من وحي الحدث

بقلم
فوزي أحمد عبد السلام
السودان بلد ضيعته الحركات الإسلامية
 مقدمة
كان أمير المؤمنين عمر بن الخّطاب رضي الله عنه  يدعو دائما «اللّهم إنّا نعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثّقة»، ونُقل ‏عنه رضي الله عنه أنّه قال لا ينبغي أن يولي عاملا «واليا» على مصر «بلد» أكثر من أربع سنين، فإن كان عدلا ملّه النّاس وإن ‏كان جائرا فيكفي من الجور أربع سنين. وعنه أيضا عند أحمد عن عامر الشّعبي أنّ عمر بن الخطاب قال: «لا تبقوا لي واليا أكثر من ‏سنة واحدة». ومقابل ذلك، نجد أنّ هناك رؤساء حكموا دولا ما يزيد على ربع قرن، ومنهم من اقترب من نصف قرن، بل وقيادات في ‏العمل الإسلامي في صدر القيادة لما يقرب من نصف قرن أيضا. ولدت أجيال وماتت أجيال وتيبّسوا هم على كراسيهم وفي ‏مواقعهم، حتّى ظنّ بعض المثقفين الذين لديهم عقم فكري أنّ زوال هذا أو ذاك عن موقعة سيؤدّي إلى زوال البلد، وكانت دائما ‏ذخيرة الحكام الديكتاتوريين (أو بعض قادة الحركات الإسلاميّة) هو رغبة معظم النّاس في الاستقرار، وأنّه بغيابهم عن المشهد ‏سيزول المعبد. 
والحقيقة أنّ صمت الشعوب كان نتيجة عصا الاستبداد والدكتاتوريّة وليس حبّ الاستقرار وعشق هؤلاء الرؤساء، فلمّا بلغ السّيل الرُّبى وملّ النّاس، خرج غير المؤدلجين بعبارتهم ‏الملهمة «الشّعب يريد إسقاط النّظام»، وكلّ بلد كان يترجمها إلى لهجته العامّية حتّى يصل المعني للجميع، فكانت محطتها في السّودان «وتسقط بس». ولو لم يكن للثّورات التي تحاول تحرير شعوبها من الظّلم «أيا كان لون هذا الظّلم والظّالم الذي يمثّله»  فضيلة سوى ‏استنزاف وإنهاك وإرباك معسكر الثّورة المضادّة لكفى بها فضيلة.‏
تسقط بس ‏
«تسقط بس» شعار رفعته الثّورة السّودانية، التي بدأت في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2019م وعلى مدار أكثر من 120 ‏يوما والجموع الثّائرة من الشّعب السّوداني تتحدّى حظر التّجوّل، وتواصل الاعتصام بالآلاف في الشّوارع وأمام مقرّ قيادة ‏الجيش. بدأت بالغضب من ارتفاع أسعار الخبز، وانتهت بالمطالبة بعزل «البشير»، وعقب الإطاحة به رفض المحتجّون والأحزاب السياسيّة بيان المجلس ‏العسكري الذي رغب في تولّى السّلطة لفترة انتقاليّة لمدّة عامين، ودعوا إلى تشكيل حكومة مدنية تدير المرحلة الانتقالية «فلا ثقة بمن أداروا المشهد ‏في النّظام السّابق».‏
تضييع الفرص في حسم الخلاف
منذ أن استقلّ السّودان العزيز في غرّة جانفي من عام 1956م والوضع السّياسي فيه لا يعرف بوصلته الحقيقية عبر تداول ‏السّلطة بشكل سلمي، شأنه في ذلك شأن كلّ الدّول العربيّة والدليل على ذلك الاحتجاجات الشعبيّة الواسعة التي اندلعت أكثر من مرّة في أكثر ‏من قطر عربي منذ استقلال ذاك القطر وإلى الآن، والتي قوبلت بالعنف غير المبرر من السّلطة الحاكمة، وبالتّهمة جاهزة التّعليب وهي محاربة ‏الإرهاب وهي تهمة فضفاضة جدا لا يؤمن بمحتواها الكامل إلاّ من فقد عقله بالكامل. وبالعودة إلى السّودان، فمنذ الاستقلال تمّت ‏إدارة البلاد من خلال مجلس سيادي، إلى أن سيطر على الحكم «الفريق إبراهيم عبّود» بانقلاب ناعم حيث كان في الحقيقة استلاماً ‏للسّلطة من رئيس وزرائها آنذاك‎  «عبد الله خليل»‎ ‎عندما تفاقمت الخلافات بين الأحزاب السّودانية وبارك الانقلاب القادة الدّينيون في ‏ذلك الوقت لأكبر جماعتين دينيتين: «عبد الرحمن المهدي»‎ ‎زعيم الأنصار، و«علي الميرغني»‎ ‎زعيم طائفة‎ ‎الختميّة. وبعد الثورة الشّعبية ‏في 1964م ضدّ حكم عبّود، انتخب «سرّ الختم الخليفة» لرئاسة الوزراء، ثمّ تولّى رئاسة الدّولة لمدّة 17 يوما فقط، ثمّ عاد الحكم ‏للجنة سياديّة أولى ثمّ ثانية،  إلى أن تمّ انتخاب «إسماعيل الأزهري» رئيسا للسّودان في1965م، وقبل أن يكمل الأزهري فترته ‏الرّئاسيّة انقلب «جعفر نميري» عليه في 25/5/1969م ليسيّر البلاد من خلال نظام عسكريّ لمدّة ست عشرة سنة كاملة، ثم حدثت ثورة شعبيّة كبيرة عام 1985م وكان النّميري حينها خارج البلاد، فتمّت دعوة الفربق أول «سوار الذّهب» من قبل الثّوار إلى تولي السّلطة، فتولى هذا الأخير المسؤولية وبعد عام واحد (1986م)، وفي سابقة غير معهودة لم تحدث قبله وربّما لن تحدث بعده، دعا المدنيين إلى تسلّم السلطة عبر إجراء انتخابات عامّة لاختيار رئيس للجمهورية ورئيس للوزراء، فتمّ انتخاب «أحمد الميرغني» رئيسا للجمهوريّة وتعيين «‏الصّادق المهدي» رئيسا للوزراء. 
كان الصادق المهدي رئيسا لحزب الأمّة المدعوم من الصّوفية وكان في الوقت ذاته إمامَ طائفة ‏الأنصار، وقد كان المهدي نفسه جزءا من نظام نميري أيضا. حاول حسن الترابي، «صهر الصادق المهدي» وزعيم الجبهة الاسلامية القومية، المشاركة في إدارة ‏الدّولة عبر المشاركة في صياغة نظامها الجديد وفلسفتها بحجة أنّ ‏له ظهيرا شعبيّا قويّا متمثّلا في كونه المراقب العام للإخوان المسلمين في السودان، وسواء أكان الترابي قد انفصل عن الحركة الإسلاميّة أو ‏انفصل بها، إلاّ أنّ فكره ظلّ يشكّل جزءا لا يتجزّأ من فكر الإخوان المسلمين في السّودان. رفض «الصادق المهدي» إشراك صهره ‏في الحكم بالطّريقة التي يرضاها، لكنّه ظلّ يتقلّد وزارة إثر وزارة وشكّل المهدي والترابي الوزارة عام 1988م، لكنّ الجيش ‏تدخّل في فبراير 1989م بمذكرة يطلب فيها من المهدي كرئيس للوزراء تكوين حكومة وطنيّة ذات قاعدة موسّعة سمّيت آنذاك ‏‏بـ «حكومة القصر» استبعدت منها الجبهة الإسلاميّة القوميّة بقيادة التّرابي،‎‏ فاستعرت الصّراعات بين ‏الإسلاميّين الحاكمين التي كانت قد بدأت منذ زمن ولم تنته. وكما يقول كبار مساعدي المهدي إنّ «التّرابي خرج من الباب ليدخل ‏من النّافذة، ممتطياً ظهر الدّبابات لحظة اكتمال بنود خطّته الماكرة وحانت الفرصة للانقضاض على السّلطة».‏
انقلاب 30 يونيو 1989م
شئنا أم أبينا احتساب عمر البشير على التّيار الإسلامي «إخوان السودان»، وسواء أكان واحدا منهم أو انقلب عليهم، إلا أنّ المستقرّ في الذّهن أنّ البشير حكم السّودان باسم الحركة ‏الإسلاميّة وتحت تأييد حزب المؤتمر الوطني المحسوب عليها. وقد سجّل التّاريخ بالاعتراف الصريح‎ ‏‎[1]‎‏ أنّه في الثّلاثين من يونيو ‏‏1989م قامت الحركة الإسلاميّة السّودانية بقيادة حسن التّرابي بانقلاب على نظام الحكم، وهي الخطّة البديلة في حال عدم التّمكن ‏من الوصول لسدّة الحكم بطريقة الانتخابات الدّيموقراطيّة. بدأت رسم الخطّة مننذ عام 1965م وربما قبل ذلك، واستمرت لربع ‏قرن حتّى نضجت «وفقا لحساباته»، كان حسن التّرابي يطمح لادخال وتخريج مجموعة من الضّباط من أبناء الحركة الإسلاميّة ‏في صفوف الجيش السوداني دون أن يعلم أحد من هؤلاء الأبناء الذين سيصيرون ضبّاطا «قادة المستقبل» بهذا المشروع أصلا ‏كما يتمّ إبعادهم عن أي مظاهر إسلاميّة أيضا. في عام 1967م تخرّج أول هؤلاء الضّباط وهو «عمر حسن أحمد البشير»، ظلّ ‏الترابي يبني نفسه وفصيله عسكريّا وسياسيّا واجتماعيّا إلى حين بلغ عدد الضبّاط في فصيله العسكري 150 ضابطا تخرّجوا للعمل في شتّى فروع المؤسّسة ‏العسكريّة السّودانيّة، وظلّ يترقّب الفرصة السّانحة فقط للتّنفيذ، فأدخل إلى السّودان أجهزة لاسلكي «إرسال واستقبال» مثل تلك ‏التي مع ضبّاط الجيش، كما أدخل سيارات مدنيّة إلى ورش خاصّة ليتمّ طلاؤها بطلاءات تجعل مظهرها يبدو مثل السّيارات ‏العسكريّة خصوصا تلك التي تقلّ الجنود، وأنشأ مصنعا لصناعة الملابس العسكريّة وألبسها للمدنيين ليعملوا كجنود مع المائة ‏وخمسين ضابطا، بأسلحة كان يتمّ إدخالها إلى السّودان بالاشتراك مع النّظام الليبي حينها. 
لم يلتق التّرابي بالبشير «الذي أصبح ‏عقيدا وقتها» إلاّ قبل الانقلاب بيوم واحد، ولم يكن اختياره لمؤهلات معيّنة، لكنّه كان أعلى رتبة عسكرية بين المائة ‏وخمسين ضابطا الذين أنيطت بعهدتهم عملية الانقلاب، وأعلمه بتفاصيل الخطّة وقال له قولته المشهورة، قصد التّمويه على النّظام ‏الدّولي وإبعاد شبهة إنتماء الإنقلابيين للجبهة الإسلامية القومية «اذهب أنت إلى القصر رئيساً، وسأذهب أنا إلى السّجن حبيساً» وقد شرب النّظام الدولي ‏الطّعم حينها بالفعل. فمثلا كانت إحدى الدّول العربيّة تعدّ لإحداث انقلاب على حكومة الصّادق المهدي، فلما وقع انقلاب البشير ظنّوه ‏ضابطا مدعوما من رجالهم، وقد ساعد إلقاء البشير بكلّ زعماء الأحزاب والحركات السياسية بما فيهم الترابي داخل سجن كوبر الشهير في ابتلاع الطّعم. 
لم ‏يطل بقاء الترابي في السجن طويلا بالرّغم من أنّه بقي هناك لفترة أطول من المتّفق عليها وخرج ليصبح وزيرا للخارجيّة ثمّ رئيسا للمجلس الوطني ‏‎[2]‎‏. لكن التّمويه على النّظام الدّولي لم يدم كثيرا، فسرعان ‏ما انكشفت هويّة ذلك النّظام باستضافته لأسامة بن لادن في العام التّالي للانقلاب عام 1990م. كما لم يدم شهر العسل ‏طويلا في زواج السّلطة العسكريّة مع الحركة الإسلاميّة لأنه زواج تمّ بطريقة غير شرعيّة بالقفز على إرادة الناس وعدم رعاية ‏الظّروف الدّولية أصلا وتكتّل طوائف عديدة في الدّاخل ضدّه وفرض تصوّر ما للحكم على النّاس بالقوّة. فظهرت المشاكل على ‏السّطح السّياسي بين التّرابي والبشير إلى أن وضع البشير الترابي في السّجن حقيقة لا مجازا عام 1999م عندما حاول الترابي ‏استصدار تشريع يقلّل فيه من صلاحيّات رئيس الدّولة، حينئذ التهم المارد الجبار الكتكوت الفصيح.‏
اللي حضر العفريت يصرفه
لا توجد دولة حديثة بدون جيش يحتكر القوّة في البلد ضمن عقد اجتماعي غير المكتوب يتنازل من خلاله المواطنون ‏طواعيّة عن حيازة السّلاح وأدوات البطش المادّي لفئة منه «جيش وشرطة» مقابل قيام هذه الفئة بدور حفظ البلد داخليّا وخارجيّا ضدّ ‏أيّ تهديد لأمنه واستقراره، على أن يتكفّل البلد برعاية هؤلاء وأسرهم صحيّا وتعليميّا واجتماعيّا. بذلك تصبح الجيوش في ‏الدّول الحديثة بمثابة المارد الذي لا يستطيع فريق سياسي واحد ترويضه، ويخطئ خطأ جسيما من يظنّ أنّه يستطيع استدعاء ‏الجيش أو السيطرة عليه. من يفعل ذلك يكون قد سلّم البلد بكلّ مواردها وإمكاناتها ‏وتاريخها لفريق غير مؤهّل بالمرّة للإدارة والسّياسة، وهي خيانة كبري، ولا أدل من تسليم الحركة الإسلاميّة لبلد في حجم ‏السّودان إلي العسكر ليدمّروه في كلّ النواحي على مدار ثلاثة عقود، فقد قام الترابي بتحضير العفريت في عام 1989م ولم يستطع ‏صرفه لمدّة ثلاثين عاما.
 وبالمناسبة فإنّ الانقلابات العسكريّة في السّودان كلّها كانت مدعومة دائما بحزب سياسي، حيث لم يستطع ‏السّاسة السّودانيون التّوصّل لصيغة توافقيّة على نظام الحكم، وهذه هي آفتنا الرّئيسة، حيث لا نجيد الاستماع لبعضنا واستعداد كلّ ‏منا لقبول بعض ما عند الآخر للوصول بسفينة الدّولة إلى برّ الأمان، لهذا كانوا يهرولون دائما إلى الطّريق الخاطئ باستدعاء العسكر ‏وإجبار الغرماء السّياسيين للقبول بالأمر الواقع وفرض صورة الحكم الذي يتبنوها بالقوّة. ولا تستقرّ دولة يستخدم أو يوظف ‏فريقا منها القوّة ضدّ الآخر لأجل معارضته لتصوراته السّياسيّة، ولهذا أقول أنّ السّودان بلد ضيعته الصّراعات الأيديولوجيّة ‏بشكل عام وفي القلب من هؤلاء المضيعيّن كانت الحركات الإسلاميّة. حيث أضاعت ثلاثين عاما من عمر السّودان ‏الحبيب، بالإضافة إلى فترات متناثرة هنا وهناك. ولو تأملنا في هذه الحالة بلغة الرّياضيات لقلنا أنّ الحالة الحاضرة ‏لأيّ نظام ديناميكي تعتمد بشكل رئيس على الشّروط الابتدائيّة والحدّية وهي تمثّل نقاط معلومة بشكل دقيق في ماضي النّظام ‏أومستقبله، بمعنى آخر ربّما تمثّل هذه النّقطة (أو النّقاط) بديهيات هذه النّظم. وبما أنّ البديهة الرّئيسة لكلّ النّظم العسكريّة هي ‏السّمع والطّاعة والتّراتبية في الأوامر مع تنفيذها حتى ولو خطأ «وهذا كلّه لا يقدح فيها أبدا بل ربّما لا تؤدّي هذه النّظم عملها ‏بشكل متقن إلا ّوفق هذه البديهيات» وبالتّالي أصبح من المعلوم من الشّأن السّياسي بالضّرورة أنّ النّظم العسكريّة لن تستطيع أبدا ‏أن تدير شأنا سياسيّا كاملا لأنّه قائم على التّفاوض والمناورة وفق فنّ إدارة الممكن، والسّماع بإصغاء للصّغير والكبير، فربّما ‏كانت نواة الفكرة الكبيرة عند أشخاص يظنّ بعض النّاس أنّ هؤلاء لا ينظر لرأيهم أصلا، مع التّسليم أنّها -أي الجيوش- تمثّل ‏جزءا مهمّا جدّا من أيّ نظام حكم حديث، فلا توجد دول حديثة ومن ثمّ سياسات بدون جيوش ولا توجد جيوش بدون سياسة «لكنّه ‏غير التّطلّع للحكم» كما يقول عزمي بشارة ‏‎[2]‎‏. فالقادة العسكريّون يناقشون تقريبا بشكل يومي مع السّاسة والعلماء قضايا شديدة ‏التّعقيد ومتشابكة مع الوضع السّياسي بل والاجتماعي مثل قضايا الأمن القومي وغيرها. ‏
الهوامش
‎[1]‎‏ حسن الترابي، في برنامج «شاهد على العصر»، قناة الجزيزة ‏‎2010 ‎م
‎ [2]‎‏ تقلّد الترابي وزارة الخارجيّة سنة 1989 ثمّ رئاسة المجلس الوطني من 1996 إلى 1999
‎ [3]‎‏ عزمي بشارة في كلمته الافتتاحية من مؤتمر الجيش والسياسة، الدقيقة السابعة من الكلمة.‏