الإصلاح

قبل الوداع

بقلم
لطفي الدهواثي
معضلة الاختلاف
 هل حقّا مشكلة البلاد نخبتها؟ وماذا يعني أن لا تكون للبلاد نخبة همّها الوحيد السّير بها قدما نحو التّقدم والرقي؟
النّخبة في بلادنا نخب كثيرة وهذه أولى المعضلات، وليست المشكلة في هذا التّنوع ولا هي فى الاختلاف ولكنّ المشكلة فى هذا الصّراع المجنون وكم الأحقاد والتآمر الذي كاد أن يأتي على كلّ شيء. ونحن إذ نقارب شأن النّخبة لا ندّعي إلماما بحالها ولكنّنا ما ننفك نلمس دور النّخب من جهتي الهدم والبناء في كلّ البلاد العربيّة وما نزال نلمس حجم الهوّة القائمة بين النّخب، حتّى كان ذلك مدخلا في بعض من الأحيان لهدم المعبد على من فيه.
النّخب متعدّدة كلّ في مجاله، فللسّياسة نخبتها وللفكر نخبته وللفن نخبته وكذلك الشّأن فى كلّ المجالات الأخرى من اجتماع واقتصاد ورياضة وغيرها. وليس التّعدد فى النّخب فقط ولكن في مشارب تلك النّخب وانتماءها الفكري ومنهلها الأديولوجي. ولطالما حسبنا الاختلاف رحمة، فمن منّا لم يرفع شعار «الاختلاف فى الرّأي لا يفسد للودّ قضيّة» ولكنّنا نعلم جميعا أنّ الاختلاف سبب من أسباب الصّراع وأن الصّراع محكوم بضوابط يفرضها الواقع، وقد لا يكون لهذه الأسباب علاقة بنخبة ما قدر علاقتها بعوامل خارجة عن نطاقها ولكنّها أشدّ تأثيرا في تحديد قوّة الصّراع ومداه. لا يجب أن نواصل أكثر في خداع أنفسنا ويجب أن نعترف بأنّ الاختلاف عندنا معشر العرب والمسلمين لا يفسد بعض الودّ بل يفسد الودّ كلّه وأنّنا أمّة وشعوبا نلجأ إلى العصا وإلى السّيف قبل لجوئنا إلى البندقيّة .
كاد اختلاف بعض الصّحابة فى سقيفة بني ساعدة أن يتحوّل إلى صراع فتّاك يعصف بنخبة الإسلام الأولى ولولا مشيئة الله وبعض الحكمة والتّروي لكان لما حدث في السّقيفة مبلغ آخر. ولئن نجا المسلمون من حادثة السقيفة فى بدايات نشوء الدّولة مع النّبي الكريم، فإنّهم لم يستطيعوا النّجاة من الفتنة الثّانية، فكان اختلاف علىّ ومعاوية سببا للكارثة البغيضة التي نعاني آثارها إلى اليوم فرقة واحترابا واختلافا في الدّين وتحريفا للأصل والمنهج ولم يكن ذلك الاختلاف سياسيّا فقط ولا كان فكريّا فلسفيّا مجاله الاجتهاد فى تأويل النّصوص ولا كان قبليّا عشريّا وكفى ولكنّه كان كلّ ذلك وزيادة عليه من أدار هذا الصّراع متخفّيا أو مخاتلا  أو محرّك دمى متآمرا، ومن يدري؟ .
ولم يكن ما حدث فى ما سمّي بالفتنة الكبرى إلاّ مقدمة لما كان أشمل من ذلك وأشدّ ضراوة ومنه ما كان بسبب السّياسة ومنه ما كان بسبب غيرها من الأمـور، ولئن بدأ الدّين حنيفا على منهج محمد صلّى الله عليه وسلــّم وكانت رسالته رسالة وحدة وتوحيد، فانه سرعان ما تحوّل إلى مذاهــب وطوائف وطرق يصارع بعضها بعضا وكلّ يدّعي الإستقامة على النّهج واحتكار الحقيقة. ولا يذبّ من يذبّ عن رأيه إلاّ بالسّيف فلا يرعوي عن قتل النّاس بسبـب الاختـلاف، وكم من فتنة بعد الفتنة الكبرى حدثت وذهب فيها خلق كثير حتّى إذا خمدت نارها جاء من يذكّي نارا في موضع آخر حتّى بلغنا هذا العصر ونحن ما نزال نربّي فينا أسباب الشّقاق ونرعاها كابرا عن كابر دون تقدير للمآلات ودون أن نفكّر في سبب هذه الفرقـة البغيضة تاركين الأمر للنّخب التي لا همّ لها إلاّ تغذية الفتن بمزيد من التّعصب وتغذية الاقتتال بمزيد من الوقود من رجال وأفكار.
إنّ الاختلاف لا يزيد الأمم قوّة إلاّ إذا كان عامل بناء ومبعثا للخير، ولا تصلح الأمم إلاّ إذا كانت قادرة على التّفاعل مع العصر ومع النّص معا فى انسجام مع السّياق الحضاري للرّاهن الإنساني مهما كانت قوّة الجذب للوراء ولكنّنا كأمّة وشعوب وكنخب مختلفة لم ندرك بعد أنّ لا جدوى من لوثة الماضي كلّه وأنّ الصّراعات القديمة كانت ضمن سياق عصرها وفى لحظة حضاريّة مختلفة وبأدوات عصر بعيد، ومن ثمّ وجب إعادة النّظر فى الماضي كلّه والتخلّص منه جملة وتفصيلا إن أمكن ولكن هيهات.
يرفع الشّيعة شعار «لبيك يا حسين» فيقتلـــون بــه النّـــــاس ويرفع «خوارج العصر» شعار الخلافة، فيقتلون به أيضا ويرفع آخرون شعار «الاسلام هو الحـــلّ» فيدخلون به متاهة السّياســة دون أن تكون لهم القدرة على تحويل الشّعار إلى أفكار وبدائـــل ملموســـة ولذلك يفشلون لأنّهم لم يفهموا أنّ سياق التّجربــة الأولى فى زمن النّبي الكريم صلّى الله عليه وسلّـــم وصحابته سياق مختلـــف لا يمكن تركيب أفكــاره ورؤاه بالنّقل المحض في زمن الطّائرة والصّاروخ والكمبيوتر، وأن لا جدوى من تكرار القول بأنّ الأوّليــن كان لهم السّبـــق في الفهم والتّطبيق وأنّنا على نهجهم ماضــون وقد تبيّــن لنا في غير مرّة مبلغ التّهافـــت فى هكذا قــول.
ليست المشكلة فى الاختلاف داخل الصّف الإسلامي وإن كنّا نعده الأهمّ إذا نظرنا إليه من زاوية القدرة على النّهوض الحضاري وتجديد الشّباب لهذه الأمّة الغارقة فى التّخلف. لقد مررنا بفترة سبات حضاري طويلة أعقبتها فترة من الاستعمار ومن ثمّ دخلنا فى مرحلة تيه جديدة تعرّضنا خلالها لمختلف أنواع الغزو كانت سببا في تشظّ داخل المجتمعات العربيّة والإسلامية وبروز لنخب جديدة لا تنهل من الماضي ولا ترتبط به ولكن تنهل من سياق حضاري آخر مختلف تماما عن سياقنا بل ومعاد له. 
كان من شأن هذه النّخب الجديدة أن تحمل لواء التّغيير متّجهة نحو المجتمع بدل الاتجاه نحو أعدائه ولذلك حملت لواء تغييره بالكامل باللّين أو بالقوّة مصطدمة دائما بهذا المجتمع متعالية عليه، متنكّرة لسياقه الحضاري ولعمود الخيمة فى هذا السّياق وهو الدّين نصّا وروحا.
لا يعدم المرء أمثلة لما تفعله هذه النّخب الجديدة داخل المجتمع بواسطة مدنيّة أو بواسطة القوى القاهرة كالدّولة وأجهزتها، دأبها إحداث التّغيير بما ينسجم مع ما تطرحه من أفكار ورؤى بغضّ النّظر عن الوسائل والغايات، وبغض النّظر عن رأي المجتمع نفسه أفرادا وجماعات ونخب أخرى، فإذا لاقت صدّا أو مقاومة ازدادت تعاليا على المجتمع وضراوة فى الوسيلة والأفكار حتّى غدت نخبة متطرّفة فكرا وسلوكا رغم ما يبدو عليها من وجاهة في المظهر. 
إنّ الاختلاف عامل خير ونماء ولكنّه قد يغدو عامل تدمير إذا تحوّل إلى تعصّب أعمى وصار عامل صراع ونفي واقتتال، وكذلك الشّأن بالنّسبة للنّخب داخل المجتمع حين تصبح نقمة على هذا المجتمع وعاملا من عوامل التّدمير. 
إننا وبقدر تثميننا للاختلاف بقدر ما نخشى على مجتمعنا من صراع النّخب مهما كان شكله فكريّا كان أو ثقافيّا أو فنّيا ولنا في ما يحدث فى تونس الآن من جدل حول الإرث والعدّة والختان أو ما حدث من جدل قبل؛ والانتاج الدّرامي فى رمضان خير دليل . 
هل المشكلة في النخبة؟ للأسف نعم