من وحي الحدث

بقلم
فوزي أحمد عبد السلام
تأملات في أحداث نيوزيلاندا
 أحداث نيوزيلاندا بطعم البلقان
تقع جزر نيوزيلاندا في الجنوب الغربي للمحيط الهادئ، وتبعد حوالي 1600 كم عن جنوب شرق أستراليا، ويفصل ‏بينهما بحر «تسمان». تقع في قارة أقيانوسيا وهي قارة في جنوب غرب المحيط الهادئ تضم أستراليا وجزراً محيطة بها، وليس لها ‏حدود برية مع أي دولة أخرى. تقع الأحداث، موضوع مقالنا، في أقصي الجنوب في نيوزيلاندا لكنّها محمّلة بطعم أحداث جرت في البلقان في أقصي ‏الشّمال في تسعينات القرن الماضي، حيث يدخل إرهابيّ مجرم يدعى «برينتون تارنت» بيتا من بيوت الله في ‏مدينة كريست تشيرش بنيوزيلاندا، حيث السّكينة تلّف المكان، فيقابله أحد ضحاياه مبتسما قائلا «أهلا أخي» فيرديه قتيلا بدم بارد ‏وبسلاح سجّل عليه أسماء المقاتلين التّاريخيين ضدّ «الغزاة» العثمانيين، وتواريخ معارك هزمت فيها الجيوش الأوروبيّة ‏قوات الدّولة العثمانيّة‎.‎‏ وطالب الأتراك بالبقاء في الجهة الشّرقية من إسطنبول وترك الجهة الغربيّة منها إلى جانب دعوته لاغتيال ‏الرّئيس التّركي. ألهمت هذا الإرهابي حرب التّحرير لشعوب البلقان ضدّ الأتراك، خصوصا وقد قام بالبثّ المباشر للاعتداء ‏الإرهابي المزدوج على المسجدين وصاحبته أغنية حربيّة لصرب البوسنة الذين شنّوا في التّسعينات حربا ضدّ جيش البوسنة ‏والهرسك المكوّن غالبيته من المسلمين‎.‎‏ تبدأ هذه الأغنية بـ «كرادزيتش قُد رجالك الصّرب» وهي تمجد قائد صرب البوسنة السّابق «‏رادوفان كرادزيدش»‎ ‎الذي حكم عليه في العام 2016م بالسجن أربعين عاما من طرف محكمة جرائم الحرب لمشاركته في مذبحة «سريبرنيتسا» التي قُتل فيها في جوان/يوليو 1995 أكثر ‏من 8000 مسلم في يوغوسلافيا السابقة.‏
لماذا تركيا
لماذا تركيا؟، لأنّ فيها أحفاد آل عثمان الذين أسّسوا آخر دولة جامعة للمسلمين ويشتمّ منها رائحة العودة لذلك. فمنذ أن فتح ‏محمد الفاتح القسطنطينية «عاصمة الدّولة الرّومانيّة الشّرقية» في عام 1453 م ودخل كنيسة «آيا صوفيا» والتي تعني «الحكمة ‏المقدّسة» مترجّلاً، والتقط من أرضها حفنة من التّراب ورشّها على عمامته كفعل تواضع أمام الله، ثمّ صلّى فيها، فتحوّلت كنيسة ‏‏«آيا صوفيا» إلى مسجد»‏‎[1]‎‏.  تلك الكنيسة  التي بناها الإمبراطور الرّوماني «قسطنطين» عام 360 م واحترقت عدّة مرّات إلى أن ‏أعاد بناءها الإمبراطور «جوستينيانوس الأول» في عام 532 م  بناء على حلم راوده وراود آخرين يظهر فيه أحد القدّيسين ممسكاً ‏بطبق فضيّ، ويحمل عليه رسماً لكنيسة «آيا صوفيا»‏‎[2] ‎، خدمت هذه الكنيسة المسيحيّين لقرون عديدة، إحدي عشر قرنا تحوّلت فيها ‏إلى مركز المسيحيّة الأرثوذكسية بعد الانقسامات التي شهدتها الكنيسة. غير أن خدمتها للمسيحيين قد انتهت مع سيطرة ‏العثمانيين على القسطنطينيّة، بدخول محمد (الفاتح) إلى قلب المسيحيّة الأرثوذكسيّة وتحويلها إلى مسجد، أثار هذا الفعل الشّعور ‏الدّفين لكلّ الطّوائف المسيحيّة ضدّ الدّولة الفتيّة الجديدة، وهو ردّة فعل منطقيّة جدّا لحدث شديد الوقع في النّفوس «وهو يشبه تماما ‏لا قدر الله إذا استولى المسيحيّون على أماكننا المقدّسة وحوّلوها إلى كنائس»، وأغلب الظنّ أن لو كان الصّحابه هم من فتحوا هذه ‏البلاد لتركوا هذه الأماكن على حالها وحال الفتوحات التي تمّت في عهد عمر بن الخطاب رضي ‏الله عنه شاهدة على ذلك. منذ ذلك التاريخ والمؤتمرات تعقد والتحالفات تتكتّل ضدّ الدّولة العثمانية إلى أن نجحوا في إسقاطها في ‏‏1918م علي يد مصطفي كمال أتاتورك ونفي السّلطان عبد الحميد إلى مقرّ اليهود في سالونيك بعد أن رفض طلبه برغبته في ‏التّوجه لمصر أو إلى الأردن. وبعد أن حال على هذه الأحداث «أحداث إسقاط الدّولة العثمانيّة» مائة عام فقط، فوجئوا بقوّة صاعدة ‏على السّاحة الدّولية وربّما يؤرّخ لفترة الصّعود الجديد منذ بدأ عهد عدنان مندريس الذي توجّه إلى أوروبا يبحث عن سلالة المجد ‏العثماني، لكنّها تمظهرت بقوّة في العامين الأخيرين، حيث يدرك جليّا من يراقب الأحداث أن تركيا اليوم غير تركيا الأمس وإن ‏أعلن غير ذلك، يرى كل ذي عينين المظاهر الإسلاميّة تبثّ من جديد في معظم المؤسّسات التّركية رويدا رويدا. هذا التّطوّر ‏السّريع في تركيا يخيف الغرب من عودة الدّولة الجامعة للمسلمين التي تكون بمثابة النّواة التي يتكثّف حولها الأحرار الباحثون عن ‏حرّية بلادهم واستنقاذها من السّير في فلك الرّأسمالية المتوحّشة «الذي ينمو فيه المستبدون بلا حدود»، خصوصا عندما يواكبها ‏بعض الموجات ذات ردّة الفعل القويّة في المناداة بالحرّية في البلدان العربيّة. هذا الصّوت العالي في رفض الدّيكتاتوريات قوبل ‏بسيناريوهات مختلفة حسب الوعي والموقع الجيوستراتيجي. ‏
إقبال حار علي معرفة الإسلام
في هذا الجو الملتهب ينصر الله هذا الدّين بالرّجل الفاجر، حيث ردّ الله كيد هذا الفاجر في نحره، ويأتي عمله الإرهابي الأثيم ‏بالأثر العكسي، فيقبل النّاس زرافات ووحدانا على التّضامن مع الضّحايا بل والتّفاعل معهم بالاقتراب المعرفي من الإسلام كدين ‏وحماية حرّيات المسلمين وحماية أماكن عبادتهم. ذكّرني، ذلك بالملك الظّالم الذي حاول أن يفرض عبادة النّاس له، في حديث الغلام و‏السّاحر، وهو حديث طويل في صحيح مسلم حيث حاول الملك في العديد من المناسبات قتل الغلام لكنّ محاولاته باءت بالفشل، برغم أنّ هذا الغلام وحيد لا سند له، والملك بمؤسسات عرشه، فمن أين يأتيه العجز في مواجهة طفل؟!، فلما علم الغلام بيأس الملك من قتله ذهب إليه وقال له « اعلم أنّك لن تقتلني إلاّ أن تفعل ما آمرك به، قال وما ذاك، قال تجمع النّاس في صعيد واحد، ثم ‏تصلبني، ثمّ تأخذ سهما من كنانتي، ثمّ تضعه في كبد القوس، وتنادي وتقول بسم الله ربّ الغلام، فإنّك إن فعلت ذلك قتلتني». ففعل الملك ‏ذلك كله فوقع السهم في صدغه، فقال النّاس آمنا بالله ربّ الغلام، فقالت له حاشية السّوء وقع الذي كنت تحذر، فأمر فخدّت الأخاديد ‏وأمر فأُضرمت فيها النّيران وأمر.... إلى أن جاءت معجزة أخرى بكلام الرّضيع لأمّه التي آمنت بربّ الغلام، فقال لها بصوت ‏بليغ: اصبري يا أمّ فإنكّ على الحقّ»‏‎[3]‎‏  فكان موت الغلام بترديد الملك الظّالم للجملة التي قالها الغلام نفسه للملك بمثابة اعتراف ‏صريح من الملك بعجزه وعجز مؤسّسات بطشه. كان موت الغلام بهذه ‏الطريقة هي العقدة التي فكّت معرفيّا لدى «الشّعب» عدم قدرة الظّالم حتّى ولو كان ملكا على الفعل المجرّد لأبسط الأشياء، وأنّه ‏ليس بيده شيء أصلا، وأن من يملك إنفاذ الفعل هو الله، ويأتي الرّدّ المباغت من الشّعب الذي كان بالأمس القريب في صفّ الملك ‏إمّا بالخوف والتّخويف أوالجهل والتّجهيل أو بالتّماهي مع القويّ أو بالرّغبة في الحصول على المكاسب التّافهة أو بنسب متفاوتة ‏من هذا كلّه، يأتي الرّد مباغتا «آمنا بالله ربّ الغلام». قريب من هذا المعني، أقبل النّاس في نيوزيلاندا إقبالا حارا على معرفة الإسلام وكسر ‏حواجز التخويف منه كدين فيما صكّ «بالإسلاموفوبيا»، حيث يبثّ الخوف الذي يتمّ تشكيله من خلال القوالب والأنماط السّلبية ضدّ ‏الإسلام، و نشرالكراهيّة والعداء تجاه أبنائه. وعلى كلّ هذه السّخونة من الحدث يأتي العزاء البارد من أبناء جلدتنا وممّن يتكلّمون ‏بألسنتنا.‏
عزاء بارد
هل العزاء للموتى أم للمعتقلين أم للذين لايستطيعون الكلام تحت سياط القهر، أم للمعذّبين يوميا تحت خطوط الفقر، ولا ‏عزاء لمن عاشوا أيضا فوق خطّ الفقر لكنّهم فقدوا أثمن ما يمكن أن يمتلكه إنسان. ما الفارق بين الموت والاعتقال والقهر والفقر، ‏فلا عزاء عند اعتقال الصّوت حتى ولو كان صامتا، الذي توحي كلماته وتدويناته أنّه يرجو من الله أن لو تجمّع المسلمون في ‏كلمتهم على قلب رجل واحد، ولا عزاء لمن كان معارضا لطيفا، ولا عزاء لمن كان معارضا شرسا، ولا عزاء لمن عاش ومات ‏فقيرا وهو يملك في أرض بلده أغلى الثّروات لكنّه حرم التّمتع بها بناء على حرمانه لنفسه من العيش حرّا. ولاعزاء لمن عاشوا ‏فوق خطّ الفقر في حياة تقترب في شكلها الظّاهر من حياة النّعيم، لأنّ من عاشوا هناك عرفوا كيف أنّ المعيشة المرفهة وأدت في ‏معظم أبنائها جينات المقاومة للاستبداد بحجّة أنّه لا ينبغي للعامّة الكلام في هذه الأمور بشكل عام أو حتّى للعلماء بشكل علنيّ، لكن ‏وعلى ما يبدو أنّ واجب العلماء هو التّذكير بنعمة الله عليهم في الحياة الآمنة «الرّغدة في التّلبيس بالمفهوم» والتّخويف من مصائر ‏عباد أرادوا الاستمتاع بالحرّية، وأنّ النّاس سواسية لا فرق بينهم إلاّ بالتقوى والعمل الصّالح وأنّ العمل الصّالح «يعرفه الجميع ‏وليس منه كل مشتقات ساس يسوس». حوالي نصف ساعة ونحن نستمع إلى خطاب فحواه أذكروا هذا النّعيم الذي أنتم فيه ‏واعتبروا بمصير الذين حاولوا أن يتنفّسوا نفس الحرّية الأول في المنطقة منذ قرون ولّت وكيف سفكت دماؤهم وانتهكت أعراضهم ‏فلا عزاء لهم، ثمّ في كلمات  طقوسيّة موجزة خلت من حرارة الأخوّة -غير الموجودة أصلا- يتمّ تعزية الذين قضوا نحبهم في ‏بيتين من بيوت الله في نيوزيلاندا كأنّه بيان إداري بارد من رئيس لمرؤوسيه. ما الفارق بين هؤلاء والذين قتلوا وهم يصلّون ‏الفجر في بلد قريب جدّا والذين قتلوا وهم نيام في خيام الاعتصام وفيهم النّساء والأطفال والشّيوخ. ومعظم هؤلاء الشّهداء وأمثالهم ‏الذين يعيشون في بلاد الغرب فرّوا أصلا من جحيم الاستبداد والفساد المنتشر من المحيط إلى الخليج، والذين كانوا يموتون تحت ‏سيف العناء بلا عزاء.    ‏
المراجع
‎[1] Steven Runciman, «The Fall of Constantinople», 1453, Cambridge University Press, ‎Cambridge, 1965, p. 148.‎
‎[2]  Ekrem Bugra Ekinci, “A church, a mosque and finally A museum: The nearly 1,500-year-old ‎story of the Hagia Sophia”, Daily Sabah, May 22, 2015. Accessed in 5/12/2015, available ‎on: http://www.dailysabah.com/feature/2015/05/23/a-church-a-mosque-and-finally-a-‎museum-the-nearly-1500-year-old-story-of-the-hagia-sophia.‎
‏ ‏‎[3]‎‏ فقرة من حديث نبوي شريف في صحيح مسلم من حديث صهيب الرومي رضي الله عنه.‏