نقاط على الحروف

بقلم
عبد الله التركماني
قراءة متمعنة في الفكر السياسي للطيب تيزيني (1) ‏

 مقدمة:‏

يُعتبر التّفكير النّقدي، لدى الطّيب تيزيني، العماد الرّئيسي لأفكاره النّظريّة والسّياسيّة ‏‏(1)‏، إذ يعتبر أنّ معضلتنا في العالم العربي تكمن في سيطرة الأفكار الجامدة اللاّنقديّة. ويبدو ‏أنّ معالجة هذه الوضعيّة «تشترط أدوات منهجيّة ومعرفيّة أكثر تماسكًا وعمقًا ودقّةً وتشخيصًا ‏ممّا هو الأمر حتّى الآن، وهذا بدوره ينطوي على الإشارة إلى أنّ عنصر الشّك المنهجي الجدلي ‏يمارس دورًا مبدئيًا في إعادة صوغ الموقف الفكري العربي في وجهه النّاهض. وهنا، نكون قد ‏ولجنا ساحة التّفكير النّقدي الذي يتيح لنا، هو وحده تحقيق هذه العمليّة»‏‏(2)‏‏. ‏
لقد ناهض «تيزيني» الدّولة الأمنيّة العربيّة، وحاول جاهدًا تفكيك المرتكزات الأربعة ‏للاستعباد السّياسي للفضاء الاجتماعي، التي تعيد إنتاج الطّاعة ورفض منهج القمع ومصادرة ‏الحرّيات، الذي تعتمده الأنظمة العربيّة للمحافظة على حكمها. فبالرّغم من ظهور لحظات، في ‏التّاريخ العربي المعاصر، نشأ خلالها نوع من التّرابط بين الثّقافة واللّيبراليّة، فإنّ الدّولة الأمنيّة ‏سرعان ما عرفت كيف تجهض الاثنتين معًا. من هنا، نما ذلك الشّرخ العميق بين الثّقافة ‏والسّياسة، الشّرخ الذي راح يبرز في الحياة العامّة، وكان من نتائجه أن أظهر المثقّفين عاجزين ‏عن فعل أيّ شيء، فكان على شرائح كبيرة منهم – في النّهاية – أن تدخل البنية الأمنيّة ‏للدّولة. ومن هنا جاءت الهزيمة الكبرى، التي طاولت مشروع المثقّف العربي‏‏(3)‏. ذلك أنّ تحديث ‏الفكر العربي هو «عمليّة فكريّة تمتلك خصوصيّتها النّسبية حيال عمليّة تحديث الواقع العربي ‏المشخّص»، وأنّ «الأخذ بهذا الموقف يجنّب النّظر إلى مهمّات المفكّرين والمثقّفين على أنّها ‏امتداد لمهمّات السّياسيين المباشرة. أمّا تجاوز هذا الموقف فإنّ من شأنه أن يقود إلى فهم ‏ميكانيكي للعلاقة بين الفكر النّظري والسّياسة المباشرة، وأن يؤدّي – بالتّالي – إلى نشوء ‏احتمال الإرهاب الفكري الذي يمارسه السّياسيّون ضدّ المفكّرين، برغم عدم وجود تطابق بينهم ‏وبين هؤلاء»‏‏(4)‏. ‏
وربط «تيزيني» الجمود الثّقافي بـ «الاستبداد الشّرقي» وفكّ العلاقة بين الدّاخل والخارج، ونادى ‏القوى الفاعلة في الدّاخل إلى مقاومة الهشاشة الذّاتية، التي تستدعي القوى المهيمنة من الخارج، ‏والتّخلص من قابليّة الغزو، والخروج من وضعيّة الاستعمار، وتغيير حالة التّبعية والتّشبث ‏بالاستقلاليّة. وحمّل الفهم السّكوني للدّين مسؤوليّة الانحطاط، ودعا لاستئناف الاجتهاد وممارسة ‏التّأويل.‏
وفي سوريّة، حرص على الدّعوة إلى «الطّريق الثّالث»، الطّريق الذي لا هو صدام ولا ‏استكانة، هو طريق «تحت سقف التّصادم وفوق سقف التّسليم»، يصلح عنوانًا لمشروعه، ‏ورؤيته لما يمكن أن يُصلح الأحوال، ولو ببطء، بدلًا من ذهابها الحتمي إلى المصير الذي ‏وصلت إليه.‏
(1) التحوّل من الثّورة إلى النّهضة
في أواسط تسعينيات القرن الماضي أعلن تيزيني أنّ مشروعه « من التّراث إلى الثّورة»، ‏الذي اشتغل عليه منذ سبعينيّات القرن، بات « يعيش اختناقًا قاتلًا»، وشرع في إعادة النّظر بما ‏كتبه. وتعلّق الأمر في التحوّلات التي أخذت تجتاح العالم، بدءًا من نهاية الحرب الباردة وانهيار ‏المنظومة السّوفياتيّة، إلى ثورة المعلومات والاتصالات، ونتائج حرب الخليج الثّانية. فبالثّورة « ‏لن يتغيّر شيء حقيقي وعميق، بل مجرد قشور سطحيّة تتعلّق بهيكل الحكومات، دون ‏سياساتها، ستظلّ السّلطة والقرار بيد مجموعة مغلقة، نخبويّة ذات تمايز عن القاعدة الجماهيريّة ‏الكبيرة»‏‏(5)‏. ورأى أنّ مفهوم «النّهضة والتّنوير» بديلًا عن «مفهوم الثّورة»، انطلاقًا من ثلاثة ‏حوامل ‏‏(6)‏ ‏: أوّلها، الحامل الاجتماعي، الذي يتأسّس على كلّ الأطياف الاجتماعيّة العربيّة، والذي ‏يمثّل « الرّهان الجديد على إحداث تحوّل عميق يفضي إلى مشروع للنّهضة والتّنوير». ‏وثانيهما، الحامل السّياسي، المنبثق عن الحامل الاجتماعي، الممتد من أقصى اليمين الوطني ‏والقومي الدّيمقراطي إلى أقصى اليسار الوطني والقومي الدّيمقراطي، بما في ذلك القوى ‏الإسلاميّة، بعد إدراكها أهمّية اندراجها في مشروع نهضة جديدة للأمّة. وثالثها، الحامل الثّقافي، ‏الذي يقوم على التّعدديّة الثّقافيّة، ويتأسّس على وجود كلّ القوى الثّقافيّة التي أدركت أهمّية ‏الإقرار بالتّعددية السّياسيّة والثّقافيّة. وهنا يعرّج على الحاجة إلى « إعادة النّظر بالبنية السّياسيّة ‏في سوريّة»، لأنّ العمل الثّقافي يبقى هزيلًا إذا لم يواكبه التّأسيس السّياسي، أي « استعادة ‏المجتمع السّياسي، باستعادة السّياسة التي أُخرجت من المجتمع السّوري»، انطلاقًا من أنّ «‏السّياسة هي الفعل الهائل الذي ينتج تحوّلات كبرى».‏
وفي سياق هذه الحوامل، استدرك «تيزيني» فقال ‏‏(7)‏ ‏: القضيّة أصبحت مسألة وجود بعد أن ‏كانت مسألة تقدّم، إذ « أصبحنا أمام استحقاقات جديدة، خصوصًا مع نشأة النّظام العولمي ‏الجديد، الذي يعمل على اقتلاع العالم العربي، الذي لم ينجز ما كان مطروحًا على بساط البحث ‏النّهضوي سابقًا، فكيف ننجز الجديد ولم ننجز القديم بعد؟!». وكان «تيزيني» يذكر دائمًا أنّه كتب ‏إلى النّظام السّوري، بعد سقوط بغداد في العام 2003، أوّل بيان بعنوان «سارعوا وافتحوا أنتم ‏قبل أن يفتح الغزاة».‏
وعندما سُئِل عن احتمالات تكوين حركات جديدة، على غرار تلك التي بدأت في عصر ‏النّهضة الأوروبيّة، أجاب « إنّ مشروع النّهضة والتّنمية مشروط بثلاثة عوامل كبرى هي: الإرادة ‏وأقصد بها إرادة النّاس، والوعي بالتّاريخ، والفعل التّاريخي»‏‏(8)‏‏.‏
وفي سياق حديثه المتكرّر عن أنّ الحامل الحقيقي لمشروع النّهضة يتمثّل « في الأمّة ‏كلّها من أقصاها إلى أقصاها»، أكد أنّ «المسألة الدّينية أُهملت إهمالًا مرعبًا من جانب النّخب ‏الثّقافيّة»، وأنّ « من المستحيل الوصول إلى أيّ فكر نهضوي تغييري حقيقي اليوم، من دون ‏إعادة قراءة الفكر الدّيني، والدّخول إلى روح الوسط الإيماني» ‏(9)‏. ولم يكن «تيزيني»، صاحب «‏النّص القرآني وإشكاليّة البنية والقراءة» متشائمًا من حجم الفاتورة المنتظرة من صعود الإسلام ‏السّياسي، إذ قال « هناك إسلام رثٌّ غير محتمل، وآخر تنويري»‏‏(10)‏. ويُعيد بداية هذا الصّعود ‏إلى سبعينيات القرن الماضي، مع فترة النّفط السّياسي التي « أحدثت تحوّلًا عميقًا في الحياة ‏الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافية العربيّة، ترافقت مع تفكّك الفئات الوسطى ونشوء نمط ‏متصاعد في القوّة من المجتمع الاستهلاكي، ممّا أدّى إلى أنّ 20 % من المجتمع العربي ‏أصبحوا يمتلكون 80 % من الثّروة، ممّا أوجد فئات واسعة من المهمّشين والمفقّرين الجدد، وإرغام ‏الفئات الوسطى عن الانزياح من مواقعها والانضمام إلى الفقراء التّقليديين، دون أن تستطيع ‏الوصول إلى بناء جديد بينها وبينهم، يمكن من خلاله أن تنتج الثّقافة والسّياسة كما كانت تفعل ‏في مواقعها السّابقة، وهنا برز التّيار الإسلامي الذي أخذ منحًى جديدًا مختلفًا عمّا كان سائدًا ‏قبله من توجهات إسلاميّة على الصّعيدين السّياسي والثّقافي، إذ كان الحديث السّابق عن ‏مشروع إسلامي تنويري ثقافي لا يطمح إلى إيجاد دولة إسلاميّة»‏‏(11)‏. ومن هنا تبرز، حسب «‏تيزيني»، أهمّية خاصّة لإخضاع هذا التّيار الأصولي إلى دراسة نقديّة على الصّعيد السّياسي ‏والثّقافي والتّاريخي، وبالتّالي فإنّ الضّرورات، التي يعيشها العالم العربي، تفرض التّفكير في ‏إمكانية التّعايش بين كلّ تيارات الأمّة، طبقًا للآليّات الدّيمقراطيّة.‏
ولكنّه في مواضع عديدة من كتاباته حذّر من التّطرف الإسلامي، الذي يستند إلى بنية ‏أصوليّة مغلقة، على عكس الإيمان الشّعبي الطّيب والصّحيح، تفادت أن يفسدها النّظام الأمني، ‏فراحت تحصد الثّمار « بعد أن ازداد التّأزم والشّرخ بين الدّولة الأمنيّة والمجتمع، الذي يشعر بأنّه ‏لم يعد لديه سلاح سوى التّطرف»(12)‏‏. وهكذا، حسب «تيزيني»، فإنّ الإسلام تمّت خوصصته من ‏طرف قوى محافظة «استطاعت أن تملأ الفراغ الذي أعقب فشل المشاريع الأخرى المنافسة في ‏السّاحة الفكريّة والسّياسيّة»، إلى أن «تحوّل الإسلام من دين للشّعب أو للمسلمين إلى دين ‏للإسلاميّين، الأمر الذي جعله صيغة من الأيديولوجيا، التي أقصت التّديّن الشّعبي وصادرته»(13)‏.‏
‏وفي سوريّة، ظهرت الأصوليّة بقوّة مع مرحلة «النّفط السّياسي»، وتحدّد انتماؤها، ‏الاقتصادي والاجتماعي، مع تحوّل المجتمع السّوري إلى مجتمع العشرين والثّمانين، وازدادت ‏ظلاميّة «مع تعاظم سطوة الدّولة الأمنيّة، بما يحكمها ويضبطها تحت حدّ الاستبداد الرّباعي ‏القائم على الاستئثار بالسّلطة والثّروة والإعلام والمرجعيّة»‏‏(14)‏.‏
(2) في الدّيمقراطية والعلمانية
عندما سُئل «تيزيني» عن تعريفه للعلمانيّة وعلاقتها بالدّيمقراطية والإسلام، قال «هي ‏منظومة من الأفكار تؤسّس لوجود البشر الذين يوجدون في مجتمعات قائمة على التّعددية ‏الدّينيّة والإثنية والسّياسيّة والطّائفيّة، هي أكثر من أن تكون ناظمًا لفكرة العلاقة بين الدّولة ‏والمجتمع، لأنّها تدخل في خصوصيّات كلّ هذه المسائل». ولأنّنا تأثّرنا بالعلمانيّة الأوروبيّة، ‏بعد أن قطعت شوطًا متقدمًا، ظهرت لنا وكأنّها «حالة من الزّندقة». وتابع «علينا أن نأخذ ‏المصطلح كما يدلّ عليه في وجوده الغربي، الذي لا يعني الإلحاد ولا يعني الزندقة، وإنما يعني ‏منظومة من المفاهيم والمصطلحات والأفكار التي تضبط علاقة البشر بمنظوماتهم الطّائفية ‏الإثنيّة المذهبيّة السّلطويّة السّياسيّة، وبالتّالي لا تسيء لأحد ضمن هذا المنظور العمومي. نحن ‏هنا نحتاج الدّيمقراطية معلمنة والعلمانيّة ديمقراطيّة، وبهذا المعنى نكون قد أسّسنا لما هو قابل ‏للتبنّي أو الاستلهام، سواء كان علمانيًا أو أي فكرة يجري تداولها في الفكر العالمي»(15)‏.‏
كما اعتبر أنّ شعار «الدّين لله والوطن للجميع» التّعبير المكثّف عن العلمانيّة، بمعنى «الفصل بين الدّين والدّولة»، وحسب تعبيره فإنّ هذا الشّعار ينطوي على معنى التّحوّل إلى «‏وجه مدني من الوطن المدني والدّولة الوطنيّة»، أمّا الموقف العقيدي، أي الموقف من الله، فقد «‏اعتُبر شخصيًا بقدر ما اعتُبر محترَمًا ومصونًا». وقد اتضح أنّ « الطّائفية العقيديّة الدّينيّة يمكن ‏تحويلها إلى نسق سياسي، من شأنه أن يسعّر الصّراع الدّيني والإثني بين الأقليّات والأكثريّة‏‏»(16) ‏. ‏
كما كتب عن أوهام الخطاب الدّيمقراطي «المجرّد» والعلماني «المضاد» للدّين، وكشف ‏عن الالتقاء في الرّأي بين الأنظمة العربيّة، ذات التّوجه الدّولتي الأمني ومعظم القيادات ‏الأصوليّة الإسلاميّة، حول مطلبي الدّيمقراطيّة والعلمانيّة. فقد « برزت الدّيمقراطيّة في المجتمع ‏العربي المعاصر كردٍّ على ديكتاتوريّة الأنظمة السّياسية العربيّة أولًا، وعلى ظلاميّة بعض ‏التّيارات الإسلاميّة ثانيًا، وكدعوة إلى ربطها بالتّنمية الاقتصاديّة والسّوسيو ثقافيّة المستقلة ثالثًا، ‏ورابعًا وأخيرًا كمنظومة سياسيّة ثقافيّة تدعو إلى حقوق الإنسان والتّعدديّة السّياسيّة والثّقافيّة ‏وكذلك إلى العدالة الاجتماعيّة (الدّيمقراطيّة الاجتماعيّة). وقد جاء الخطاب الأصولوي والخطاب ‏السّلطوي كلاهما تسفيهًا للدّيمقراطيّة «من حيث هي (منتج خارجي غربي) لا يتواءم مع ‏‏(الخصوصيّة العربيّة)، حسب الخطاب الثّاني في كثير من تجلّياته العربيّة. ولا يتّفق مع ‏‏(مبادئ الإسلام الحنيف عامّة ومبدأ الشّورى خاصّة)، حسب الخطاب الثّاني». ‏
وعلى ذلك النّحو تُعامل كذلك العلمانيّة، فهذه نظريّة «أدخلها المتغرّبون العرب ‏والمستشرقون – بحسب الخطاب الأصولوي وبعض فرقاء الخطاب القومي الإسلامي – إلى ‏المجتمع العربي الإسلامي، لتتحوّل هنا إلى تيار غريب ومعزول ومنبوذ»(17). ‏
إلى أن نصل إلى نقده لمحمد عابد الجابري، الذي دعا إلى الدّيمقراطيّة بمعزل عن ‏العلمانيّة، ولكونه اعتبر الدّيمقراطية تنبع من القوميّة العربيّة نفسها كفكرة وكشعار، في حين أنّ ‏الطّيب تيزيني رأى « أنّ الدّيمقراطيّة حينما تطبق في مجتمع ما، فإنّها تكون قد أتت استجابة ‏موضوعيّة لهذا المجتمع، الذي لابدَّ أن يكون ذا علاقات اجتماعيّة اقتصاديّة وذا نظام سياسي ‏وذا بنية ثقافيّة تهيء لها وتعبّر عن شروط حضورها. ولذلك، فهي تأتي تعبيرًا عن ضرورة ‏اجتماعيّة تنطوي على الأخذ بمبدأي التّعددية السّياسيّة والتّداول السّلمي للسّلطة»(18)‏. وجاء هذا ‏الرّأي لتيزيني ردًّا على الجابري الذي « يغطّي وجهه في الرّمال رغبة منه في اتقاء الحقيقة ‏الواقعيّة»، حين يتحدّث في وادٍ عن إمكانيّة تجاوز «العصبيّة الخلدونيّة» بالدّيمقراطيّة، دون ‏تمثّل الهيكليّة الاجتماعيّة لتجاوز هذه العصبيّة نحو نظام سياسي ديمقراطي.‏
كما انتقد « سذاجة» فهم الجابري، الذي نظر إلى « اللّيبرالية العربيّة» كونها مندمجة بـ «‏الأقلّية المسيحيّة»، إذ قال «إنّ هذا النّظر الجابري إلى العلمانيّة يضعنا وجهًا لوجه أمام ‏التصوّر الأصولوي (السّلفوي) لهذه الأخيرة. فهي، وفق ذلك، فكرة (غربيّة مُستجلبة) من الغرب ‏الطّامح – مع صنائعه في المجتمع العربي الإسلامي – إلى الإساءة للإسلام تاريخًا وراهنًا». ‏ومما لفت نظر «تيزيني» أنّ الجابري «وضع الدّين مقابل العلمانيّة.. هكذا يكون قد صبَّ زيتًا على ‏‏(نار) العواطف الدّينيّة (الأصولويّة) الرّاهنة المضادّة للعلمانيّة، وأسهم – من ثمَّ – في نشر ‏الجهل في هذا الحقل، والدّيماغوجيّة في أوساط المنظّرين للأصوليّة الإسلاميّة الرّاهنة». وخلص «‏تيزيني» إلى القول « إنّ العلمانيّة لا يمكن أن تكون بديلًا عن الدّين من حيث هو، وإنّما هي ‏البديل عن (الدّين السّياسي) أو الدّين مسيّسًا»(19)‏.‏
وهكذا، يصل «تيزيني» إلى القول « يتبلور المشروع السّوسيوسياسي البنائي للعلمانيّة في ‏المجتمع العربي في إقصاء الصّراعات، التي تفضي إلى الانتحار الذّاتي، وفي تكريس ‏الصّراعات السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والطّبقيّة والثّقافيّة وتثميرها وجعلها الحاسمة في ‏المجتمع المذكور، دون أن يكون ذلك المشروع بديلًا عن هذه الصّراعات. ولا يخفى على ‏الباحث أنّ كلّ الأقطار العربيّة الرّاهنة تفتقد هذه الصّيغة الحاسمة من أشكال الصّراع»(20) ‏. ‏وتتّضح مخاطر «الانتحار الذّاتي»، الذي تحدّث عنه تيزيني، ودعوته إلى ضرورة العلمانيّة، ‏عندما ندرك بروز الطّائفية الدّينية، بل «الأصوليّة الدّينيّة».‏
الهوامش
(1) كتب ودراسات الطيّب تيزيني (حسب ويكيبيديا):‏
‎• ‎‏ مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ، دار دمشق – دمشق 1971، ‏خمس طبعات‎.‎
‎• ‎‏ حول مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث (الوطن العربي نموذجًا)، دار دمشق، ‏دمشق 1971، ثلاث طبعات‎.‎
‎• ‎‏ من التراث إلى الثورة (حول نظرية مقترحة في التراث العربي)، دار ابن خلدون، ‏بيروت، 1976، ثلاث طبعات‎.‎
‎ • ‎روجيه غارودي بعد الصمت، دار ابن خلدون، بيروت، 1973‏‎.‎
• تاريخ الفلسفة القديمة والوسيطة، بالاشتراك مع غسان فينانس، جامعة دمشق، ‏‏1981. ‏
• التفكير الاجتماعي والسياسي (أبحاث في الفكر العربي الحديث و المعاصر)، ‏جامعة دمشق، 1981‏‎.‎
• مشروع رؤية جديدة للفكر العربي منذ بداياته حتى المرحلة المعاصرة من 12 ‏جزءًا، دار دمشق، 1982‏‎.‎
• الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي)، ‏الجزء الثاني – دار دمشق، دمشق 1982‏‎.‎
• من يهوه إلى الله  (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي)، في مجلدين، الجزء ‏الثالث، دار دمشق، دمشق 1985‏‎.‎
• دراسات في الفكر الفلسفي في الشرق القديم، جامعة دمشق، 1988‏‎.‎
• ‎‎ابن رشد وفلسفته مع نصوص المناظرة بين محمد عبده وفرح انطون/تأليف ‏فرح أنطون، تقديم طيب تيزيني، دار الفارابي، بيروت، 1988‏‎.‎
• في السجال الفكري الراهن (حول بعض قضايا التراث العربي: منهجًا وتطبيقًا)، ‏دار الفكر الجديد، بيروت، 1989‏‎.‎
• على طريق الوضوح المنهجي (كتابات في الفلسفة والفكر العربي)، دار ‏الفارابي، بيروت، 1989‏‎.‎
• فصول في الفكر السياسي العربي، دار الفارابي، بيروت، 1989، طبعتين‎.‎
• مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر نشأةً وتأسيسًا (مشروع رؤية جديدة ‏للفكر العربي)، الجزء الرابع، دار دمشق، دمشق 1994‏‎.‎
• من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي (بحث في القراءة الجابرية للفكر ‏العربي وفي آفاقها التاريخية)، دار الذاكرة، حمص 1996‏‎.‎
• النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي)، ‏الجزء الخامس – دار الينابيع، دمشق 1997‏‎.‎
• من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني، دار جفرا، دمشق، 2001‏‎.‎
• ‎ ‎من اللاهوت إلى الفلسـفة العربية الوسيطة، منشورات وزارة الثقافة، سورية، ‏‏2005‏‎.‎
• ‎ ‎من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني، دار جفرا، 2002‏‎.‎
• ‎ ‎بيان في النهضة والتنوير العربي، دار الفارابي، 2005‏‎.‎
• بالألمانية ‏Die Matemie auffassung in der islamischen Philosophie des ‎Mittelalters , 1972 Berlin.‎
وكتب بالاشتراك مع آخرين‎:‎
‎ • ‎الإسلام ومشكلات العصر الكبرى، دمشق، 1998‏‎.‎
‎ • ‎الإسلام والعصر (تحديات وآفاق)، بالاشتراك مع محمد سعيد رمضان البوطي، سلسلة ‏حوارات لقرن جديد، إعداد وتحرير عبد الواحد علواني، دار الفكر، دمشق 1998‏‎.‎
‎• ‎‏ الواقع العربي وتحديات الألفية الثالثة، مع آخرين، مراجعة وتقديم ناصيف نصار، ‏المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2001‏‎.‎
‎ • ‎آفاق فلسفة عربية معاصرة، بالاشتراك مع د. أبو يعرب المرزوقي، دار الفكر، ‏بيروت، 2001‏‎.‎
(2)  الطيّب تيزيني، فصول في الفكر السياسي العربي، دار الفارابي، بيروت 1989، ط ‏‏1 ص 106.‏
(3) حوار ابراهيم‎ ‎العريس مع الطيّب تيزيني، صحيفة « الحياة «، لندن 17 نيسان/أبريل 2006.‏
(4)  د. الطيّب تيزيني، على طريق الوضوح المنهجي (كتابات في الفلسفة والفكر العربي)، دار ‏الفارابي، بيروت 1989، ط1 ص 26.‏
(5) حوار ميادة الدمرداش مع الطيّب تيزيني، في القاهرة، صحيفة « الرأي العام «، ‏الكويت 20/كانون الأول/ديسمبر2006.‏
(6) حوار فاطمة عطفة مع المفكر‎ ‎السوري الطيّب تيزيني، صحيفة « الاتحاد «، أبو ‏ظبي 7 و8 تشرين الأول/أكتوبر 2008.‏
(7) حوار وحيد تاجا مع الطيّب تيزيني،‎ ‎موقع « إسلام‎ ‎أون لاين»، 21 تشرين الثاني/نوفمبر ‏‏2008.  ‏
(8) حوار داليا عاصم مع الطيّب تيزيني، في الإسكندرية، صحيفة « الشرق الأوسط «، ‏لندن 7 كانون الثاني/يناير2007.‏
(9)  حوار ابراهيم‎ ‎العريس مع الطيّب تيزيني، صحيفة « الحياة «، لندن 17 ‏نيسان/أبريل 2006.‏
(10)  حوار خليل صويلح مع الطيّب تيزيني، صحيفة « الأخبار «، بيروت 16 ‏تشرين الأول/أكتوبر 2011.‏
(11) حوار وحيد تاجا، المرجع السابق.‏
(12) حوار داليا عاصم، المرجع السابق.‏
(13) حوار ابراهيم‎ ‎العريس، المرجع السابق.‏
(14)  حوار راشد عيسى مع الطيّب تيزيني، صحيفة « النهار «، بيروت 1 نيسان/أبريل 2011.‏
(15)  حوار محمد ديبو مع الطيّب تيزيني، الموقع الإلكتروني « الأوان «، 2 نيسان/أبريل ‏‏2009. ‏
(16)  د. الطيّب تيزيني، على طريق الوضوح المنهجي..، المرجع السابق، ص ص 53 - 54.‏
(17)  د. الطيّب تيزيني، من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي، دار الذاكرة – ‏حمص ودار المجد – دمشق، ط1 1996، ص ص 269 – 270.‏
(18)  د. الطيّب تيزيني، من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي..، المرجع ‏السابق، ص ص 271 – 272.‏
(19)  د. الطيّب تيزيني، من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي..، المرجع ‏السابق، ص ص 275 – 276.‏
(20)  د. الطيّب تيزيني، من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي..، المرجع ‏السابق، ص 283.