من وحي الحدث

بقلم
فوزي أحمد عبد السلام
فشل البداية العملية لتطبيق صفقة القرن في ورشة «السلام من أجل الازدهار» ‏
 البرودة في الأجواء الساخنة
في قضايا الأوطان لا تستطيع أن تكون محايدا أو أكاديميا باردا، والأجواء من حولك ملتهبة، خصوصا وأنت تدرك ‏جيّدا أنّ طريق جهنم مفروش بالنّوايا الحسنة، ولاسيّما عندما تعلم أنّ من يفرش لك الطّريق بالورود هم مروّجوا الصّفقة التي سوّق ‏لها في ورشة المنامة وهم «بعض ساسة الأمريكان ومن خلفهم الصهاينة» وهم أعداؤنا الحقيقيون، والذي ينبغي عليك أن تعدّ ‏أصابع يدك بعد مصافحتهم إن صافحتهم، ومن خلف هؤلاء طبقة من المنتفعين العرب. ولأي صفقة طرفان ‏بائع ومشتر، لكن من المخزي أن يبيع البائع ما لا يملك، ظنّا منه أنه سيجد من الأطراف الفلسطينية من يوافقه على ذلك متجاهلا ‏أنّ فلسطين وقف إسلامي فهي ليست ملكًا للفلسطينين وحدهم(1). والحمد لله أن حصل إجماع فلسطينيّ قلّ نظيره على مقاطعة ‏الورشة، إجماع من الفصائل الفلسطينيّة، ومن رجال الأعمال ‏الفلسطينيّن، ومن السّياسيين والأدباء والمفكّرين والأكاديميّين، بل ومن الأفراد الطّبيعين.
قد يظنّ البعض أنّ إسرائيل قد أصبحت ‏جزءا من جغرافيا المنطقة وتاريخها، ووجب التعامل معها من هذه الزاوية، شأنهم في ذلك شأن من ظنّ أنّ الاستعمار الذي حصل في ‏القرن التّاسع عشر والعشرين جزء من المنطقة أيضا ولابدّ من التّعامل معه كأمر واقع، فذهب الاستعمار وذهب أزلامه إلى مزبلة ‏التاريخ، وبقيت الشّعوب حيّة أبيّة ترفض الظلم وتقاومه.‏
الفردوس الاقتصادي
إنطلقت فعاليات ورشة المنامة في الثلاثاء 25 يونيو/جوان 2019 م وعلى مدار يومين تحت عنوان «ورشة الازدهار من أجل ‏السّلام»، وذلك في أوّل إجراء عملي لـ «صفقة القرن»، والتي لم تعلن بشكل رسمي حتّى الآن، لكنّها أصبحت من المعلوم من الشّأن ‏السّياسي بالضّرورة وبات إنكارها مكابرة سياسيّة، ونستطيع أن نلخص أنّ مضمون الصّفقة هو تدجين المنطقة لصالح إسرائيل بأموال العرب والمسلمين، عنوانها الأبرز إجبار الفلسطينييّن على تقديم تنازلات مجحفة في كلّ الملفات تقريبا ‏لمصلحة إسرائيل، بما فيها وضع مدينة القدس الشّرقية المحتلّة، وحقّ عودة اللاّجئين (2) وبذلك يظلّ الوضع ديموجرافيّا لصالح إسرائيل. فيما ستدفع غزّة مكمن المقاومة والصّمود إلى التمدّد نسبيّا في سيناء كي تشكّل في المستقبل القريب مشكلة حدوديّة مع أيّ إدارة ‏مصريّة ... إلى آخر تلك الملفات الشّائكة في القضية الفلسطينيّة، كلّ ذلك مقابل توفير حياة هادئة للاجئين يتمتّعون فيها ‏بأوضاع إقتصاديّة جيّدة وخلق مليون فرصة عمل للشّباب العربي «بأموالنا» في المنطقة، حيث صرح كوشنر بأنّ خطّة ترامب للسّلام والتي أطلق عليها تسمية «فرصة القرن» ابتعادا عن المحتوى السّلبي لكلمة «صفقة» يمتدّ تنفيذها على عشرة أعوام وتضمن إنشاء صندوق إستثمار عالمي لدعم إقتصاديات ‏الفلسطينيّين والدّول العربيّة المجاورة وبناء ممرّ يربط بين الضّفة الغربيّة وقطاع غزّة بقيمة تتجاوز خمسين مليار دولار ‏ومضاعفة إجمالي الناتج المحلّي. والمضحك المبكي في ‏ذلك كما يقول الكاتب الأردني سامح المحاريق:«إنّ الصّفقة أعلنت عن السّعر أو المقابل المادّي، قبل أن ‏تعلن عن البضاعة، أو ما يمكن وصفه بالمحتوى السّياسي، فيتحدث كوشنر عن قروض هنا وهناك، وبعض المنح وتمويل ‏المشروعات، بينما ما زالت تفاصيل التّنازلات عن الأرض، وشكل الدّولة وحدودها كلّها أمور غير ناضجة»(3)‎. وأغلب الظنّ أنّها ‏أمور مخفيّة عن الشّأن العام حاليّا لامتصاص الغضب الكامن في الشّعوب. إنّ ما يحدث في الورشة هو بالفعل كما يقول فهمي ‏هويدي «مزاد لبيع الأوطان بالأموال! وهو مؤتمر مهين لكل من حضر، مهين للأمة، ومهين للدول التي تحسب نفسها دولا ‏كبرى»(4)‎.
عقدت الورشة بمشاركة عربية رسمية محدودة، فهل سنرى فلسطين تسبح في جنات النعيم مقابل بيع قضيتها ‏لإسرائيل؟، هل سنشتري رفاهيتنا مقابل تنازلنا عن أرضنا؟، فننسي مثلا أن يكون لدينا دولة فلسطينية مستقلّة مقابل حفنة من ‏الدّولارات، في شكل مساعدات إنسانيّة واقتصاديّة على هيئة فرص عمل ومشاريع واستثمارات؟ هل سيكون السلام ‏‏«الفردوس» الإقتصادي هو عنوان المرحلة؟، وإذا كانت ورشة المنامة «لا تتعلّق بشراء السّلام» كما قال أحد وزراء الخارجية ‏المشاركين، فبم تتعلّق وقد غاب أصحاب «الفرح» عن «العرس»، خصوصا عندما يطرح كوشنر خلال الورشة خطّة اقتصاديّة، ‏وقال إنّها تقدّم للفلسطينيين «مستقبلا أكثر ازدهارا» إذا وافقوا على اتفاق سلام مع إسرائيل.‏
من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السّلام (صفقة بيريز)‏
يُعدّ «شيمون بيريز» الأب الرّوحي لصفقة القرن وبالتّالي لورشة المنامة، فما يحدث في المنطقة الآن يكاد أن يكون ترجمة ‏لأفكار بيريز التي طرحها في كتابه «الشرق الأوسط الجديد»(5) في عام 1994م. والذي يطالع الكتاب يجد أنّ إدارة ترامب حوّلت ‏الأفكار الواردة في الكتاب إلى خطّة تنفيذيّة في هذه الورشة. يستعرض بيريز في الكتاب الأفكار الإسرائيليّة للسّيطرة وبسط النّفوذ ‏في الشّرق الأوسط بلا حرب ظاهريّا، والمتتبّع للأحداث يجد أنّه يتمّ البدء فعليّا في هذه الأيام في تدشين هذه الخطّة، ورسالة ‏الكتاب الأساسيّة أنّه لن تتمّ تنمية في الشّرق الأوسط بدون إسرائيل، فيتحدّث عن تنمية الإقليم، وإقتصاد الإقليم، ولن تتمّ هذه التّنمية ‏إلاّ عن طريق «السّلام»، وأنّه لم يعد للحروب جدوى سوى مراكمة الهموم والأحزان، فلا إسرائيل تستطيع إبادة العرب ولا العرب ‏مجتمعين يستطيعون أن يبيدوا إسرائيل، وأنّ الحروب التي خاضتها إسرائيل لم تستطع أن تضمن لها النّصر النّهائي أو توفّر لها الأمن، ‏وذاك إعتراف من خبير بأهمّية المقاومة.
يحاول بيريز إثبات أهمّية السّلام وينسى أنّه مغتصب لأرض غيره فهو بولندي بل ومعظم المتنفّذين وسكان ‏الكيان المغتصب المحتل لا ينتمون إلى أعراق هذه المنطقة، والذي يتمعّن في قراءة الكتاب يجد أن دعوته الظّاهرية للسّلام لا ‏تستطيع إخفاء الإستراتيجيّة التوسعيّة التي التزم بها قادة إسرائيل والحركة‎ ‎الصهيونيّة حتّى من قبل قيام دولتهم على أرض ‏فلسطين، وهي إستراتيجيّة تعبّر عن قناعة راسخة موجودة في عقول قادة حزبيّ العمل واللّيكود في نفس الوقت، قناعة تقوم على ‏ضرورة استمرار الهيمنة الإسرائيليّة على المنطقة وإن اختلفت الوسيلة، وتغيّرت من دبّابة إلى بضاعة متقنة الإنتاج. لذلك يؤكّد ‏بيريز أنّ طريق التّنمية في الشّرق الأوسط الجديد لن يكون إلاّ بالتّطبيع السّياسي والإقتصادي مع إسرائيل. يقول بيريز: « كلّ ‏استثمار في الشّرق الاوسط سيثبت نفسه ويجني عائداً، سواء كان ذلك في شكل استقرار في أسعار النّفط وكلّ ذلك من خلال ‏التّوفيرات التي تجنيها من التّخفيض في النّفقات العسكريّة. إنّ شرقاً أوسطياً جديداً متطوّراً إقتصادياً ومستقرّاً إجتماعيّاً وسياسيّاً، ‏سيكلّف العالم أقلّ بكثير ممّا ستكلّفه المواجهة السّياسية العنيفة، وهي المواجهة التي ستستدعي تدخّل دول أخرى. يرسم بيريز كيفيّة ‏استغلال الشّرق الأوسط و خيراته، وموقعة الاستراتيجي كبيئة سياحيّة، و كمشاريع تجاريّة عملاقة وأكثرها سياحيّة وترفيهيّة ‏وهو يركّز في ذلك على منطقة البحر الأحمر (تذكروا تيران وصنافير). يحاول إثبات أنّ التّعاون الإسرائيلي-العربي سيجني ‏عوائد اقتصاديّة وتوفير فرص عمل بمئات الألوف، ويقول في الفصول الأخيرة «سنساعد اللاّجئين الفلسطينيّين في تطوير ‏مخيّماتهم وتوفير فرص عمل لهم، وسنضمن لهم الأراضي لتأمين المسكن، وسنجعل الهيئات الدّولية تؤمّن المبالغ المالية اللاّزمة. ‏يقول أيضا: «يجب أن تتراجع الدّول العربيّة عن التّفكير في المصلحة القوميّة لصالح التّفكير في المصلحة الإقليميّة وما يقتضيه ‏ذلك من تغاض عن أحداث التّاريخ بين العرب وإسرائيل». 
يضع بيريز مجموعة من الإجراءات التي يجب اتخاذها على مراحل ‏متعدّدة بحيث يتمّ إنشاء ذلك النّظام الإقليمي «سوق شرق أوسطيّة» بمساعدة الدّول الكبرى خاصّة الولايات المتحدة والإتحاد ‏الأوروبي والقوى الآسيويّة الصّاعدة التي ستستفيد من الإستثمارات الكبرى في المنطقة والتي ستتنامى بعد فتح الحدود بين بلدان ‏المنطقة، إن لم يكن هذا هو عين ما تمّ مناقشته في الورشة، فمعني ذلك أنّه لم يكن هناك ورشة أصلا بالمنامة‎.‎
مدخل جديد أم مخرج قديم
بعد زيارة كوشنر وجرينبلات إلى القدس ليطلعا نتنياهو على تفاصيل خطّة السّلام وفق رؤية ترامب المعروفة «بصفقة ‏القرن»، صرح نتنياهو، حسب بيان صادر عن مكتبه: «إنّ هذه الخطّة قويّة ومقنعة للغاية؛ بحيث تكمن في صلبها ‏فكرة واحدة جوهريّة وهامّة وحقيقيّة مفادها استبدال المعونات بالاستثمارات».‎‏ هذا هو مربط الفرس، وهو تفكير من تاجر ‏عقارات ذكيّ برتبة رئيس أكبر دولة في العالم. وإذا دخل المال من الباب دخل معه الاختلاف الذي غالبا ما يكون إختلافا غير ‏صحّي، وإذا سمحت أمّة أن ينوب عنها أطفالها انكشفت عورات كبارها، أقصد هنا أطفال الحجارة الذين أصبحوا الآن قادة في ‏مقابل بارونات المال العربي، حيث يردد الآخرون أنّه لا جدوى مع ممارسة العنف «الجهاد» وكأن ما يحدث من مقاومة الباغي ‏المحتل هو عنف غير مبرر وعنف مضاد وليس جهادا، حيث اعتبر الإعلامي السعودي يحيى الأمير(6)‎‏ أن على الفلسطينيين أن ‏يجربوا مدخلا جديدا يخرجهم من انغلاق الأفق الذي يعانون منه منذ زمن، والذي تسبّب على حدّ تعبيره بالكثير من الأذى ‏والتّطرّف للفلسطينيّين والمنطقة‎.‎‏ وزاد الأمير «جرّبنا في القضيّة الفلسطينيّة أن تكون الأيديولوجيّات مدخلا للحلّ، وجرّبنا ‏السّياسة، وجرّبنا المقاومة وما لحق ذلك من عنف وتطرّف وظلم تمارسه إسرائيل على الفلسطينيّين، فهل الحلّ اليوم البقاء في ‏الدّائرة المغلقة من هذا العنف والتّجويع والانقسام الفلسطيني بين غزّة والضّفة الغربيّة؟ فلنجرب أن يكون الإقتصاد والازدهار ‏مدخلنا الجديد». 
‎سأترك للقارئ الكريم أن يستنبط ما يريد بعد أن أسرد عليه ما قاله السّفير الصهيوني لدى الأمم المتحدة داني دانون ‏في مقال في صحيفة «نيويورك تايمز» منتقدا إعتبار الفلسطينيين الموافقة على خطّة السّلام الأمريكيّة بمثابة استسلام. وأوضح‏‏ «ما الخطأ في الاستسلام؟»، معتبرا أنّ الفلسطينيين يحتاجون إلى أن يتبعوا «مسارا جديدا»، ويؤكد أن إسرائيل ترحب بفرصة ‏تحسين الاقتصاد الفلسطيني. فهل سيتحسّن الإقتصاد الفلسطيني فعلا من خلال هذا المدخل «المسار» الجديد؟ يجيب عن هذا السّؤال ‏الدكتور مصطفي البرغوثي قائلا: «إنّ 50 مليار دولار منها 25 مليار قروض بفوائد ستغرقنا بالدّيون، بالإضافة إلى 11 مليار ‏دولار من القطاع الخاصّ أراه لن يأتي لأنّ القطاع الخاصّ يريد أن يربح وهذا صعب في ظروف احتلال»، مضيفاً «ثمّ كيف ‏سيحصل تطوير اقتصادنا ونحن لا نملك السّيطرة على أرضنا ومياهنا وثرواتنا الطّبيعية وحدودنا وصادراتنا ووارداتنا والسّوق ‏وحرّية الحركة؟، كيف سيحصل تطوير إقتصادي وأنا لا أستطيع الذهاب إلى غزة ولا الدخول إلى القدس؟»‎. المؤتمر هو إعادة ‏تدوير للنقود التي تصرف للفلسطينيين، حيث 50 مليار موزّعة على عشر سنوات، وحصّة الفلسطينيين منها تقارب الـ 800 ‏مليون سنويّا وهي ما يأتي لوكالة الغوث الآن، «وما يريده كوشنر هو جمع الأموال التي تأتي للوكالة ويسيطر عليها لتوطين ‏اللاّجئين وإلغاء حقّهم في العودة والأموال التي تأتي للسّلطة يريد أن يسيطر عليها ويشترط بأن نتنازل عن حقّنا في القدس».‎
المراجع
(1) بيان علماء الأمة لرفض واستنكار ورشة البحرين ، متاح علي الرابط:
‏http://www.aloumma.com/politics/‎
(2) يبلغ عدد الاجئين الفلسطينيين خمسة ملايين لاجئ،معظمهم يتوارثون مفاتيح بيوتهم في أكبر رمزية ‏لارتباطهم بالأرض، سيتمّ توطينهم ‏في لبنان والأردن ومصر، ويلغى حقّهم في العودة إلى ديارهم في فلسطين.
(3) سامح المحاريق، «فستق كوشنر الفاضي.. فرصة القرن الساذجة!» جريدة القدس العربي اللندنيّة - 27 /06/2019
(4) فهمي هويدي، مقابلة مع موقع «رأي اليوم» ردًا على سؤال عن «الغياب العام‎»‎، متاح على موقع الشبكة العربية.‏
(5) شيمون بيريز، «الشرق الأوسط الجديد»، ترجمة محمد حلمي عبد الحافظ، الاهلية للنشر والتوزيع، الأردن، عمان، 1994م. ‏
(6) مقال على صفحة منارة بعنوان «هل دخلت صفقة القرن حيز التنفيذ حتى قبل الإعلان عنها؟»، 28/06/2019‏‎ ‎م، وهي ‏من حوار تليفزيوني تم بثه يوم 26/06/2019‏‎ ‎م على مسائية دوتش فيليه‏‎DW ‎‏.‏