الإصلاح

نقاط على الحروف

بقلم
سامي الشعري
كلاب سوق
 ربّما قد لا يكون مناسبا في خضم الاحتفال بالأعياد إن نتحدّث عن الكلاب: ذاك ما استقرّ في مخيال النّاس الجماعي واعتقُد أنّه مقتضى العقيدة. دورنا –ومرّة أخرى- أن نفكّك بعض من هذه المواطن التي تتداخل فيها المعاني و«تتشابه الآيات» –أي دخولها منطقة الشّبهات، منطقة الغموض والالتباس الذي يُحيل إلى الحيرة الذي يهزّ اطمئنان «المؤمن» واستقرار عقيدته. كلّ هذا التّراصف من الكلمات يستحقّ في حقيقته النّظر،  و«إرجاع البصر»، بل حتّى «إرجاعه كرّتين»، باعتباره يقوم على مسلّمات ما، هو مقتضى «التّشابه» بدلالة الحيرة  التي علينا أن «نجتنبها»... سنقتصر في هذا المقال على خيط من الخيوط، هو ذلك الذي صدّرناه سلفا في العنوان. 
إنّ هذه العبارة الجاهزة (كلاب سوق) تقال-في، أي تكتسب معناها من حكم يطلق على فرد أو فئة من النّاس، وعند ذلك سيكونون «كلاب سوق»، لا «كلاب أسواق»، بما في ذلك من إشارة إلى وظيفة العبارة الأصليّة بما هي تثبّت موقع «السّوق» المفرد. إنّ الذي يشار إليه بهذا الحكم هو ذلك المنحرف أخلاقيّا، الذي ينحرف سلوكه عن النّواميس المطلوبة، تلك التي استقرّ عليها الضّمير الجمعي على المنشود والمطلوب، أي الحلال والمندوب. إنّه ذلك الذي اختار بملء إرادته أن ينتهك دائرة المسموح به وليتحوّل إلى أخرى فيها عصيان ورذيلة وفسوق...
قد يكون إذا «كلب سوق» هي معوّض لغوي نحتته أيادي وألسنة القوم «لنعبّر به» فقط عن هذا المقصد..إنّنا اذا بهذا نلتفت فقط إلى «المعنى»، أي دلالة الكلمات من جهة وظيفتها، أو ما استقر عندنا أنّه كذلك، أو ما يراد رسميّا أن يكون كذلك. إنّها اللّحظة التي تحدّد دائرة المفكّر فيه وتسدل السّتار عمّا وراء ذلك، بل وتحوله إلى عدم ومن قبيل الثّرثرة أو التّعسف أو على الأقل «لزوم ما لا يلزم». إن نمط «تقديم» الوظيفة او الغرض-وهو بالتالي يكون عملا موجّها بدءا- محدّد بغائيّة ما نعتقد أنّها مقتضى الحقيقة المعبرة عن حقيقة أصليّة «تجلّي حجاب» الكينونة و«تحضرها» إلى العلن. إنّنا اذا استرسلنا في هذا النّمط من الكلام -وحتّى الكتابة- نصنع بأيدينا ما أريد لنا أن نكون، وتكون هذه الآليّة هي أفضل آليات إنفاذ القول والفعل بما أنّها تتمّ بأيادي ضحاياه. إنّ الذي يتقدّم الينا باعتباره القول البريء والمحايد والمباشر هو ذلك الذي نُصِبَ إلينا شراكه، ولذلك يكون قد نجح في مهمّته عندما يحدّد بنفسه دائرة «القابل وغير القابل للقول والتّفكير». إنّ كل تفكير هو انتهاك لهذا الذي استقر على أنّه العادي والأصلي، لأنّ هذين لم يكونا دائما الاّ مسخا وتشويها لأمر يجول تحته –أو بجانبه أو وراءه-. ربّما يكون التّفكير اذا –من جهة نسق المعايير المثبّت – هو ضرب من «كلوبيّة السّوق» بما هي انتهاك ما لهذا الذي درجنا عليه. سنذهب اذا إلى الأمر نفسه، إلى هذا الدّس الذي يسكن العبارة ويتجلّى من خلالها، بعيدا عن إرادة «الأوصياء» الذين سنحاول أن نحدّد هويتهم فيما بعد. 
عند التفاتنا إلى العبارة، بما هو اذا انثناء على النّفس وتوقّف يسمح بالتّدبر والتّبصر –حيث يكون الهرج والمرج ليسا الاّ مسطّحان للنّسيان والغفلة والاندفاع-، سنرى بعضا من عمليّات النّسيان، بل هو حثّ على النّسيان عبر الطّمر والتّغطية. لقد انتبه إلى «الكلب»بما يوحي به من شراسة وعدوانية، و«كلب» بما هو داء قاتل، يشير إلى مغادرة لسلوك طبيعي فيه الحراسة والأمانة في اتجاه الشّراسة و«الجنون» والنّكران. كلّ هذه الصّفات المنكرة –وغيرها – تحضر عند حضور «الكلب». إنّ الأمر يبقى مع ذلك ملغزا، طالما أنّ في لسان العربي متّسع اشتقاقي هائل قادر على التّعبير عن هذه المعاني. لماذا اختير «الكلب»؟
إنّها بما هي عبارة، أي مركّب من الكلمات، لا يمكن تركيبيّا أن ينعطي معناها الّا بالالتفات مرّة أخرى، -طالما أنّ جهد التفكّر يصطحب دائما ذاكرة تقاوم النّسيان- إلى خانة أخرى، إلى جهة أخر لسانيّة-رمزيّة نصيب بها بؤرة التّوتر في العبارة: إنّها جهة «سوق». لماذا استدعي «السّوق» في هذا «السّياق»؟ لماذا لم يقتصر الأمر على «الكلب»؟ يبدو أنّ المضاف في هذا السّياق لم يكن ليستمدّ معناه الاّ في علاقته بالمضاف اليه. إنّه ليس «كلبا» –بالدّلالة اللاّأخلاقية- الاّ باعتباره «كلب سوق». ولكن ما هذا الذي في «السّوق» يجعله قادرا على أن يحوّل الكلب عن «ماهيته» لصالح أخرى تجعله دليلا على الزّيغ والانحراف والتّعدي؟ لا بدّ أنّ في السّوق أمرا قادرا –ماهويّا- على هذا التّحويل، على تحويل الأعيان وتغيير صفات الخلق، والذي اعتقدنا أنّه تفرّد إلاهي. إنّه بما هو كذلك قادر على تحويل وتغيير –كما نقول ماء متغيّر-حتّى الأمين والطّيب، وبالتالي يكون السّوق هو كائن شيطانيّ، بل و«ما فوق شيطاني» بما أنّه صار قادرا على تغيير الأعيان ولا فقط مجرّد الوسوسة كدافع لسوء الفعل. ما هذا الذي في السّوق اذا يجعله يكون كذلك؟
إنّ بحثنا بصيغة «ما» قد يكون حائلا أمام بلوغ مطلوبنا، بما أنّه يطلب –بهذه الصّيغة- أمرا قائما في الأعيان، جوهرا معطى أمامنا نلمسه، نشمّه ونراه، قادرا وحده على فعل ما نفعله. هذا الوعي المباشر، وعي «الوسطيّة اليوميّة» الذي يركن إلى العادي والمتداول والمألوف، هو يحول بيننا وبين النّظر « قل انظروا ...». علينا أنّ نقلّب الأمر من جديد ونستنطق ما كان ثاويا، ما هو ضمني لم يصرح به لكي نفهم المعلن نفسه، ومن ثمّة لكي نفهم هويّة «ما» هذه، ونمط فعلها. 
إنّ «السّوق»هنا يحيل إلى الفضاء الجغرافي الذي يُقام فيه عادة البيع والشّراء وخصوصا بطريقة مناسباتيّة أو دوريّة. إنّه «المكان» الذي لا يكون بالتّأكيد مجرد موضع (كموضع للأشياء بها تتحيّز ضمن امتداد في المكان)، وإنّما هو «موقع» بما هو مكان نختاره ونحدّد حدوده وأدواره ونواميسه وتوقيته... إنّ المكان الذي نضطلع به، ولكنّه المكان العام الذي يستمدّ معناه من «الوجود-معا» (فيما هو نحت إنساني اذا لنمط خاصّ أو تكييف للكينونة- معا)، أي من فعل بين-ذاتي تحضر فيه سلطة الجماعي الذي لا يتحدّد بحصيلة «إرادة إرادة» للأفراد. هناك اذا كلّي ما إنساني يتجاوز في تعينه حقيقة الفردي، ولكنّه مع ذلك يبقى محايثا له. ما هذا الذي يتجاوز ولا يكون مفارقا؟ إنّه يبقى في دائرة الإنساني، ولذلك علينا أن نتبيّن هويّته المفترضة في الفعل الإنساني، وليس في ماهيّة ما شريرة سكنت «روح المجتمع» وتلبّست به ليكون «سوقا شيطانيّا». لم يرد في العبارة مثلا أنّه «سوق الخمر» أو «سوق الزّطلة» أو «سوق ال...»، وإنّما هو بما هو كذلك أحرى به أن يصير إلى كائن من يعلّق به يصير إلى بؤرة «الكلوبيّة « («كلوبيّة سوق»). إنّ الأمر يتجاوز اذا ما يتداول في السّوق من سلع، نحو كينونته بما هو كذلك. ما هو كذلك اذا هو وضعه البين-ذاتي، أو بالأحرى وضعه العمومي. إنّ عموميته هي «عمقه الأنطولوجي»  الذي يجعله ضرورة ودون تخلّف جهة الشّر –بالماهية لا بالعرض-، وهو الذي يجعله كذلك «ثقبا أسودَ» من حام حوله فهو هالك –انطولوجيّا وأخلاقيّا-. صارت العموميّة هي السّر الذي جعله ذلك. ولكن ما الذي في هذا العمومي حتّى يكون كذلك؟
إنّها مقابلته للفردي، أو بالأحرى ما يقابل «منطقيّا» العام وهو الخاصّ: إنّ العام هنا اذا يقوم معناه من خلال معنى-آخر (يكون مقابلا أو مجاورا)، بما يدفعنا الى القول مرّة أخرى إنّ محاولة «اكتشاف» المعنى (وكأنّه كنز معطى من الازل بقي ينتظر مقدمنا ليتجلّى للجميع)هو سكن في «وهم الكهف»، -بالمعنى الأفلاطوني-، انحطاط في وضع الدّغمائيّة حيث يرتفع إمكان أن نحرّك الرّؤوس، أن نفكّر بطريق أخرى «إنّا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون». لكنّ الأغلال في هذه المرّة صنع بشري، بما أنّه يعدم «حركة الرّأس» حتّى لا نلتفت إلى جهة أخرى غير التي يراد لنا أن «ننظر إليها». علينا اذا أن نكسّر أغلال «المعنى الرّسمي والمتداول» نحو إمكانات أخرى وراء أو بجانب هذا الفهم «العامّي» و«العمومي» لللّفظ أو للعبارة. إنّ الموضع مناسب لكي تتقاطع خيوط عدّة للعمومي يمكن أن نفكّ بها أغلال المعنى. إنّه هنا يستمد معناه من الخاصّ –وليس العكس كما يتداول داخل البنيويّة أو الماركسيّة مثلا-: صار يفهم العمومي انطلاقا من مرجعيّة الخاصّ باعتباره أساسا موطنا لتحديد القيم، وتتوزّع بالتالي مناطق المشروعيّة.
الخاصّ يحيل إلى الفردي ببراءته، إنّه منطقة التّفرد والفريد الذي لم يختلط بعد بما لحقه، إنّه الأقرب إلى الفعل الالهي « وكلكم آتيه يوم القيامة فردا». ضمن هذه «الرّوح الفرديّة» التي تنتظر أن تؤوب إلى ربّها «راضية مرضيّة»، يصير المطمح هو «النّجاة» من عالم النّاس، من عالم السّوق الذي يختلط فيه الحابل بالنّابل، وحيث يغيب المعدن «الأصيل» لصالح آخر خالط معادن فاسدة ومنحطة، بما يزيف الأصل الأصيل الذي برز مع فعل الخلق. إنّ التّربية نفسها تصير بما هي كذلك مدافعة مستمرّة لهذا التّزييف عبر التعلّم والتّهذيب بما هي تشذيب وتثقيف تردّ الغصن إلى استوائه وتنزع عنه كلّ النّتوءات التي قد تكون قد علقت به. هناك اذا، في هذه المنطقة الفرديّة، تنحت البراءة والأصل، وعندما يمكن «الرّجوع» إليها يكون ذلك هو «الرّجوع لله» كما يتداول في التّعبير العامّي. لذلك يكون كلّ ما يقرب إلى هذه المنطقة من قول أو عمل هو مقتضى الأمانة للخلق الالهي الأول لحظة النّفث في الرّوح ولحظة الاشهاد عليها بثبوت الرّبوبيّة. من هنا كان التزهّد والتدبّر والعبادة والورع...هي المعاني والسّلوكات التي تنحت ضمن هذه الدّائرة الفرديّة، ومن خلالها يمكن أن نطمع في «نجاة» ما من «مشاغل الدّنيا وزينتها»، بما أنّ هذه صارت مجال النّسيان والعصيان، ويكون «تدبير المتوحّد»هي مجال «التذكّر» ( أي للحقّ والحقيقة). 
إنّ السّوق هو مجال «الدّنيا» بما هي وضع انطولوجي –لا فقط مكاني-حياتي، هي مجال الضّياع في «الهُم» والهمّ والغم، بما هو مغادرة للرّوح وأشواقها لصالح حاجات عابرة للجسد والمتعة. إنّها منطقة «وسخ دار الدّنيا»، ولذلك يكون لحظة الدّخول إليه لحظة «الدّاخل فيه مفقود» كما يكون لحظة الآيب منها «مولود»، هي ولادة جديدة لآنية ظلّت مغتربة في العموم الذي يصهر تفرّد الانسان. إنّ اللاّأخلاقي هو ما يجول في دائرة الفضاء العمومي، ومن أراد الأخلاق الحقّة التي لا جمجمة فيها فعليه بالخاصّ، بالبيت والحكمة المنزليّة ودائرة الفضاء الفردي. هنا، في هذا الفردي المنعزل، يمكن أن نثبت معنى السّعادة بما هي سكينة وطمانينة وتوازن لا يمكن أن نظفر بها «وسط الزحام»، ولذلك يكون الدعاء الدائم للمؤمن هو «ربي يخرجنا منها سلامات». إنّ «كلب السّوق» هو-بالمعنى الحرفي- يكون تحريفا «لكلب البيت»حيث يكون أمينا على البيت وأهله، على أمن العائلة وأرزاقها. 
إنّ الفردي هنا في الحقيقة –إن كان ولا بدّ- يتحرّك ضمن نمط ما «لجماعة» تكون المستوى الذي يشدّ الفرد إلى البيئة والى الآخرين –حيث لا مناص له أن يفعل ذلك بحكم حاجته للعمل والتّبادل والحديث وممارسة الجنس...-، ولكنّه نمط اجتماع يبقى مرتهنا برهانات الفرد بما هو انسحاب دائم من مقتضيات الوجود الجماعي العلائقي. إنّ البيت هو منطقة الفصل والانفصال عن (المجتمع) قبل أن تكون منطقة الوصل مع الآخرين (الزوجة والأبناء، أي ذوي القرابة الدمويّة). إنّه فضاء ينحت داخل حاجات الجسد الخاصّ، ولكنّه لا ينشدّ إلى مقتضى العلاقة وأفق الاجتماع البشري. ضمن هذا الحيز اذا، ربّما نكون إزاء تقاطع بين الفردي والعام، ولكنّه تقاطع مزيف، بما أنّ هذا الجماعي لم يكن الاّ حماية لذلك الخاصّ، وحيث يكون خطره هو في «ظهوره» باعتباره «تحقّقا» لمعنى الجماعي والعمومي في الوجود البشري. ضمن دائرة الخلط بين المعاني يكون هناك سهولة أكبر في تمرير الرّسالة، بل وتسويغها باعتبار أنّ ذلك هو مطلب الفضيلة التي يجب إنقاذها من براثن «فساد الدّنيا وأهلها»، عبر الاهتمام بإصلاح النّفس حيث «...لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم»، حيث يمكن تزكية النّفس (بالنّفس) ومدّ هذا المجهود على أقصى تقدير إلى «العشيرة الأقربين»
إنّنا نستدعي الآيات الموظّفة في هذا «الخطاب»-بما أنّه صار كذلك باعتباره قول يخفي أكثر ممّا يعلن، ويقدم انتظاما للقضايا لخدمة استراتيجيا ما تكون بالضّرورة استراتيجيا سلطة تتمترس ضمن غلاف ايديولوجي قد يكون لاهوتيّا-، لنبيّن أنّ القول الحاضر ضمن هذا الخطاب يوظّف كلّ معين الرّموز الإنسانيّة (ومن ذلك اللّغة ومختلف أنظمة التّواصل حتى المقدّس منها) لخدمة هذه الأجندة. إنّ معنى «لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم» قد خضع لتحوير ما غير ذلك الذي حدّده السّياق القرآني (ويمكن العودة في هذا المجال إلى مختلف التّفاسير وتبين ردّ أبو بكر الصّديق على هذا الفهم المتداول..)، ولكنّه ثُبّت لصالح «قال الله تعالى: كلّ شاة تعلّق من كراعها» كما قال أحد السياسيين لدينا. بهذه الطّريقة، يكون «الوجود-مع» (المثبّت حتّى قرآنيا، اذ بعد لحظة الحمد وذكر الصّفات الالهيّة في تلاوة الفاتحة، تأتي مباشرة آية «اهدنا الصّراط المستقيم») أي بما هو وضع جماعي هو الوضع الأصلي ، حتّى ولو كان الأصل الفردي البيولوجي فرديا، مع أنّه علينا الاّ ننسى أنّ هذا الفردي لم يكن الاّ بمناسبة «التقاء-بين فردين». هذا العام-الجماعي اذا قد اندحر، ويكون المجال البين-ذاتي ليس الاّ لقاء عرضيّا «ذاتا ذاتا» دون تصوّر علاقة ما، بينما بما هي علاقة تفيد التّوتر والتّأثير والتّأثر والتّحديد لماهية كلّ طرف عبر هذه العلاقة نفسها    
 لقد زكّى هذا التّحوير (اذ لم يكن تأويلا واعيا بنفسه يقوم على حجاج عقلي، وإنّما توظيف موجّه لغاية ما أُعدت سلفا) أمرا حقيقيّا هو التّعفف والصّلاح والتّعالي عن صغائر الأمور وعن الارتهان إلى مطامح النّفوذ السّلطويّة بأشكالها وبيع الضّمير الخلقي من أجلها. هذا السّهم في الفعل لم يكن دليلا على الانسحاب من الفضاء العام، بل هو-عكس ذلك- إنفاذه في هذا الفضاء نفسه. إنّ هناك اذا «كفران» لذلك المعني الأصلي لصالح آخر يراد أن يثبت، وذلك دائما كان هو فعل «الكفر»، بل هو أخطره باعتباره قد تسرّب داخل الخطاب المقدّس ونحت أصوله وتعاليمه. لم يكن عملنا اذا «كلوبيّة سوق» وانّما رعاية للسّوق وحقّنا في السّوق، عبر كشف «الكفر» المشتغل داخل «الايمان» نفسه، أي بيان الانحراف الذي خضع له – في تقديرنا –المعنى الأصيل. ليس هناك من فهم آخر الآن اذا الاّ بإعادة تحريك المترسّب، وبيان طبقات المعنى المتكلّسة فيه، وفضح التّقديس المزيّف الذي حفلت به باعتباره لم يكن الاّ أحد أنواع الكذب –بل هو أبشعها-باعتباره ينتهي بالضّرورة إلى تحريف القول الإلهي.