من وحي الحدث

بقلم
فوزي أحمد عبد السلام
فلسفة التضحية
 لماذا التضحية
‏لماذا يضحّي الآباء بالنّفس والنّفيس في سبيل تربية أبنائهم؟، ولماذا يضحّي العلماء بأعمارهم في معاملهم وفي بحوثهم ودراساتهم؟، ‏ولماذا تضحّي الشّعوب في سبيل حرّيتها؟، ولماذا يفدي الجندي وطنه بروحه؟ ألف لماذا ولماذا يمكن أن تطرح في هذا المضمار، والجواب يُختصر في كلمة واحدة: «التّضحية» التي تكاد تكون فطرة، فطر الله النّاس عليها لأجل الاستمرار والتّطور، بصرف النّظر عن الوجهة التي من ‏أجلها تكون التضحية. لكنّ أرقى التضحيات هي تلك التي تكون من أجل قضيّة ما، ودون مقابل ظاهر، تلك التي تمثل ‏قيمة عليا في الوعي الإنساني، وتحوز إعجابا وتقديرا عاليا في كافة الثّقافات الإنسانية على تباينها واختلافها في تراتبية القيم. ‏التّضحية هي بذل النّفس والنّفيس لإعلاء ونشر القيم العليا في ثقافة ما بين النّاس، لذلك لا تكون التّضحية إلاّ بعد عقد (حقيقي أو ‏مجازي) تيقّن صاحبه من الرّبح مقدّما، لأجل ذلك ساق الله عزّ وجلّ الآيات في صورة تعاقد بيع وشراء:‏‎ ‎‏«إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ ‏الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ ‏أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»(1)‎. ‏
التضحية والخلاص والحرية
في هذا الإطار كيف يمكن فهم تضحية نبيّ الله إبراهيم عليه السلام بابنه الذي رزقه على الكبر، وإقدامه عازما على ‏التّنفيذ، بعد أن حدّ السّكين وتلّ ابنه للجبين وعدم سماعه للمزاعم «العقلية» التي أبداها له من أتاه عند جبال منى، وتيقن أنّه ‏الشّيطان. لا يمكن فهم هذه التّضحية الجسيمة أبدا إلاّ بعد تيقنهما ‏أنّ الخلاص الدّنيوي والأخروي تكمن قيمته في تنفيذ الأمر الإلهي دون تردّد بعد الإيمان به. 
ترتبط فكرة الخلاص الأخروي ‏أساسا عند اليهود والنصاري والمسلمين بالخلود في الجنّة، وهي مرتبطة عضويّا بالقدرة على التّضحية بأغلى وأعزّ ما تمتلك في ‏سبيل الله، ولكنّها تختلف بينهم في إمكانيّة فعل ذلك بوسيط أم دون وسيط، أي في «الحرّية»، وهي فكرة جوهريّة تعبّر عن ‏مسؤولية الإنسان مباشرة عن أفعاله لا عن أفعال غيره، حتى ولو كان هذا الغير «الأباء الأولون»، فلا يوجد جين مسؤول عن ‏توريث الخطيئة حتى تكون الخطيئة حتميّة، بل تتعلّق بالإرادة، كما لا يوجد جين مسؤول عن التّضحية أيضا، وذلك حتى يصحّ ‏الاختبار بها، وإن كان إبراهيم عليه السّلام قد أقدم على أن يضحّي بابنه وأوشك أن يباشر الخطوة النّهائية للتّنفيذ، فقد يجادل ‏البعض ويقول إن إبراهيم كان نبيّا، فكيف بما حفظه التّراث الصّوفي لنا، إذ يروي في التّاريخ الصّوفي المغربي أنّ الشّيخ الهادي ‏محمد بنعيسى قام باختبار مريديه، حيث استدعى بعضهم ليلة العيد وقال لهم: سأكون مسرورًا لو اجتمعتم عندي صباح الغد. ‏اصطفّ الأتباع أمام باب شيخهم ولم يخلفوه موعدا، إلى أن خرج إليهم قائلاً: كلّكم أبنائي. وإن كنتم تعتبرونني أبًا لكم، فهل ‏باستطاعتكم تنفيذ ما سأطلبه منكم؟ فأجاب الأتباع بنعم، فقال الشّيخ: إنّي أرغب ذبحكم بمناسبة هذا العيد. إندهش الأتباع من أمر ‏شيخهم. وقال أحدهم: ولكن يا شيخنا، إنّنا نذبح الأكباش. فردّ الشّيخ: أنا أريدكم أنتم كأضاحي. فمن منكم يحبّني فعلاً، فما عليه إلاّ ‏أن يدخل بيتي كي أنحره‎.‎‏ تقدّم المريد الأول وراء شيخه قائلاً: لك حياتي إن كان في الأمر منفعة، حينما وصلا إلى المدخل، طلب ‏الشيخ من مريده أن يذبح كبشًا، ويترك دمه يسيل إلى أن يصل إلى الخارج. بعد ذلك تقدّم المريد الثاني، بعد استفحال سيلان الدّم ‏خارج الدّار، تمّ إخبار الشّرطة بأنّ الشيخ الهادي بنعيسى ينحر أتباعه، فقدم أعوان الشّرطة إلى المكان فلم يجدوا سوى ثمانية وثلاثين ‏مريدًا حيًّا وإلى جانبهم ثمانية وثلاثون كبشًا مذبوحًا»(2)‎‏. هذه القصّة إن صحّت ففيها دلالات عميقة على الإقدام علي التّضحية ‏بالنّفس، إذ لا يمتلك الإنسان فعل التّضحية بالنّفس أو بالولد الذي ربّما يكون في بعض الحالات أعلى من التّضحية بالنّفس، إلاّ إذا ‏امتلك الإنسان حرّيته كاملة (كما في حال أنبياء الله إبراهيم وإسماعيل أمام الأمر الإلهي) أو فقدها كاملة (كما في حال المريدين ‏أمام أمر إنسان مثلهم يخطئ ويصيب).‏
التضحية في الأساطير القديمة
منذ أن طلب من ابني آدم أن يقدّم كلّ منهما قربانا «أضحية»، حلاّ لمشكلة بينهما، فمن تقبّل قربانه كان الحلّ في صفّ ‏اختياراته، ولن يكون ذلك إلاّ حلاّ ربانيّا على لسان نبي الله آدم عليه السّلام. وكانت الخطيئة الأولى على الأرض بقبول الطّريقة ‏ورفض النّتيجة ثمّ العدوان على الآخر، وبعد أن خفت نور النبّوة في النّفوس، بدأت الأساطير حول القرابين تتابع، فاخترعوا آلهة ‏مزعومة وقدّموا لها القرابين لتطهّرهم من الخطيئة، كطريقة للخلاص، وطلبا لمرضاتها وخوفا من نزول غضبها، ولمّا تجذّر ‏الخوف من المجهول في نفوس البشر، ركب فريق من المنتفعين الموجة ونصبوا أنفسم وسطاء بين النّاس والآلهة وخلعوا على ‏أنفسهم أوصاف القداسة، وارتكبوا بها أبشع المجازر وأخسّ الجرائم، وليست قصّة الرّاهب «راسبوتين» ببعيدة. وفي العصر الحجري ‏كان الإنسان يقدم على تمزيق أجزاء من بدنه، كالأنف أو الأذن أو الأصابع، ولن يتحمل الإنسان آلام تلك التّضحية أبدا إلاّ بربط ‏هذه الأعمال بمعتقد صارم تمّ بناؤه بطريقة سليمة أو خاطئة. ثمّ تطوّر الأمر فكانوا يقدمون تضحية بشريّة في موسم البذر ‏والحصاد، فكلما دارت الأيام دورتها وحلّ أوان البذر، حلّت معه تضحية بشريّة، ولم تكن التّضحية في العادة بشخص مهمل ‏الذّكر، بل بشخص يتّسم باكتمال البنية والوسامة، وكان يعامل معاملة تنطوي على الإجلال وليس الشّفقة، حتّى لحظة تقديمه ‏قرباناً. تذكّر مثلا أنّ اليهوديّ كان إذا ارتكب خطيئة وأراد أن يتوب فعليه أن يقتل نفسه وهي علامة قبول التّوبة (3)‎. وعند الفراعنة نرى التّضحية بعروس النّيل وهي فتاة من أجمل الفتيات تلقي في النّيل قربانا لإله الفيضان ‏عندهم. وعند اليونان تعدّدت صور التّضحية كأن يضحّي بديك أو نحوه أو كأن يغتسل المرء في ماء البحر ليتطّهر من خطاياه، ‏أما خطايا الجماعة فكانت تلقى على عاتق فرد ما يسمى «فارماكوس»، أي «الدواء» ثم يطرد من المدينة. ذهب هيجل إلى أنّ القربان ‏عند اليونانيين لم يكن يمثل تضحية للخلاص من حسّ بالخطيئة، تحركه دوافع أخروية خشية العقاب عند البعث، وإنّما كان لأجل ‏دوافع دنيويّة طلبا من الآلهة برعايته على هذه الأرض، فتحرس له مدينته من الأوبئة والأمراض، أو تنتصر له على أعدائه من ‏شعوب المدن الأخرى، وليس المهم هنا إن كان قربانا دينيّا أو دنيويّا، لكنّ المهمّ هو ثبوت فكرة التّضحية المبهمة من أجل تأمين ‏خوف ما.‏
التضحية في اليهودية والمسيحية والإسلام
في اليهودية تجذّر الحسّ بالخطيئة الأولى التي ارتكبها آدم، وبسببها خرج من الجنّة. واستحقّ غضب الله ولعنته لأنّه أكل ‏من الشّجرة. لذلك تعدّدت صور التّضحية في العهد القديم تكفيراً عن شرور الإنسان وآثامه مثل تقديم الذّبائح وإيقاد المحرقات، ‏وعندما حرّر موسى عليه السّلام  العبرانيين من الرقّ والعبوديّة وقادهم عبر صحراء سيناء، إلى ‏أرض كنعان فكان عيد فصح اليهود، فصح العبور إلى الحرّية، والذي يحتفلون به بذبح خروف الأضحية مرّة واحدة في كلّ سنة ‏عبريّة. أمّا في المسيحية «الحالية» فنجد أنّ لبّ الديانة ومعمارها مؤسسان على فكرة الفداء، فهي ليست ديانة تحتوي على فكرة ‏للخلاص، بل هي بالأساس فكرة خلاصيّة. والخلاص هنا لا يمكن فهمه إلا في ضوء إثم الخطيئة الأولى، تماما مثل ما في ‏اليهودية، لكن يختلف أسلوب الخلاص منها، ويظلّ المسيحي عاجزا بنفسه عن خلاصها، فكان المسيح هو المخلص، ثم كانت ‏الكنيسة بالوكالة عنه، واستمر ذلك الفهم إلى أن تمّ علمنة العقل الغربي الحديث الذي قدّم التقدم الحضاري كعقيدة للخلاص الدّنيوي، ‏أما الخلاص الأخروي فما زال معقودا على الإيمان بأنّ المسيح مات على الصليب خلاصا لكل من آمن به.
أما في الإسلام فإنّ فكرة الخلاص تكمن في مسؤوليّة الإنسان عن أفعاله وأقواله، لا عن أفعال وأقوال الآخرين، ‏حيث لا يحمل الإنسان من أوزار السّابقين أي شئ. ففي الإسلام لا يوجد ما يسمّى بالخطيئة الأولى، ولا يوجد لدى المسلم شعور ‏مبدئي بالإثم أوالدّونية كما لدى المسيحي، فالقرآن عندما يحكي عن خطيئة آدم وحواء والأكل من الشّجرة، إنما يورد ذلك كلّه ليؤكّد ‏أنّ هذا مصير من يخالف الوحي، وإنّها ليست خطيئة أصلية تلاحق النّوع البشري، لكن قد يقع فيها من هو مثل آدم عليه السّلام، ثم ‏يتوب فيتوب الله عليه. ترجع مركزية الخلاص في الإسلام في إخلاص الاتباع لأثمن وأصدق شئ لدينا وهو الوحي، وهو عين ما ‏فدى به إسماعيل عليه السلام. وليس اتباعا لشخص تتقلّب أحواله مثلنا.‏
تجريد فكرة التضحية‎ ‎
إذا كانت التّضحية دليلا على فداء أعزّ ما تملك، ولا يشكّ بشر أنّ أعز ما نملك بشكل عام هو الوقت «العمر» وهو ‏لاشكّ منقض، فكان ولابدّ من يربّي الإنسان على فدية وقته بإنتاج الأعمال الجادّة النّافعة فيه للنّفس وللجماعة البشريّة والتي تبقي ‏صدقة جارية بعد موته، والأمّة التي تنجح في تربية قطاع عريض من أفرادها على التّضحية تكون أمّة «فعل» وليست أمّة «ردّة ‏فعل»، ويتولّد فيها القدرة على تحقيق أهدافها، وتصبح مثالا إيجابيّا لغيرها. وهنا تتجلّى الرّمزية في قصّة فداء إسماعيل عندما ‏قرّر إبراهيم عليه السّلام التّضحية بأعزّ ما يملك - والذي في حالته ليس الوقت بالطّبع فقد مضي العمر كلهه تقريبا- لكنّه ابنه الذي ‏أوتيه على الكبر وهو في مسيس الحاجة إليه، تحقيقا لرؤيا نبيّ، ورؤي الأنبياء حقّ. ففداه الله عزّ وجلّ بذبح عظيم، ليثبت في ‏التّصور البشري أنّ الدّم الإنساني محرّم، فلا يقدم على سفكه أحد حتى ولو كان نبيّا، ولا حاكم أو ‏حكومة إلاّ بيقين دامغ، لينفي عن البشريّة مستقبلا إصر التّضحية ‏بواحد منها قربانا للإله الباطل في هذا العصر وهو الفساد. وليتقرب المسلمون في بقاع الأرض بهذه الشّعيرة في أيام الحجّ، متّبعين ‏سنة نبيهم صلي الله عليه وسلم في إحياء ملّة أبيهم إبراهيم عليه السّلام، متذكّرين أنّ دم إسماعيل كان سيراق في لحظة تنفيذًا ‏لأوامر الله الحقّ، ثم هو لم يرق وفداه ربه بالذبح العظيم، فكيف بمن يتقرر إنهاء حياتهم وفقا لقانون أو سياسة، إمّا بالشّنق أو ‏رميا بالرّصاص أو تحت وطأة التّعذيب، أو بالمنع من العلاج، ناهيك عن رداءة الطعام المقدم، أو بالسّجن لمدد غير معلومة ... ‏إلى آخر صور القتل التي تأخذ الشّكل القانوني وهي أبعد ما تكون عن تحقيق العدالة في العالم، فيكون كلّ بشر قد تقرّر إراقة ‏دمه، وأمكن فداؤه -حتّى ولو بشبهة- فليُفدى حفاظا على الدّم البشري، وكما يقول نور الدين الزّاهي «لابدّ من الأضحية القربانيّة ‏لأنّها تذكّرنا دائمًا بما كان سيقع، أي بما لا يجب أن يقع بمعنى أنّه لابدّ من دم أضحوي قرباني كي لا نرى دماً آدميًّا»(4).‎‏. وقد لجأ «‏رينيه جيرار» لعقلنة التّضحية ففسّرها بأنّها آليّة لكبح جماح العنف داخل الجماعة البشريّة، فإجماع النّاس لا يتمّ إلاّ على حساب ‏طرف ثالث، ثمّ إنّ تبديد العنف لا يتحقّق إلاّ على حساب طرف ثالث»(5) وكأن جيرار يستحضر قصّة يونس عليه السّلام، حيث ‏ضحّت الجماعة به - وإن كان ذلك قد تمّ باقتراع- وألقي في البحر. ‏
الهوامش
(1) سورة التوبة - الآية 111
(2) نور الدين الزاهي، المقدس الإسلامي، دار توبقال للنشر، الدار البضاء، الطبعة الأولى 2005.‏
(3) «وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» الأية ‏‎54‎‏ ‏من سورة البقرة.
(4) نور الدين الزاهي، المقدس الإسلامي، المصدر السابق
(5) رينيه جيرار، العنف والمقدس، مقدمة المترجمة سميرة ريشا، مراجعة د.جورج سليمان، منشورات المنظمة العربية للترجمة، ‏الطبعة الأولى، بيروت حزيران (يونيو)، 2009.‏