل الإثبات عنه فيما لم يكن فيه النّقل المستفيض»[22]. ولا نستبعد أنّ هذا الاعتداد بالمنهج الرّوائي رغم ما يحيط به من مطاعن إنّما هو لإرادة التّكثّر لإلجام أفواه العوام الّتي لا تقنع إلاّ بمنهج المحدّثين المتساهل في قبول الحديث.
ولعلّ هذه الطّريقة في التّأليف هي الّتي جعلت ابن تيميّة ( ت. 728هـ/1328م) يقف من منهج الطّبري موقف المؤيّد، بل المعجب عندما سئل عن أيّ التّفاسير أقرب إلـى الكتاب والسنّة، الزّمخشري، أم القرطبي، أم البغوي أم غير هؤلاء. فأجاب: « أمّا التّفاسير الّتي في أيْدي النّاس فأصحّها تفسير محمّد بن جرير الطّبريّ، فإنّه يذكر مقالات السّلف بالأسانيد الثّابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتّهمين كمقاتل بن بكير والكلْبيّ»[23].
إنّ هذا المنهج في التّفسير يواجه ما تستوجبه النّقلة من المشافهة إلى المكاتبة من إمكانيّة الزّيادة والنّقصان، فالكتابة لا يمكن أن تَنقل الملفوظَ نقلا أمينا وحرفيّا وإن حرَصَتْ، إذ « المسألة لا تتعلّق بحسن الظّنّ أو بسوئه - كما ذهب إلى ذلك ابن خلدون- بقدر ما تتعلّق بالنّقائص الّتي تتسرّب إلى الأخبار مهما كان نوعها وبما يعتري الرّاوي أيّ راوٍ من وهم ونسيان وغلط وتخليط حتّى وهو يتحرّى الصّدق والأمانة ويسعى إلى رواية ما سمعه من دون زيادة أو نقصان»[24].
إلاّ أنّ ابن خلدون يتّخذ في موضع آخر موقفا صريحا من الأعمال القائمة على الرّواية يتمثّل في اعتباره أنّ كتب هؤلاء يختلط فيها الغثّ بالسّمين والمقبول بالمردود لأنّهم يعتمدون على أهل الكتاب ويرجع ذلك إلى عامل نفسي هو التّشوّق إلى ما ليس للعرب به علم كأسرار الوجود وبدء الخلق وأخبار الملاحم وروّاد هذا المجال هم الّذين أسلموا فروَوْا دون احتياط[25]. وقد عبّر الجاحظ ( ت. 255هـ/869م) قبله عن دور هؤلاء الرّواة والإخباريّين كأوضح ما يكون التّعبير، حينما اعتبر أنّ العامّة إذا هجمت على ما لم تحتسبه من الخطيب تضاعف حُسنُ الكلام عندها وكبر في عيونها لأنّ الشّيء من غير معدنه أغرب[26].
وفي المقابل، يلفي الدّارس الاتّجاه العقليّ في التّفسير الّذي يركّز على الكيْف المتمثّل في طبيعة المعنى المستنبط من الآية. وتبعا لذلك تميّز بالتّنوّع والثّراء، فأغلب شيوخ المعتزلة يخالف الواحد منهم الآخر ولم يتّحدوا إلاّ على الإعلاء من شأن العقل والرّفع من سلطانه إلى حدّ كبير ممّا حدا بالبعض إلى اعتبار أنّ ذلك قد« جرّهم في بعض الأحيان إلى إنكار ما صحّ من الأحاديث الّتي تناقض قواعدهم المذهبيّة»[27]، وهي الأصول الخمسة المعروفة الّتي وضعها أبو الهذيل العلاّف[28] باعتباره، على حدّ قول مونتي جومري وات، مؤسّس مدرسة البصرة وبمعنى من المعاني واضع قواعد المذهب الاعتزالي نفسه[29]، فهذا أبو عليّ الجبّائي يخالف أصحابه خصوصا في اعتباره أنّ الله يخلق كلاما في كلّ مرّة ويكون هذا الكلام متحيّزا بمكان في كلّ مرة يقرأ فيها القارئ القرآن، وقد كان ذلك في معرض مجادلته مَن قال إنّ المقروء ليس بكلام الله وكذلك المسموع، ومصداق ذلك قوله:« يحدث الله تعالى عند قراءة كلّ قارئ كلاما لنفسه في محلّ القراءة»[30]. وهكذا بدا تعامل الجبّائي مع القرآن أقرب ما يكون إلى التّفرّد والتّميّز باعتماد العقل بمختلف مستوياته وخاصّة الفطريّ منه والقواعد الدّارجة في المدارس الكلاميّة والأسلوب الجدليّ البرهانيّ[31]. ثمّ إنّ الشّيخ ينطلق من الدّلالة اللّغويّة وهو على سبيل المثال يفرّق بين نوعين من الحروف عند القراءة، فالّذي يقرأ كلام الله تثبت مع لهواته حروف هي قراءته، وهي مغايرة للأصوات وحروف هي كلام الله وهي مغايرة للقراءة والأصوات[32].
ولولا الحصار المادّيّ والمعنويّ المسلَّطان من التّيّار السّنّي الرّسمي على هذا التّراث المرتكز على العـقل لوفّر محاولة جادّة في سبيل النّهوض بالمستوى الثّقافيّ والفكريّ في الحضارة العربيّة الإسلاميّة. وهذه الدّراسة محاولة لتمحيص هذا المنزع العقليّ برصده وتتبّعه ومقارنته بمـا يبدو ضديده من التّفكير السّنّي. وهي تروم من وراء ذلك كلّه جعل سؤال التّعقّل في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة الّذي نلج إليه من بوّابة التّفسير تحت مجهر الدّراسة واضعين نصب أعيننا رأي أحمد أمين الّذي عبّر عن هذه الفكرة بقوله: « إنّ موت المعتزلة كان من أكبر مصائب المسلمين»[33]. ورأي زهدي جار الله المتمثّل في قوله: « إنّي لأعتقد أنّها [يعني المعتزلة] لو تُركت تسير في مجراها الطّبيعي لاستطاعت أن تقضيَ على الرّوح الرّجعيّة في الأمّة على قوّتها وعنفها، ولكُتب لها الفوز والنّجاح»[34]، دون أن يستحيل هذان الرّأيان فكرة مسبقة توجّه مسار البحث قصد التّدليل على صحّتها وانطباقها على التّفكير الاعتزالي الّذي عُرف عنه انحيازه إلى العقل وعلى التّفكير السّنّي الّذي يقابله بانتصاره إلى سلطة النّصّ، فيكون البحث عندئذ قد رسم أهدافه قبليّا وغاية المرام لديه أن يرتدّ في حركة تبريريّة تثبت صحّة النّتائج قبل تفكيك الأسباب وتحليل المعطيات الأوّليّة المفضية إلى هذه الغايات، ولكن نوردهما باعتبارهما رأييْن من جملة آراء كثيرة تستفزّ الدّارس وتدفعه إلى الاستقصاء والمساءلة المستديمة لِوضعها في ميزان النّقد ومحكّ التّمحيص.
والحاصل أنّ الصّورة الأوليّة المكوَّنة حول تفسير أبي عليّ الجبّائي والـمُشاعة عنه أنّه من عمل الشّيطان وقول بالهوى وقطيعة مع الجهود التّفسيريّة السّابقة عنه[35] مقابل ما أنجزه الطّبري من تفسير قيل عنه: إنّه لم يُعمل أحسن منه لأنّه جمع فأوعى وأجاب فأشفى[36].
إنّهما صورتان متقابلتان عمّق التّعصّب المذهبي ما بينهما من فروق وهو تعصّب، والتّعصّب من شأنه أن يُعمي عن الحقيقة وأحكام مسبقة ومطلقة، هي في أمسّ الحاجة إلى الدّرس والتّمحيص، ومن ثمّة يكون الحكم نتيجة التّحليل لا مقدّمةً له.
إنّ هذه الدّراسة الّتي تهتمّ بثنائيّة النّظر والأثر أو العقل والنّقل هي دراسة مقارنيّة تطبيقيّة تروم الوقوف على نقاط الالتقاء والاختلاف بين المنهجيْن في تفسير النّصّ القرآنيّ وتهدف إلى معرفة النّتائج النّاجمة عنهما وصولا إلى تحديد الخصائص النّوعيّة لكلّ منهج منهما.
إنّ الثّقافة الإسلاميّة تميّزت بالتّنوع والحيويّة، فالاحتكاك بين الأجناس العديدة بمفعول اتّساع حدود المجتمع الجغرافيّة، قد لعب دورا أساسيّا في التّوليد العقليّ والإنتاج الثّقافيّ المتضمنيْن لبذور الاختلاف ولإمكانيّة تقبّلها على أنّها جزء من الحقيقة باعتبارها إمكانا من إمكاناتها المتعدّدة وسبيلا من السّبل الموصلة إليها إلاّ أنّ سمة الاتّساع في الثّقافة سرعان ما تحوّلت إلى انغلاق يَضيق بالرّأي المخالف فشُلّت حركة التّفكير وكثر التّنابز بالألقاب وعمّ التّنابذ.
وهكذا تروم هذه الدّراسة الوقوف على الدّواعي الّتي حدت بالرّجليْن إلى الاختلاف في منهج التّفسير القرآني. وبيان طبيعة الاختلاف بينهما: هل يمسّ جوهر العمليّة التّأويليّة المؤدّية إلى المغايرة في الفهم أم هو مجرّد اختلاف لا يتجاوز الظّاهر؟ وهل أدّى إعمال النّظر عند أبي عليّ الجبّائي، وهو التّفسير الّذي لم يصلنا كاملا، ولم يُعْتمد من ذي قبل في مستوى البحث والدّرس، إلى استقلال الحقيقة العقليّة بذاتها أم بقي النّظر خادما للحقيقة الّتي جاء بها الأثر؟ وهل ظلّ العقل مرتدّا إلى الوراء مرتهنا بالموروث أم تمكّن من الإقلاع والتّطلّع إلى المستقبل وآفاقه؟ وبكلمة واحدة هل يشكّل اعتماد كلّ من النّظر والأثر محوريْن في التّفسير أم هما مجرّد تنويعيْن في إطار محور واحد؟
الهوامش
[1] انظر الطّبري، جامع البيان، مج1، ص 92.
[2] هو أبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري ولد بالبصرة سنة ( 260هـ/874م) وتوفّي سنة ( 325هـ/936م) ببغداد، إليه ينسب أصحاب السّنّة والحديث. وقد رأى أنّ النّظر العقلي في فهم النّصوص الشّرعيّة مقيّد بالشّرع، فالعقل يجب أن يكون في خدمة الشّرع وليس العكس، وقد عارض مذهب المعتزلة حين حكّمت العقل في كلّ أحكام الشّرع، فتوخّى منهج التّوفيق بينه وبين العقل. انظر وفيّات الأعيان لابن خلّكان، ج3، ص ص 284 - 286.
[3] الأشعري، الإبانة عن أصول الدّيانة، باب في إبانة قول أهل الزّيغ والبدعة، ص13، علما بأنّ هذا الكتاب هو الأثر الّذي ألّفه الأشعري إثر خروجه على مذهب الاعتزال مباشرة.
[4]  أوغاد النّاس. انظر ابن منظور، لسان العرب، مادّة «طغم»، مج12، ص 368.
[5] القاضي عبد الجبّار، متشابه القرآن، ج1، تحقيق عدنان محمّد زرزور، ص33.
[6] انظر عليّ الشّابي وأبو لبابة حسين و عبد المجيد النّجار، المعتزلة بين الفكر والعمل، ص7.
[7] هو باحث لبنانيّ قام بجمع بعض تفاسير المعتزلة المبكّرة وأعاد تركيبها استنادا إلى النّقول الواردة في بطون المدوّنات التّفسيريّة الكبرى. وقد تنبّه الباحث إلى هذا المشروع من خلال تتبّعه لتفسير هشام بن الحكم الشّيعي(ت. 179هـ/795م)= = فشدّته كثرة أخذه عن مفسّري المعتزلة. ومن هذه التّفاسير الّتي تمكّن من جمع شذراتها الكثيرة هي: تفسير أبي بكر الأصم  وأبي مسلم الأصفهاني (ت. 322هـ/934م) وأبي القاسم الكعبي (ت.319هـ/931م) وأبي عليّ الجبّائي. انظر مقدّمة رضوان السّيد في تفسير أبي عليّ الجبّائي لخضر محمّد نبها، موسوعة تفاسير المعتزلة3، ص ص أ- د. علما بأنّ هذا التّفسير الأخير هو المصدر المعتمد في هذه الدّراسة، وسنعمد إلى الاختصار في الإشارة إليه بالرّمز التّالي: الجبّائي، ت1.
[8] استخرج خضر محمّد نبها ما قيل إنّها آراء أبي عليّ الجبّائي من خلال مصادر سنيّة، منها التّفسير الكبير للرّازي ، واعتزاليّة منها كتب القاضي عبد الجبّار وأخـرى شيعـيّة كالتّبيان في تفسير القرآن للطّوسي ( ت. 460هـ/1067م) وسعد السّعود للنّفوس لابن طاووس  (ت. 654هـ/1256م) ومجمع البيان للطّبرسيّ ( ت. 548هـ/1153م).
[9] 
Daniel Gimaret, Une lecture muʽtazilite du Coran, Le Tafsīr d’Abū ʽAlī Al-Djubbā’ī  partiellement  reconstitué  à  partir  de  ses  citateurs,  Bibliothèque  de  l’École des Hautes Études Sciences Religieuses, Peeters Louvain – Paris, 1994.                                    
وسنعمد إلى الاختصار بالإشارة إلى هذا التّفسير بالرّمز التّالي: الجبّائي، ت2. وليس التّرتيب في الإشارتين (ت1 وت2) تفاضليّا لأنّ المصنّفين يتكاملان، فقد يتضمّن الواحد تفسيرا لبعض الآيات لم يتعرّض لها الآخر.
[10] عليّ الشّابي وأبو لبابة حسين وعبد المجيد النّجار، المعتزلة بين الفكر والعمل، ص16.
[11] إرلنغن، من مقدّمة تاريخ القرآن لنولدكة، تعريب جورج تامر، ص 20.
[12]  الطّبري، جامع البيان، مج1، مقدّمة المؤلّف، ص 105.
[13]  صحيح البخاري، حديث عدد 2697، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصّلح مردود، ص 561.
[14] Voir  Claude Gilliot, Exégèse, Langue et théologie en Islam, p 278
[15] يورد محمّد توفيق صدقي في مجلّة المنار، مج 9، سنة 1903، مقال «الإسلام هو القرآن وحده»، ص 924 ما يلي:  « القرآن أمر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بكتابته ونسمّيه «التّعاليم التّحريريّة أو الكتاب». والسّنّة نهى عن كتابتها ونسمّيه «التّعاليم اللّفظيّة» » . ومن المهمّ أن نشير إلى أنّ هذه المسألة تعدّ في الواقع خلافيّة إذ لو كانت السّنّة واجبة ما نهى الرّسول، من الأساس، عن تدوينها. م.ن، ص 911. ثـمّ إنّ الرّسول (ﷺ) هو أوّل من يعلم أنّ الله نزّل الذّكر وهو له حافظ، وقد استبعد وهم التّخليط بين القرآن والحديث بتخصيص كَتَبَة للقرآن وآخرين لأقوال الرّسول. وانظر، في هذا الصّدد، محمّد شحرور، الكتاب والقرآن، ص ص 546- 547.
[16] وحيد السّعفي، العجيب والغريب في كتب تفسير القرآن، ص 25.
[17]Voir Hassan Hanafi ,  Les  méthodes  d›exégèse,  p CXXXVII                                                  
[18]  الطّبري، جامع البيان، مج1، ص 93، وقال التّرمذي هذا حديث غريب.
[19] لاحظ التّعارض القائم بين الحديث السّابق وهذا الحديث الّذي يشجّع على الاجتهاد وإعمال الرّأي وإن تعلّق بمجال القضاء: « إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاَجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاِجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ». صحيح البخاري، حديث عدد 7352، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، ص 1462. وقد ورد في «تحذير الخواصّ من أكاذيب القُصّاص للسّيوطي، ص189، أنّ ابن حبّان (ت.286هـ/ 899م) قـال:« لَعَلَّ الكَدِيمِي قَدْ وَضَعَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ».
[20]Voir Mohammed Arkoun, Pour une critique de la raison islamique, p16                                        
[21] هو الّذي أشرف على تحقيق جامع البيان عن تأويل آي القرآن، وقدّم للنّسخة المعتمدة في هذه الدّراسة، طبعة دار السّلام، ط 2، مصر، سنة 2008.
[22] الطّبري، جامع البيان، مج1، مقدّمة التّحقيق، ص26.
[23] ابن تيمية، أصول التّفسير، ص67.
[24] عبد المجيد الشّرفي، الإسلام بين الرّسالة والتّاريخ، ص 137.
[25] ابن خلدون، المقدّمة، ج3، ص1031.
[26] الجاحظ، البيان والتّبيين، ج1، ص 88.
[27] انظر محمّد حسين الذّهبي، التّفسير والمفسّرون، ج1، ص371. استغلّ خصوم المعتزلة من أهل السّنّة خاصّة هذا التّنوّع في الآراء فعيّروهم وانتقدوهم به، ولذلك قال ابن قتيبة: إنّ المعتزلة أشدّ النّاس اختلافا، لا يُجمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدّين، بخلاف أهل السّنّة والحديث الذّين يجمعون كلّهم على أصول واحدة. انظر ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، ص 68.
[28] هو محمّد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العلاّف البصري، مولى عبد القيس سمّي بالعلاف لأنّ داره في العلاّفين، صاحب النّظام وناظره. توفّي سنة 235 هـ على سنّ تناهز المائة. انظر القاضي عبد الجبّار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سيّد، ص254.
[29]Encyclopédie de l’Islam, Tome III, L. Gardet, Article ‹ILM AL-KALAM , p 1171
[30] الشّهرستاني، الملل والنّحل، ج1، ص63.
[31] انظر خضر محمّد نبها، أبو عليّ الجبّائي وتفسيره: دراسة تحليليّة، الباب الأوّل، ضمن الجبّائي، ت 1، ص19.
[32] الجويني (ت.478هـ/1086م)، الإرشاد، ص122. ولقد أثار هذا الرّأي جدلا واسعا بين المتكلّمين بين معارض ومؤيّد فابن المرتضى ( ت. 840هـ/1437م) على سبيل المثال يورد في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق»، ص119 أنّ الشّيخ أبا عليّ الجبّائي خاف ما خاف أهل الأثر في المرتبة الأولى من الكفر في مخالفة السّمع فتكلّف مخالفة المعقول في كمون الصّوت في الحروف المكتوبة وفي إحداث صوت من الله مع صوت كلّ قارئ حتّى يكون السّامع لكلّ قارئ سامعا لكلام الله على الحقيقة. فأيّ حرج على أهل الأثر إذا تابعوا سائر السّمع وخالفوا من المعقولات ما هو أدقّ من المعقول الّذي خالفه الجبّائي في هذه المذاهب الّتي لولم  يروها عنه أصحابه لعدّت من تشنيع الأعداء عليه.
[33] أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج3، ص207.
[34] زهدي جار الله، المعتزلة، ص260.
[35] هذا هو ملخّص الرّأي السُّنّي في تفسير الجبّائي وقد صرّح به الأشعري وسترد الإشارة إليه لاحقا. انظر الفصل الثّاني من هذه الدّراسة: التّعريف بالعلمين وبالتّحديد صفحة 86.
[36] تمكن العودة إلى جملة التّقاريض المتعلّقة بهذا التّفسير في التّفسير والمفسّرون لمحمّد حسين الذّهبي، ج1، ص ص309- 312.