من وحي الحدث

بقلم
فوزي أحمد عبد السلام
العورات المجتمعيّة للثّورة ‏

 ثمن الصّمت

‏ نصمت على الفساد في بادئ أمره فتمرّ أمور صغيرة في حياتنا ومعاشنا، وتتردّد أمثال شعبيّة في الأرجاء، تزيد ‏الطّين بلّة، من أمثال «الباب اللّي يجيلك منه الرّيح سدّه واستريح» أو «طاطي للمركب تعدي» أو «أربط الحمار زي ما عايز ‏صاحبه». وهناك أمثال تختزنها الذّاكرة الشّعبيّة لكلّ أمّة بنحو هذه المعاني التي إن صحّت فربّما تصحّ فرديّا بل جزئيّا فقط في ‏الزّمان وفي المكان وفي الإمكان، حتّى قال الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن «إذا صمت العالم والجاهل يجهل، فمتى يعرف النّاس ‏الحقّ». وكلّما زادت فترة الصّمت على الفساد والظّلم والاستبداد والقهر كانت الضّريبة التي يدفعها الشّعب باهظة جدّا ماديّا ومعنويّا ‏وربّما احتاجت الأجيال التي تثور لتصحيح الأوضاع إلى عقود من البذل والتّضحية قد تمتدّ إلى قرن من الزّمان ‏كما في الثّورة الفرنسيّة . 
أكبر هذه الضّرائب التي يدفعها الشّعب الذي لا يثور ضدّ الظلم المنتشر في الأرجاء هو المبالغة في إخفاء ‏الأخطاء وستر العورات بثياب ظاهرها تبدو للنّاظر بعكس ما تخفيه،
لنأخذ على سبيل المثال منظومتنا التّعليميّة التي كان من المفترض أن ‏تداوي أسقامنا من الجهل، تبدو في الظّاهر جيّدة لكنّها في حقيقة الأمر صارت مثل الأصباغ التي تضعها المرأة القبيحة على وجهها لتبدو جميلة، ولنكتشف بعد ‏فوات الآوان «مع أنّ الأوان لا يفوت أبدا عند الثّائرين» أنّ الأمم الأخرى قد سبقتنا بسنين ضوئية، وأنّ عوراتنا منكشفة في كلّ ‏اتجاه، ليس علميّا فقط بل سياسيّا واقتصاديّا وعسكريّا واجتماعيّا ونفسيّا، ويكفي هنا مطالعة كتاب «اعترافات قرصان اقتصاد»(1)‎‏ ‏أو لعبة الأمم لمايلز كوبلاند (2)، لينكشف حينها للجميع أنّ يوتوبيا (3) أحمد خالد توفيق حقيقة وليست رواية كما كتبها رحمه الله، ‏يؤيّد ذلك رؤية النّاس يوميّا لمشاهدها وخصوصا بعد اعترافات القرصان.‏
الثّورة تكشف العورة
نجتهد كثيرا في ستر عوراتنا المادّية والمعنويّة أحيانا، وتلك غريزة فطريّة، لكن تأتي الثّورات فتكشف عورات ‏أخرى كنّا نجتهد أيضا في سترها، أشدّ هذه العورات انكشافا هو الجهل السّياسي. جهل بالمجتمع الثّائر، وجهل بما ينبغي فعله تجاه الطّغاة ‏المستبدّين من حيث تحديد هويّتهم والوقوف على حدود قوّتهم، وتحديد المدى الذي تصل إليه تشابكاتهم مع جماعات المصالح الدّاخلية ‏والعالميّة كمّا وكيفا، وذلك لوضع تصور لمقاومتهم، وجهل ‏بكيفيّة التّحريك الآمن للحشود الثّائرة في حدث الثّورة الرّهيب، وتوجيه زخم هذه الكتلة الصّلبة في الاتجاه الصّحيح الذي تقلّ فيه ‏الأضرار والتّدمير الذي يلحق بالمجتمع. 
ففي العشريّة الأخيرة، اندلع أكثر من احتجاج قويّ ضدّ الفساد ‏والمفسدين في مختلف الدّول العربيّة، والذي وصل في بعض الأماكن إلى تغيير النّظام أوتعديله، وفي البعض الآخر إلى مجرد هزّ شجرة الفساد التي سرعان ‏ما تكيّفت مع الوضع وألقت بعض ما فيها من فروع شاخت وباخت، وتخلّت عنها ظاهريّا وأبقتها تحت مظلّة ‏رعايتها. وفي أماكن أخرى أدّت تلك الاحتجاجات إلى التّدمير الشّامل للمجتمع والشّعب والدّولة، وإلى هجر النّاس لمدنهم وقراهم فتحوّلوا في لحظة إلى ‏لاجئين تتقاذفهم الدّول هنا وهناك، يتاجر اللّصوص بكلّ ما لديهم.‏
الجهل الفردي والجماعي
من الناحية الفرديّة، لا ينكر أحد على غيره هروبه الظاهريّ من الجهل، وإن كان من أهله، مع أنّ الهرب لا يمكن أن يكون علاجا لهذه المشكلة الرّهيبة، لكن كفى بالجهل مذمّة أن يهرب منه من هو أهله، وكفى بالعلم شرفا أن يدّعيه من ليس بأهله. ‏لكنّ الإنكار كل الإنكار على المؤسّسات التي تصدّت بشكل منظّم للتحرّكات الهادفة للتغيير بدون أن تكون لها أيّة نظريّة سياسيّة في التّعامل مع ‏مثل تلك الأحداث. 
وإذا كانت تغطية العورة المادّية واجبا، فكشف العورة المعنويّة واجب ليسهل علاجها، خصوصا إذا تعلّقت بالجهل الجماعي المرتبط بعدم امتلاك حلول لمشاكل بعينها، فهنا يكون البيان واجبا، وإذا كان البحث عن الشفاء من «العي = الجهل» هو السّؤال المطروح في الظاهرة الفرديّة، فهو أكثر طرحا وإلحاحا بالنّسبة للبحث عن الشفاء من العيّ الجماعي الذي يفتك بالمجتمعات أكثر من فتك الأوبئة بها. هنا لا يجدي أسلوب التّقيّـــة نفعــا «حتى لو ‏كان سياسيّــا»، فإذا كانت التقيّــة - في ممارستها الفرديّــة - تعني الكتمان الواجــب في قضاء بعض الحوائج الفرديّة التي تكون في الغالب من أجل الحفاظ على النّفس، فالتّقيّة أقرب - في ممارستها الجماعيّة - إلى الخديعة منها إلى الكتمان، وحين تكتشف الجماهير ذلك يكون عقاب الشّعب قاسيّا ومؤلما.‏
عورة الصّوت العالي
لم يكن مصطلح «الثّورة» لدى هذه المؤسّسات والجماعات التي تتصدّى لاحتجاجات النّاس (الجاهلة معنويّا) مذكورا في قاموسها السّياسي بل أنّ «الثّورة» لديها ليست إلاّ «ظاهرة ‏حنجوريّة أي صوتيّة» تتجلّى في حشد النّاس وبحّ الصّوت بالهتاف، مع أنّها في الباطن تماه مع أصحاب القوّة المادّية على ‏الأرض. وعندما ينكشف أمر القائمين على تلك الجماعات أوالمؤسسات والعاملين فيها يحتجّون بأنّ رقابهم كانت تحت السّيوف وأنه لاحول لهم ولاقوّة، وهو عذر أقبح من ‏الذّنب. هؤلاء يجهلون أنّ الثّورات لا تقوم إلاّ حين لا يكون أمام النّاس خيارات أخرى، حتّى تكون كلفة القيام بالثّورة تساوي أو ربّما أقلّ من ‏كلفة القعود عنها وذلك لدى القطاع المؤثّر من الشّعب والذي يسمّى في العلوم السّياسيّة – واللّفظ منزوع من الفيزياء –  «الكتلة ‏الحرجة».
ينسى هؤلاء أيضا أنّ الذين يتحالفون معهم من حكّام وفاسدين هم الذين احتزّوا رقابهم أكثر من مرّة في السّابق، وكلّما تحالفوا معهم غدروا بهم بعد أن يحقّقوا هدفهم في قمع الجموع الثائرة. ولكنّ جهلهم السّياسي الذي لا يريدون الاعتراف به واصطفافهم وراء الحّكام الفاسدين أدّى إلى لدغهم من نفس الجحر في أكثر من مناسبة برغم أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلم ‏يقول «لا يُلْدَغُ المؤمنُ من جُحْرٍ مرتين» (4)
كان من المفترض أن تؤدّي إحتجاجات الناس وما صاحبها من أحداث إلى إحداث مراجعات جذريّة شاملة بدءا بالأصول والهياكل ‏والبرامج وانتهاء بالمنتج ليس فقط بالنسبة للجماعات والمؤسسات التي أيّدت الحكّام الفاسدين بل أيضا الجماعات والأحزاب التي كانت في المعارضة والتي قدّمت نفسها أمام الشّعب بديلا للحكّام. ففي بعض ‏الأماكن التي تتّسم فيها الممارسة السّياسيّة بقدر كبير من الدّيمقراطيّة، وبعد إجراء انتخابات ديمقراطيّة في كنف من الحرّية، يرفض الشّعب منتجات تلك القوى السياسيّة المعلّبة، حتّى وإن كان تعليبا جيّدا، فالشّعب يريد منتجا طازجا لا يسبّب له عسر الهضم يفهمه ويستسيغه. 
ينبغي أن ننظر ‏في أساليب وطرق عرض أفكارنا وبرامجنا على النّاس، ونتساءل: لماذا رفضنا النّاس في الوقت الذي ظنّنا أنّهم سيقبلوننا بل ويقبلوننا وهم ‏فرحون.‏
مفتاح الحقيقة لا يملكه أحد
من أكبر العورات أيضا أن يظنّ فريق من النّاس أنّهم وحدهم من يملك مفتاح الحقيقة السّحري لحلّ جميع المشاكل، ‏وهذه أيضا يجتهدون في إخفائها «لكنّ الصبّ تفضحه عيونه»، وقضى ربّك أن لا يمتلك الحقيقة كاملة أيّ أحد «حتّى الأنبياء»، فهم ‏معصومون فقط فيما يبلغون عن ربّ العزّة، لأنّ الحقيقة لها أبعاد لا نهائيّة والبشر عددهم محدود وقدرتهم على معرفتها محدودة ، ولا يوجد بشر ‏على وجه الأرض سواء في الماضي أو في الحاضر أو في المستقبل من يفهم في كلّ شيء بصفة حصرّية. ولعلّ ‏في قصّة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم مع تأبير النّخل في المدينة عبرة ودليل عمّا نقول. لمّا مرّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم على أناس وهم منشغلون بتلقيح النّخل، قال لهم: «ما أرى هذا يعني شيئًا»، فلمّا لم يثمر النخل وأخبروه بذلك قال: إنّما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظنّ، ولكن إذا حدّثتكم عن الله فلن أكذب على الله»، ثم قال: «أنتم أعلم ‏بأمور دنياكم، فما كان من أمر دينكم فإليَّ» (5). فإذا كان هذا حال الأنبياء فما بالك بحالنا نحن.
لنعالج إذا غرورنا واعتقادنا بامتلاك الحقيقة كلّها، ولنتعامل مع الآخرين - غير الفاسدين - بمبدإ حسن الظنّ والتحالف معهم ووضع أيدينا في أيديهم، لتكتمل الصّورة النّاقصة عندنا عن حجم كارثة الفساد في أوطاننا فيكون النجاح حليفنا في محاربة الفاسدين.‏
الهوامش
(1) جون بيركنز، «اعترافات قرصان اقتصادي: الاغتيال الاقتصادي للأمم» ترجمة مصطفي الطناني – عاطف معتمد – ‏إيزابيل كمال، دار الطناني للنشر، القاهرة ‏‎2010 ‎‏.‏
(2) مايلز كوبلند، «لعبة الأمم»، ترجمة إبراهيم حزيني، بيروت، مايو‎ 1970 ‎‏.‏
(3) أحمد خالد توفيق، « يوتوبيا»، ترجمة إبراهيم حزيني، بيروت، مايو‎ 1970>‎
(4) حديث شريف، أخرجه مسلم في « صحيحه « (رقم/2361)، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه‏‎ ‎‏.‏
(5) حديث شريف عن أبي هريرة. أخرجه البخاري (6133) في كتاب الأدب، ومسلم (2998) في كتاب الزهد والرقائق.