الإصلاح

تأملات

بقلم
محمد الصالح ضاوي
من أسرار الدراما في القرآن (1/2)
 يحفل القرآن، باعتباره خطابا إلهيّا فوق إنساني، وباعتباره نصّا مكتوبا للإنسان، بالعديد من العروض الدّراميّة، من خلال الآيات القرآنيّة وبنائها وسياقها... 
وتظهر هذه العروض في مستويات مختلفة، منها:
مستويات العرض القرآني:
* الحدث التّاريخي الذي قام القرآن بصياغته وتصويره بالكلمات الدّقيقة، ذات المحمول العرفاني والمعرفي، وعرضه باستعمال آليّة القراءة والتكرار. (قصص الأنبياء نموذجا).
* لوحات الأمثال والحكم التي يعرضها القرآن ويجعلك منتجا لها عبر الخيال والعقل، بحيث يتراوح موقعك بين الجمهور والمنتج للعرض. (آيات الأمثال نموذجا).
* عروض خاصّة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومن خلاله، نكتشفها ونشاركه في الفرجة والتّخيل. (الخطاب الموجّه إلى الرّسول مباشرة، نموذجا).
* مسرحيّات عرضت في زمن ما، وقام القرآن بأرشفتها وتسجيلها، ونستعيد عرضها بالقراءة والتّكرار. (مسرحيّة الغراب وابن آدم، ومسرحيّة الملائكة في محراب داود نموذجا).
* عروض تاريخيّة، أمر القرآن الكريم كلّ المسلمين بإعادة تمثيلها ومحاكاتها في مناسبات مرتبطة بشعائر عباديّة. (عرض الصّفا والمروة نموذجا).
* عرض داخل عرض، نكتشف من خلاله كيفيّة استعمال تقنيّة الزّمن وتوظيفه في المشاهد، في تراوح بين الغيبي والشّهادي وبين المنامي واليقظي. (عرض رؤيا صاحبيّ السّجن ضمن العرض اليوسفي، نموذجا).
* عروض تجريديّة روحانيّة غاية في الإســرار والغموض والرّمزيـــة. (حروف افتتاح السّور نموذجا).
ولعلّ تداخل المستويــات وتنوّع العــروض، وظهور الآيات بأكثر من تحميــل للأوجــه، وقدرة اللّغة على تحميل المضمون المعرفي المراد، والسّياق والتّرتيب، والرّوعة في التّصويــر والإيقـــاع... كلّ هذه العوامل وغيرها، تجعل القــرآن منتجـــا للعديد مــن العــروض الدّراميّــة والفرجويّــة والاحتفاليّة والرّمزيّة والشّعائريّــة والعجائبيّــة والحكميّة والواقعيّة والخياليّة البرزخيّــة وغيرهـــا من الأصناف المستعصيــة عن الحصر بدقّـة... بل تجعل القــارئ والمكــرّر للقرآن شريكــا وفاعلا في عمليّة إنتـــاج العروض أو محاكاتها أو إعــادة تمثّلهـــا، بشكـــل متفــرّد ومتميّز ومشخّص، يكاد لا يكرّر ذاته أبدا... وهي خاصيّة من خصائص المسرحيّات المعاد عرضها، بشروط دائما جديدة ومتجدّدة...
ومن خلال هذا الكمّ والكيف، نعرض بعض التّميّز والتفرّد، من أسرار العروض القرآنيّة، التي كشفتها لنا آيات القرآن العظيم. 
العرض المحظور
يصوّر القرآن الكريم، الأحداث والظّواهر، بطريقة فنيّة رائعة، تعتمد اللّفظ الحامل للشّحنة الرّوحية وللنّور الإلهي، حيث تتخلّل القلب والعقل، فتنتج عروضا وأشرطة مصوّرة غاية في التّنوع والدّقّة والرّوعة. 
وفي كلّ قراءة وتكرار وتلاوة، تنتج عروضا جديدة متجدّدة، في حضرة روحيّة عالية... كما أنّ كلّ قصّة تعرض بمواضع عديدة في القرآن، تكشف عن محاكاة لنصّ إلهي مختلف من موضع إلى آخر، بحيث تتعدّد الزّوايا التي ينظر من خلالها إلى الحدث... إنها فصول ومشاهد وعروض، في شاشة المصحف وداخل عقل القارئ، تزيدها ألوان الآيات وأنوارها، ضياء ووضوحا... 
وينطبق هذا الوصف على كلّ القصص القرآني، باستثناء قصّة واحدة، عرضها القرآن بمفاتيح خياليّة مغلقة، لغاية الامتناع عن تكرار عرضهــا بتوسّــع وعمــق، بسبب أخلاقــي صرف. إنّها قصّة قوم لـــوط، في «سدوم وعمــورة، وأدمـــة، وصبويــم، وكانت قرى متجاورة، فخسف بها وصار عاليها سافلها. وكانت في جهات الأردن حـول البحــر الميـــت، ونبأ هؤلاء مشهور معلوم، وهو خبر هلاكهــم واستئصالهم بحوادث مهولة»(1).
وقد ذكر الله قصّة لوط في أكثر من سورة، وكان عرضها يتمّ ضمن سياق عرض قصص أقوام سابقة ولاحقة، لكنها تتميّز بإحدى ميزتين، أو بكليهما:
الميزة الأولى: اختلاف السّياق عند الحديث عن قوم لوط، بحذف عبارات كانت تتكرّر في القصص السّابقة واللاّحقة، لتبيان تميّز القصّة عن غيرها، وامتناعها عن الخيال الفنّي، نظرا لخصوصيّة موضوعها.
ففي سورة الأعراف مثلا، تبدأ عروض القصص القرآني بالنبيّ نوح عليه السّلام وقومه،حيث يقول الله تعالى: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (*) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (*) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (*) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (*) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (*) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (*)» (2).
ثمّ تتلوها قصّة هود وقومه عاد، من الآية 65 إلى الآية 72. وتتخلّلها الآية 68، التي يقول فيها الحقّ عزّ وجلّ: «أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ».
ثمّ تأتي قصّة ثمود ونبيّهم صالح، من الآية 73 إلى الآية 97، التي جاء فيها: «فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ».
ونفس السّياق نجده في قصّة مدين ونبيّهم شعيب، من الآية 85 إلى الآية 93، التي تقول: «فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ».
وواضح أنّ هذه القصص احتوت على مفاتيح خاصّة، لكلّ منها، تتعلّق بإبلاغ الرّسالات والنّصح للقوم، في حين أن قصّة لوط، التي أدرجت بين قصّتي ثمود ومدين، جاءت بسياق مختلف، لا نجد فيها: إبلاغ الرّسالات والنّصح. فكأنّها قصّة مغلقة، بلا مفتاح، ساقها القرآن كتلة واحدة غير قابلة للاستثمار وللعرض، نظرا لطبيعة موضوعها المتعلّق بالانحراف الجنسي في قوم لوط.
 الميزة الثانية: كلّ القصص التي أوردها القرآن للأقوام المشهورة: قوم نوح وعاد وثمود ومدين وقوم إبراهيم وقوم موسى، احتوت على سجال وحوارات بين النبيّ وقومه، وقد يسجّل ذلك في أكثر من موضع، باستثناء قصّة لوط مع قومه، التي كلّما ذكرها القرآن كانت مختزلة وملخّصة، وخالية من الحوار والسّجال، إلاّ من ردّ فعل عنيف ونهائي يعبّر عن إقصاء وامتناع، من قبل قومه.
كما أنّ القرآن صوّر فعل قوم لوط باختزال وتلخيص في غير إطناب ولا شرح، نظرا لطبيعة الموضوع... فلم يترك لنا مجالا للخيال الخلاّق لإنتاج عرض فنّي دراميّ، كما في القصص الأخرى. قالوا للوط: «وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ» (3) .
فقوم لوط متّهمون بإتيان الفاحشة (الأعراف 80/ النمل 54) وإتيان الرّجال شهوة من دون النّساء (الأعراف 81/النمل 54/ العنكبوت 29)، وعمل السّيئات (هود 78) وإتيان الذّكران من العالمين (165 الشعراء) وقطع السّبيل وإتيان المنكر في النّادي (العنكبوت 29) والفساد (العنكبوت 30) ومراودة الضّيف (القمر 37) وعمل الخبائث والفسق (الأنبياء 74).
فالحاصل ممّا سبق، أنّ الاختزال الذي اتسمت به قصّة قوم لوط، والسّياق المغلق الذي أحاط بها، يجعل من العرض اللّوطي ممنوعا أو محظورا، رغم وجود النصّ المرجعي في أكثر من موضع، بمواصفات بيّنّاها. إنّها مسرحية للقراءة لا للتّمثيل، حيث يمنع السياق القرآني من إخراجها الحسّي إلى المشاهدة والاحتفال والتّقديس.
الهوامش
(1) بن عاشور، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر (المتوفى: 1393هـ):التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، نشر : الدار التونسية للنشر – تونس، 1984 هـ، ج 10، ص 261.
(2) سورة الأعراف - من الآية 59 إلى الآية 64
(3) سورة هود - الآية 79