حديقة الشعراء

بقلم
حسن الأمراني
الزيتونة التميمية
  (استهلال)
سيقولون لماذا لم تعد للحبّ تعزفْ؟
أتُــــراه الشّيبُ ينهاك وظلُّ الموت أشرفْ؟
أم هو الدّينُ عن الأهـــواء واللذَّات يَصرِفْ؟
عجباً ممّن له الغفلة تخطفْ
أوليس الحبُّ كلُّ الحبِّ أن أحميَ شعبي
من طغاةٍ لا يرون العيش إلا لذّةً في ظلّ مقصفْ؟
فليكنْ شعريَ سيفاً لرؤوس البغي يقطفْ
وليكن شعري ورداً للتميمية
وهي الـــــــــرَّعدُ للعدوان يَــــــقصف
(1)
يتدلّى القمرُ الأخضرُ من شرفة عينيكِ ويرشُفْ
من ندى نجمةِ صبحٍ 
لم تزلْ، يا قدسُ، تهتفْ:
خبّئيني خلْفَ أحلامكِ،
 هذا ألفُ قنّاصٍ إلى لحمي تشوّفْ
وعلى برجك أبياتٌ من الـــزَّهرِ روتْها انْخَدِوَانا،
 عن أبينا يشحذ الـــمُـــدْيةَ قُــربـــاناً إلى الله، 
ومن سُــومَرَ تنسلّ الفراشاتُ إلى القدسِ،
   ومن دجــلةَ ينصبُّ حنينٌ ليس يوصفْ
وجفون الليلِ، ليلٍ نابغيّ، من نصال الغدرِ تذرفْ
(نهرُ غسّـــانَ الذي كان رحيقاً 
بابليّ الدنّ إن صُـــفّــقَ 
هاروتُ به مالَ 
كأنّ الشمس من رؤياه آصَـــــــفْ
وجرى من تحت حسّـــانَ يُناجي
مسمع الطير فسيقتْ زُمــراً 
منْ سحْــر شبّـــابةِ معشوقٍ مشنّــفْ 
ذلك النّهر الذي كان بِقُرْطي مريمٍ يزهو ويتْحفْ
أصبح اليوم ظهيراً لسيوف الرومِ، 
حتّى ويدٌ منه إلى الثّــــوّار تهتفْ
وسوى الروم وراء الفارس المقدام رومٌ
قادها رمْـــح مثقّـــفْ
يصطفيهِ كلّ مترفْ
داسَ أحلام المساكينِ، وللعلج تزلّـــفْ)
ومرشّات الصبايا السومريّاتِ
 ترشُّ الودَّ والورد على أمّ شهيدٍ،
قد تجلّى في ربى القدس، وعيناه عروجٌ:
ما لحــبّي من ضفافٍ،
أتراه من أحب السّدرة الغــــرّاء يُسرفْ؟
(2)
نجن ما قلنا إذا ما عرضتْ سنبلةَ الصّيفِ العذارى:
«هل رأى الحبُّ سكارى»
فعذارانا لها من مريمَ العذراءِ طهرٌ
ولها سرٌّ عظيمٌ ليس في غير الميادين سيُكْشَفْ
فــهْــو من بأسٍ شديدٍ
كم يغار البأس منه
ويخاف الخوف منه
 وهْــــو، َمن لينٍ وإشفاقٍ،
من الشّادن بالمظلوم أرأفْ
(3)
بسطــــتْ ساجدةُ الحبْــلَ لعهدٍ، 
فوصلنا الحبْـــلَ، لكنّ مقاريض تمرلنكَ 
كحَــبلٍ حول جيد القمَــرِ المأسورِ ملتفّْ
وتقول انخدوانا: أنا إذ أبكي عراقي
فإلى القدسِ اشتياقي
وإلى طينة جدّي أتلهّــفْ
(4)
الصحابيّاتُ رابطنَ على بوّابةِ القُدْسِ
فما من نجْمةٍ إلا تدلّتْ من سماها
واستقرّتْ في حجور المريميّاتِ،
يواقيتَ سرى من كفّ دهقانَ سناها
وسناها من شذاهنَّ 
فقد بايعـت الــذّلْفاءُ ما منه 
إلى أوردة الصخرةِ عند الفجر أدلفْ
(5)
التميميةُ قامت كشهابِ الرّجْــمِ ترمي
كلّ شيطانٍ إذا الخطْـفةَ يخْطفْ
نفخت عهدٌ بوجه الجند في الصُّور
فكرسيّ يهوذا يتقصّفْ
وبعــينيْ جؤذرٍ قد أرسلتْ إنذارها 
من فوقِ كِتْف الحارس المذعورِ،
قالت: أيّما زيتونةٍ جرّفتموها
 سوف تنمو فوقها زيتونةٌ أخرى،
وينمو حولها جيلٌ جديدٌ، عزمُه عَزْم المثَنّى، 
هو للظامئ للنّورِ شرابٌ
وهو للباغي سرابٌ
وعذاب الله عن كلّ ظَلوم ليس يُصرفْ
(6)
لم يبالوا قتلَ راشيلَ ولا
صدرها العاري المجـــرّفْ
أتراهمْ سيبالون بعهدٍ؟
ومتى كان لهم عهدٌ، وإسرائيلُ عهدَ الله تُخْلف؟
كلّ سيفٍ همجيٍّ لا يبالي بالصبايا،
حين يمتصّ ترابُ الأرضِ ما تنفثُ من آلامها،
أو تتحدّى كِــــبْر شاليت المزيّفْ
بين راشيل «شوازنبرغ» و»كوري»
خندقٌ من سالف الحقد مجوّفْ
(7)
قام جلعادُ يناجي صوتَـــــــه:
ما كان أجدادي هنا من ألف عامٍ
فلماذا نتفلسفْ؟
كان أجدادي بغرناطةَ في سوق البيازين،
يبيعون حريرا شنغهانيّا، وجلدا قــــــرَظيّا،
وابن عمّي كان إسكافاً فقيراً،
والرضا كان لنــــا ثوباً جميعاً،
هكذا كنّا، وكانَ الوضعُ ألطفْ
وأبي كان على إيقاع حزن (المندلينا) من قريبٍ،
يقرأ التاريخَ: 
كانتْ عندنا دارٌ جوارَ المسجد المحزونِ،
في مدخل غرناطةٍ الغربِيّ، في أقصى زقاقٍ، 
والمصلّون إذا ما فرغوا  كانوا يمرّون بدكّان أبي،
يبتاعون مقداراً من الزيتون والتّين المجفّفْ 
وعلى وقع المآسي
كان (عمّي مصطفى) يمنحُ «عبّاسيّةً «كلّ خميسٍ
لصبايانا، فيرقصن (فلامنكو)
ويُــجَرّحْــنَ جبينَ الأفقِ إيقاعا حزيناً،
ويُــقَــشّرْنَ حِكاياتٍ تقَضّــتْ ذابلاتٍ، 
وانتهتْ في قاعِ فــاسٍ يتهادينَ على الدفّْ:
نحنُ لن نيأسَ إلا من ظلامِ اليأسِ،
غرنَــــــاطةُ لن تنسى بنيها
ودروبُ القدسِ لن تنسى الذي قد كان فيها
وصدى الدبكة بالعودة يهتفْ
(8)
وأتى ذات صباحٍ قاصفُ الريحِ،
فلم يُبْقِ لنا من زمنِ الوصلِ،
ومن غرناطـــــةٍ إلا بقايا من مجلّفْ
فلماذا نَــرجعُ المشهدَ من أوّل فصلٍ في فلسطينَ؟
لماذا نرتضي ما يرتضي المـــُخرجُ:
(كــونوا قاصفَ الريحِ:
إذا مرّ على زيتونةٍ خضراءَ جرّفْ
وإذا صادفَ زرعاً للفلسطينيّةِ الأيّمِ أتلفْ
وإذا ما ظمئ النّاس إلى قطرة ماءٍ
غــوّر الآبارَ، والأنهار جفّــفْ)
(9)
كان جلعادُ يناجي صوتَه..
لمّــا دنتْ منه يدُ الضابطِ ليفي.. فتوقّفْ 
(10)
صوتُ لوركا جسدٌ تخترقُ النار جنابيهِ،
ولكنْ جمرةُ الشعْر على العالم شمسٌ ليس تكْسفْ
صوتُ لوركا تحت عين الجند في غرناطةٍ
يدفع عنه الحُزنَ مما يتدلّى من عناقيدِ هوىً
يطلُــع من أفوافِ تطوانيّــةٍ 
قد هرّبتْ أندلُسَ العشقِ بأردانها،
 والقمر الباذخُ قد أشْـــعَرها 
أشواقَ قفطانٍ على قَـــــدٍّ مهـــفْــهـــفْ 
(11)
وأرى في المدخل الغربيّ للأقصى 
ترانيمَ لحنّاءٍ على كفّ عروسٍ، 
وأرى جدّي مع الحُجّاجِ يُعْلي خيمة النورِ،
أما كانت هنا
رايةُ المنصور يعقوبَ ترفرفْ؟
(12)
يا إلهي! بين جنبيّ صباباتٌ،
وقلبي تحت وقع المطرِ العاشق يرجفْ
وشموخُ السّنبلاتِ الصُّـــــفْـــرِ
 لما تتحدّى كلماتِ البندقيّاتِ،
ترى الشَّمسَ على راحتها تُشبهُ مهوى صولجانٍ،
أو كمثل المهر إذ يَألف مولاه ويؤلفْ
(13)
لم تزلْ أحذية الجندِ على خدّ عروسٍ
تسأل النظرةَ شزراءَ وتُلْحفْ:
من تراه ثبّت العزمَ بعينيكِ؟ 
أهذا جبل الكرمل يدعو؟
أم ندى صوتِ بلالٍ
يملأ الصحراءَ توحيداً ويهتفْ:
«أحدٌ...» 
من، عهْــدُ، أعطاك التحدّي لا يجارى
وشمُـوساً لا يُـــبارى
وإباءً ليس يُــقْــصفْ
(14)
اليمامات من الضفّة يغزلن سريرا مــخْمليّاً
مثل أحلام الفراشاتِ مفــوّفْ
فافتحي أيّــــتُها الأرض ذراعيكِ،
فلم تعرفْ صباباتُـــــكِ من قبلُ بهاءً
كــعروسٍ زفّها نحوك عشقُ القدسِ،
يا عهدَ تميمٍ، أنت قد علّمتنا الصّــبرَ،
فقام الفجْـــرُ يسعى، والحواريّونَ جاءوا
يُنشدون: 
«اليوم زيتونةُ جدّي زيتُها أبهى وأشرفْ»