الإصلاح

في الصميم

بقلم
عمر بن سكا
نظرات وقضايا في فقه التمكين: قراءة في أسباب وشروط التمكين من خلال القرآن الكريم(2/3)
 مقدمة:
تعرضنا في الجزء الأول من المقال إلى حديث القرآن الكريم عن التّمكين للأمم من خلال عرض الآيات القرآنيّة التي تتحدّث عن الموضوع ثمّ تطرقنا إلى مفهوم التمكين في اللّغة والاصطلاح القرآني. وسنتناول بالدّرس - بحول الله - في هذا الجزء الثاني أسباب وشروط التّمكين.
(4)  أسباب التمكين للأمم:
يطول الحديث عن أسباب التّمكين، فهي متعدّدة وتمسّ جوانب كثيرة من حياة البشر، بل إنّها ترتبط بكل ماله صلة بالوجود الإنساني على هذه الأرض بدءا بالعقيدة، والتّشريع والمعاملات وانتهاء بكلّ ماله صلة بالمادّيات التي تقوم عليها حياة النّاس من العمل والعمران وجوانب الحضارة الأخرى. وتأتي أهمّية هذا الكلام على اعتبار أنّ التّمكين والنّصر الحقيقيين يجب أن يكونا شاملين للجانبين المادّي والرّوحي على السّواء، وسنحاول في هذا المبحث حصر أهم أسباب التّمكين معتمدين في ذلك على تحليل بعض الآيات القرآنية التي نستشف من سياقاتها معاني أسباب التّمكين بمختلف أنواعه.
يقــول المولــى جلّ وعــلا: «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ» [1]. من خلال تأمّلنا في هذه الآية البليغة نستخلص سببا من أسباب التّمكين من الأهمّية بمكان وهو إعداد القوّة والأخذ بالأسباب. يقول سيد قطب في معرض تفسيره لهذه الآية: «النّص يأمر بإعداد القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها، ويخصّ «رباط الخيل» لأنّه الأداة التي كانت بارزة عند من كان يخاطبهم بهذا القرآن أوّل مرّة، ولو أمرهم بإعداد أسباب لا يعرفونها في ذلك الحين ممّا سيجد مع الزّمن لخاطبهم بمجهولات محيّرة – تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا – والمهمّ هو عموم التّوجيه. إنّه لابدّ للإسلام من قوّة ينطلق بها في الأرض لتحرير الإنسان وأوّل ما تصنعه هذه القوّة في حقل الدّعوة، إذ تؤمِّن الذين يختارون هذه العقيدة على حرّيتهم في اختيارها، فلا يصدّوا عنها ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها، والأمر الثاني أن ترهب أعداء هذا الدّين فلا يفكّروا في الاعتداء على «دار الإسلام» التي تحميها تلك القوّة... والأمر الثالث أن يبلُغ الرّعبُ بهؤلاء الأعداء حدّا يجعلهم لا يفكرون في الوقوف في وجه المدّ الإسلامـي، وهو ينطلق لتحرير الإنسان في الأرض... والأمــر الرّابــع أن تحطّــم هذه القـوّة كلّ قوة في الأرض تتّخذ لـنفسها صفة الألوهيّــة، فتحكـم النّـاس بشرائعهــا هي وسلطانهــا، ولا تعتــرف بأنّ الألوهيّــة لله وحــده، ومن ثم فالحاكمية له وحده سبحانه»[2].
والكلام الذي سبق ذكره لا يتنافى إطلاقا مع معاني التّوكل على الله إذ هو مقدّمة كلّ عمل أو منهج يسلكه المسلم في حياته كلّها، لأنّ كلّ شيء في هذا الوجود – كما هو في عقيدتنا الإسلاميّة – يتمّ وفق مشيئة الله وإرادته، ولهذا وجب استحضار عقيدة التّوكل على الله سبحانه وتعالى في الأخذ بالأسباب وإعداد القوّة اللاّزمة للتّمكين للدّين والصّلاح.
ولا غرابة في ذلك فمــن توكّل علــى الله – حقّ توكّلــه – كفاه وكان له معينا ونصيرا، والآثار الدّالـة على ذلك في القرآن والسّنة كثيـرة نقتصـر على ذكر البعض منهــا على سبيل المثال لا الحصر، يقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ » [3] . ويقول أيضا في آية أخرى: « كَم مِّن فِئَـةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَـتْ فِئَـةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِيــنَ» [4] ويقول عزّ من قائل: « وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمـْرِهِ» [5] ويقول سبحانه وتعالى: «وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» [6] .
أما الأحاديث الواردة في هذا الباب فهي كثيرة أيضا ومنها:
-1 عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم على ناقة له فقال: يا رسول الله أدعها وأتوكّل، فقال النّبي صلى الله عليه وسلّم: اِعْقلْها وتوكل» [7].
-2 عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو أنّكم توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا وتروح بطانا» [8]. 
-3 وروي أيضا عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»[9]
وفي الواقع لا ينبغي التّقليل - بحال من الأحوال – من أهمّية عقيدة التّوكل على الله، ودورها الأهمّ في تحقيق النّصر والتّمكين وكذا في جعل المسلمين واثقين من أنّ النّصر والتّمكين بيد الله، كلّ ما عليهم فعله هو التّوكل عليه سبحانه أوّلا ثمّ بعد ذلك يأتي دور القوّة والأخذ بأسبابها من علم وعمل وتدبير. . . وهذا يعني أنّ التّصور المشوّه «للتّوكل»، والذي غلب على أذهان الكثير من أبناء الإسلام جهلا منهم بحقيقته ينبغي محوه من الأذهان، والإقبال على ربّ العالمين وفق المنهج الرّباني الشّامل الذي لا التباس ولا غموض فيه.
 إنّ الفقرات السّابقة أشارت إلى بعض جوانب أسباب التّمكين التي يجب الأخذ بها في كلّ زمان ومكان إذا ما أرادت أمّة من الأمم أن يمكّن لها في الأرض، ونجملها في العرائض التّالية:
(أ) التوكل على الله – سبحانه – والأخذ بأسباب القوّة.
(ب) الأخذ بالأسباب المعنويّة.
(ج) الأخذ بالأسباب المادّية.
ومن نماذج القوّة المعنويّة التي أشرنا إليها، إعداد وتربية جيل قادر على تحمّل الأمانة والمسؤوليّة والتّضحية من أجل عقيدته ودينه بما يملك من مال ونفس...وهذا ما نفهمه جليّا إذا رجعنا إلى سيرة المصطفى محمد صلّى الله عليه وسلّم حيث ضرب لنا مثالا رائعا في شخصيّة القائد الفذّ وصاحب الدّعوة الرّبانية الذي ربّى أصحابه على جملة من المبادئ والقيم أهّلتهم ليكونوا أهلا لصحبته والجهاد معه لنشر رسالة الإسلام... منها الإخلاص في العمل والتّفاني فيه، وطاعة القائد والتزام أوامره، والصّبر على الأذى.
إنه جيل ربّاني بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فانظر كيف تلقّى المسلمون الاعتداءات تلو الاعتداءات من أجل الرّجوع عن دينهم، فأبوا إلاّ أن يصمدوا ويثبتوا على عقيدتهم. . . وأنظر كيف صبرت تلك الثلّة القليلة من المؤمنين على جهاد الكفّار وردّ عدوانهم. 
وانظر كيف تنافس صحابة رسول الله صلّى الله عليه على الإنفاق في سبيل الله محتسبين أجرهم على الله، فاستحقّوا بذلك مرتبة الرّضوان، فمكّن الله لهم ونصرهم على أعدائهم، حقّا بدّلهم الله سبحانه وتعالى الخوف بالأمن، والاستضعاف بالنّصر والتّمكين، والضّعف بالقوّة.
 ومن نماذج القوة المعنوية أيضا أن تكون الأمّة متّحدة متراصّة الصّفوف، لا متفرّقة الأهواء والطّرق. إنّ أيّ فئة إذا ما أرادت أن يمكّن لها في الأرض يجب أن يُجمع أمرها على قلب رجل واحد، وفي الحديث النّبوي الشريف: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمى» [10] . فلا أسباب للتفرقة والفتنة في صفوفها، ولا سبيل للشقاق والنفاق بين أبنائهـا. يقول تعالى: «...وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (*) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» [11]
والمتأمل لصفحات التّاريخ الكثيرة يجد أنّ من أسباب التّمكين والنّصر: الاجتماع على كلمة سواء، أمّا الفرقة والاختلاف فهما من أبرز أسباب الضّعف والهوان، وها هو واقع المسلمين في الوقت الحاضر يشهد أنهم  لا يتقنون إلّا لغة الحروب والنّفاق ومخالفة المنهج القويم الذي جاء به نبيّ الرّحمة صلّى الله عليه وسلّم.
 
(في العدد القادم: أهداف التمكين ومقاصده)
 
الهوامش
[1] سورة الأنفال - الآية 60
[2] سيد قطب، في ظلال القرآن، ص: 1543
[3] سورة محمد - الآية 7
[4] سورة البقرة - الآية 249
[5] سورة الطلاق - الآية 3
[6] سورة الطلاق - الآيتان 2 و3
[7] رواه الترمذي في صفة القيامة، باب (60) (4/668) رقم 537)
[8] صححه الألباني، صحيح «تخريج المختارة» 617، الصحيحة: 310، أحاديث البيوع
[9] رواه مسلم. في كتاب القدر، باب الأمر بالتقوى (4/252) رقم 2664
[10] رواه الترمذي. كتاب الزهد باب التوكل على الله (4/573) رقم 2344 حسن صحيح 
[11] سورة الروم - الآيتان 31 و32