خواطر

بقلم
انيس الرزقي
أتت و كأنها لم تأت
 كانت الحرّية والدّيمقراطيّة حلمنا الأبرز والأجمل منذ كنّا مراهقين. وكانت الأجيال السابقة لنا تحلم مثلنا بالحرّية التي طال إنتظارها. وأخيرا انطلقت الثّورة ذات صباح 17 ديسمبر 2010 حين إنتفض أهالينا في سيدي بوزيد من جرّاء سوء المعاملة والإحتقار الذين كانا يمثّلان عقيدة الأمن التّونسي أنذاك. أحرق الشّاب البوعزيزي نفسه أمام الولاية في تحدٍّ صارخ للموت وفي مشهد مؤلم وكأنّ الشّهيد يقول أموت حرقا ولا أقبل ظلمكم وإهاناتكم بعد اليوم !
كانت القطرة التي أفاضت الكأس، كأس الإستبداد والتّهميش لعقود، فخرج الشّباب بصدور عارية أمام  جحافل الأمن. لم تعد تخيفهم نيرانهم، فدفعوا بحياتهم الغالية من أجل أن تكفّ مهزلة الحزب الواحد والرجل الواحد والرجل المعجزة، مهزلة التّنمية  التي صدعوا بها آذاننا في عهد المخلوع، بالرّغم أنّها كانت تنمية غريزيّة جهويّة ومتخلّفة من دون أيّة رؤية وطنيّة واستراتيجيّة وكأنها تواصل لرؤية إستعماريّة ! فقد طالت التنمية المزعومة بصفة إستثنائيّة وغير عادلة الجهات السّاحلية حيث مسقط رأس الدّكتاتور فزادت الغبن والفرقة في نفوس التّونسيين حتّى أنّ بعض أهالينا كانوا يستحون من ذكر إنتمائهم الجهوي لغياب التّنمية المجحف في جهتهم! تلك التّنمية التي اعتمدت التّوزيع غير العادل للثّروة والتي غابت عن الجهات الدّاخلية لعقود ممّا أدّى إلى موجات نزوح من الدّاخل إلى السّاحل أضرّت بدورها بالتّنمية وبالإقتصاد الوطني بصفة عامّة! فقد كانت ولا زالت جهات بعينها في الدّاخل التّونسي، محرومة من التنمية إلى درجة أنّ فرص العمل فيها تكاد تقتصر على تزويد الجهات السّاحليّة والعاصمة بالخادمات وحراس المنازل والشّرطة.
هرب المخلوع عشية يوم 14 جانفي 2011 بعد أقلّ من شهر من إندلاع الثّورة، فكانت لحظة فارقة ومعبّرة بأتمّ معنى الكلمة. فقد عجّ شارع الحبيب بورقيبة بالمتظاهرين الذين تجمهروا أمام وزارة الدّاخلية وردّدوا العبارة السّحرية «Dégage» أي إرحل أيّها النّظام، أيها الإستبداد، أيها الفساد. ألهمت عبارة «Dégage» شعوب العالم فكانت رمز من رموز الثّورة فقد استعملها أشقّاؤنا المصريين فأجبروا «مبارك» على الرّحيل هو الآخر. 
لقد امتدت موجة الثّورة التّونسية لتشمل ليبيا ومصر وسوريا واليمن، تماهت البدايات واختلفت المآلات. إذ يمكن إعتبار أنّنا في تونس الأوفر حظّا من بين أشقائنا الثّوار العرب، فقد حقّقت الثّورة التّونسية برغم الدّاء والأعداء بعض المكاسب المهمّة. إذ لا يمكن أن ننكر أن منسوب الحرّية في تونس بات يضاهي البلدان الدّيمقراطية بل ربّما أكثر حينما يتعلّق الأمر ببعض المواضيع المحرّمة عالميّا! لقد تمكّن الشّعب التّونسي، ولله الحمد، وعلى رأسه النّخب الوطنّية والديمقراطية من بناء أسس النّظام الدّيمقراطي والتي تتمثّل في دستور حرّ وديمقراطي ينظّم الحياة السّياسية وفي إرساء مؤسّسات دستوريّة ترعى العمليّة الإنتخابيّة. ونجح في تحقيق أوّل إنتخابات حرّة و نزيهة في تاريخه وكرّرها مرّتين. تجدر الإشارة هنا، وعلى عكس ما يُروّج له دائما داخليّا وخارجيّا، إلى أنّ النّخب الإسلاميّة، والتي إكتوت بنار السّجون والتّهجير أكثر من غيرها خلال العقود الثلاثة الماضية،كان لها دور بارز وتاريخي في إرساء النّظام الدّيمقراطي وممارسته على أرض الواقع والتّضحية من أجله قبل وبعد الثّورة. وقد كان خروج حكومة السّيد على العريض ذات الغالبيّة الإسلاميّة من الحكم قبل نهاية مدّة حكمها والقبول بحكومة وحدة وطنيّة من أبرز ملاحم بناء الدّيمقراطية في تونس.
النخب التونسية و الديمقراطية: 
لا شك أن البناء الديمقراطي بمعنى بناء المؤسّسات التي ترعى العمليّة الدّيمقراطيّة مثل البرلمان والهيئة الإنتخابيّة والمحكمة الدّستورية وهيئة إعلامية هي مسألة أساسيّة في التّحول الدّيمقراطي للشّعوب، فلا يمكن أن يكون هناك نظام ديمقراطي بدون برلمان منتخب بصفة شفافّة ونزيهة مثلا! ولكنّ الدّيمقراطية أيضا ممارسة، تمارسها النّخب السّياسية والمثقّفة كما يمارسها عامّة الشّعب، وبالرّغم من أنّنا نعتبر أنّ الشّعب التّونسي ونخبه السّياسية نجحا معا في اختبار البناء الدّيمقراطي، إلاّ أنّهما لم يحقّقا نفس التّقدم في مسألة الممارسة الدّيمقراطية. في الواقع تعتبر مسألة الممارسة الدّيمقراطية مسألة أكثر تعقيدا من مسألة البناء الدّيمقراطي وهي في اعتقادنا تمثّل التّحدي الأبرز للشّعوب حديثة العهد بالدّيمقراطية وإنّ عدم التّقدم فيها قد يؤدّي، لا سمح الله، إلى انتكاسة وربّما إلى انهيار عمليّة  التّحول الدّيمقراطي برمتها. والتّاريخ يعجّ بالأمثلة، فالثّورة الفرنسيّة انتكست عدّة مرّات ولم يستقر النّظام الدّيمقراطي فيها إلاّ بعد مرور مئة سنة تقريبا! 
لقد سقط العديد من النّخب التّونسية في اختبار الممارسة الدّيمقراطية عندما رفضوا بصفة تكاد تكون معلنة نتائج أوّل إنتخابات برلمانيّة حقيقيّة في تونس. فلقد رأينا على سبيل المثال لا الحصر شخصيّات سياسيّة بارزة في المشهد السّياسي ترفض التّحالف مع الإسلاميّين الفائزين في انتخابات اكتوبر 2011  بالرّغم من هشاشة الوضع العام في البلد ! وقد قبلت، نفس الشّخصيات، من قبل العمل مع بقايا النّظام -حكومة محمد الغنوشي- إبّان الثّورة بتعلّة تجنّب الفوضى، وساعدت بذلك النّظام على لملمة نفسه بعد هزّة الثّورة !
 كما تعاملت القوى النّقابية أيضا بسلبيّة مع أوّل إفرازات الدّيمقراطية في تونس فكثّفت من الإحتجاجات والإضرابات والمطالب المجحفة، حتّى أنّ الدكتورالمرزوقي وهو أول رئيس منتخب، طلب من النّقابيين ما سمّاه آنذاك «هدنة نقابيّة» لمدّة سنة حتّى يتسنّى للحكومة أن تفهم دواليب الدّولة، خاصّة وأن المسؤولين الذين جاؤوا عبر صندوق الإقتراع كانوا مبعدين عن الحكم وعن الإدارة لعقود وبالتالي كانت تنقصهم الخبرة، وخاصة أيضا وأن الدولة العميقة أي الإدارة كانت موالية للإستبداد وجزءا لا يتجزأ منه. و لكن وبالرّغم من كلّ هذه الظروف الصّعبة لم نر، في عهد الحكومة المنتخبة الأولى في تاريخنا، أيّ شكل من أشكال التّفهم والتّريث من قبل المسؤولين النّقابيين والحال أنّهم كانوا يتفهّمون الأوضاع الإقتصاديّة جيدا في عهد الإستبداد! 
أمّا تعامل الإعلام مع أوّل نسمات الحرّية فقد فاق أكثر التّوقعات تشاؤما، إذ استغلت معظم وسائل الإعلام مساحات الحرّية الهائلة التي ركّزتها أول حكومة منتخبة، لشنّ شتّى أنواع التّهجم والتّهكم على هذه الحكومة وعلى رموزها وعلى الثّورة بصفة عامّة. إلى أن وصل الحدّ ببعض الإعلاميين إلى تلفيق أقوال مزوّرة لرئاسة الجمهوريّة وفبركة حوارات صحفيّة مع إرهابييّن مفتعلين، كلّ ذلك كان يصبّ في إتجاه واحد ألا وهو تقويض المسار الدّيمقراطي بإسقاط أوّل حكومة منتخبة! 
لم تمثّل النّخب الفكريّة إستثناءً، فقد سقط الكثير من المفكّرين في أتون من التّساءلات والتفاصيل الفكريّة والفلسفيّة والتّاريخية التي لم تكن تتلاءم في أحسن الأحوال مع اللّحظة السّياسية الحرجة والمفصليّة في تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا! وفي النّهاية لم تكن تلك التّساؤلات تنتصر لا للثّورة ولا للتّحول الدّيمقراطي، فقد انحصر جلها في ما أسميه شخصيّا الباب الأمني «هل يمكننا الوثوق بالإسلاميّين ؟ هل يمكن أن يكون الإسلاميّون ديمقراطيين، ألا يمثّل ذلك تناقضا مع مرجعياتهم الفكريّة ... ؟» ! 
التّونسي و الديمقراطية: 
نأتي إلى مستوى الأفراد ونتطرق إلى كيفيّة تعامل الفرد التّونسي مع الدّيمقراطية. بالرّغم من الإستبداد السّياسي الذي عاشته البلاد لأكثر من ستّة عقود، إلاّ أنّ الكثير من التّونسيين، وخاصّة منهم أولئك الذين ينتمون إلى الطّبقتين المتوسّطة والميسورة، لم تكن تعنيهم بصفة جوهريّة مسألة الحرّيات أو مسألة التّحول الدّيمقراطي من النّاحيتين السّياسية والإقتصاديّة! بالتّأكيد كان هذا نتيجة مباشرة لعقود من الإنغلاق الثّقافي والفكري جرّاء الإستبداد والقمع السّياسي. إنعكس هذا سلبا على العمليّة الدّيمقراطية فكان جلّ هؤلاء يرون في التّحول الدّيمقراطيي تهديدا مباشرا لما يعتبرونه «إستقرارا» أو لما كانوا يعتقدون أنّها «حرّية». في الواقع إنّ الحرية في نظر الكثير من هؤلاء تقتصر فقط على المعنى الغريزي أي أنّ الحرّية لا تتجاوز عندهم حدود الملبس والمأكل ...! وبالتالي لم يكن معظم المنتمين إلى الطبقتين المتوسّطة والميسورة من الدّاعمين لعمليّة التّحول الديمقراطي وهذا ما يفسر، ربما، نتائج إنتخابات 2014، حيث حقّق المحسوبون على النّظام السّابق فوزا واضحا على المستويين البرلماني والرئاسي.  
رجال الثروة و الثورة 
تشهد تونس منذ عهد المخلوع وحتى الآونة الأخيرة إزديادا مطردا لعدد الأثرياء فقد فاق عددهم في تونس عددهم في المغرب وفي الجزائر وفي معظم دول القارة الإفريقية! وتشير بعض الإحصائيات الحديثة إلى أننا نعدّ في تونس أكثر من ستّة آلاف ونصف مليونيرا (مليونير بمعنى ثروة تتجاوز مليون دولار) وسبعين ميليارديرا (ملياردير بمعنى ثروة تتجاوز المليار دولار)! وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأثرياء نوعان رجال مال ورجال أعمال، فرجال الأعمال هم الذين جمعوا ثروتهم عبر بعث وإنجاز مشاريع صناعية أو فلاحية كبرى وبالتالي فهم مساهمون بصفة مباشرة في صناعة الثراء في البلد، أمّا رجال المال فهم بصفة عامّة ممّن جمعوا ثرواتهم إمّا بتجارة العقارات أو عبر توكيلات حصريّة لشركات أجنبيّة كبرى حصلوا عليها إمّا بالوراثة أو لتولّيهم مناصب مهمّة في الدّولة! ويمثل هؤلاء النسبة الأعظم من الأثرياء! ومن الطبيعي أن يدعّم هؤلاء الإستبداد، فمصالحهم غير المشروعة تتناقض بصفة واضحة مع كلّ أشكال الشّفافية والحوكمة الرّشيدة والجباية العادلة، باختصار مع أي ممارسة ديمقراطية. وتعتبر هذه الفئة بصفة خاصّة من أخطر الفئات على التّحول الديمقراطي باعتبار ما تملكه من قوّة مالية جبّارة إذ تشير نفس الإحصائيات المذكورة أنّ العديد من الأثرياء تتجاوز ثرواتهم العشرة مليارات من الدولارات أي أكثر من ثلث الدخل القومي الخام التونسي، و لكم أن تتخيّلوا قدرة هؤلاء على التّأثير في المشهد السّياسي!
فئات اجتماعيّة تعرقل المسار 
في ما يلي نذكر بعض الأمثلة من سلوك بعض فئات المجتمع ونحاول أن نبرز نمط جوهري نعتبره أحد أهمّ معوقات التّقدم في عمليّة الممارسة الدّيمقراطية. منوّهين بأنّنا لا نسعى بأيّ شكل من الأشكال إلى التّعميم وأنّنا نكنّ كامل الإحترام والتقدير إلى كافة الأسلاك المهنيّة لمجتمعنا.
(1) تفاقم في الآونة الأخيرة عدد الزّملاء من المعلمين والأساتذة، الذين يعمدون إلى الدّروس الخصوصيّة لزيادة دخلهم ويمارسون من حين إلى آخر أشكالا من الضغط على التلاميذ لجلبهم لتلك الدروس. لا يكترث هؤلاء كثيرا بالحرية ولا يبالون بالتّحول الديمقراطي، وهم من دون أن يكونوا جزء من النظام القديم، فهم ينسجمون معه، أمّا الثورة فلا تلائمهم لأنّها تتسبّب في تغيير التّوازنات والنّفوذ داخل مؤسّساتهم ممّا يتعارض مع مصالحم. 
(2)البعض من زملائنا في التعليم العالي الذين يمارسون، ما نسمّيه، السّياحة العلميّة أو السّمسرة العلميّة. يعمد هؤلاء تحت مسمّيات مثل الشّراكة العلميّة أو البحث العلمي إلى التّقرّب من الجامعييّن الأوروبيّين أو الأمريكيّين بالدّعوات المجانيّة لهم أو بتنظيم مؤتمرات علميّة مشتركة معهم. كل ذلك يتمّ في كثير من الأحيان من دون أي إستعداد أو تجهيز أو ندّية علميّة تمكّن من صياغة برنامج تعاون علمي واضح وجدّي حتّى تتمّ الإستفادة من خبرات هؤلاء الأجانب. ففي أحسن الأحوال يفضي هذا التّعاون إلى زيارات يقوم بها جامعيّونا إلى الجامعات الأوروبيّة والأمريكية – تدفع تكاليفها من خزينة الدولة من دون أن يستفيد الجامعيون ولا الدولة ولا المجتمع إذ لا يتحقّق فعليّا أيّ إنتقال للعلم وللخبرات «Knowledge transfer». لا تكترث هذه الفئة بنجاح التحول الديمقراطيّ لأن مخرجاته من شفافيّة ومحاسبة ومساءلة تتنافى بصفة واضحة مع سلوكهم.
(3) لا يختلف إثنان على الفساد الذي يشوب قطاع الصحّة في بلدنا، وبدون أي شكل من أشكال التعميم، فإنّ بعض الإخوة الأطباء الذين يعملون في القطاع العمومي لا يمتنعون عن العمل بشكل مواز في المصحّات الخاصّة وفي إستغلال مناصبهم وصفاتهم في المستشفيات العموميّة لتوجيه الزّبائن للمصحات الخاصة! من دون أي إعتبار لتضارب المصالح الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى تقديرات طبّية مبالغة أوخاطئة وبالتالي أكثر تكلفة وأكثر خطورة على صحة المريض!  لا شك أن الممارسة الديمقراطية والتي في جوهرها آلية تكرّس الشّفافية والرّقابة تتناقض بصفة واضحة مع مصلحة هؤلاء الأطباء! 
(4) طبعا لا يمثل الإخوة المحامون والقضاة والمهندسون إستثناء لهذه العقلية الإنتهازية والتي يبدو وللأسف الشديد أنها في تفاقم متزايد وأنها لا تستثني أي شريحة من التونسيين. 
(5) تعمدنا عدم ذكر الإخوة الأمنيين ليس لإستثنائهم، فالسّلك الأمني أيضا تشوبه سلوكات فاسدة كثيرة، ولكن لأنّ الكثير من الأصدقاء يبالغون في التّركيز على السّلك الأمني ويعتبرون أنّ الأمنيين يمثّلون أهم تهديد للمسار الدّيمقراطي، وفي إعتقادنا فأن الواقع غير ذلك تماما، فكل شرائح المجتمع تشوبها سلوكات تتناقض مع الممارسة الديمقراطية!  
و كأنها لم تأت
هناك إحساس حقيقي عند الكثير من التونسيين بأنّ الدّيمقراطية لم تغيّر أيّ شيء بل ربّما ساء الوضع أكثر ممّا كان عليه قبل الثّورة، حتى أنّه قيل «كنّا أفضل في عهد المخلوع»! وكأنّ الدّيمقراطية لم تأت إلى ربوعنا أو ربّما رحل الدّكتاتور الشّخص وحل مكانه دكتاتور من نوع آخر!  
علينا أن ندرك أن الممارسة الديمقراطية تحدٍّ ليس بالهين للمجتمع بأسره وهي عملية معقّدة ومتشعّبة وقد تتطلّب عقودا من الزّمن كي تتحقّق، مثلها مثل مرحلة التّأسيس التي تطلّبت منّا ستّ سنوات بالتّمام والكمال لتتحقّق، ولكننا يجب أن نشخص جيدا وأن نعرف من أين يجب علينا أن نبدأ.
أولا، يجب على النخب التونسية الجادة أن تدرك أنّه لا مجال اليوم للتشنّج ولأي شكل من أشكال التمشي الثوري من جديد، فهل يعقل أن يثور المجتمع على نفسه! فنحن في زمن إصلاحي بامتياز وربما هذا ما يفسر التمشي التوافقي الذي تدعمه أهمّ القوى السّياسية في البلاد. فلابدّ للقوى الديمقراطية في البلاد أن تتحلى بالحكمة وبالصبر حتى تتمكن تدريجيا من تكريس الثقة بين كافة الأطراف السّياسية وجذبها إلى مربّع الوطنيّة الخالصة ومن ثمّ المرور بالبلاد من مرحلة التّنافي والتّخوين إلى مرحلة التّنافس والتّدافع البنّاء.
ثانيا، نعتقد أن أهم عوائق الممارسة الدّيمقراطية يتمثل في الطبيعة الإنتهازية التي يتّسم بها الكثير من التونسيين والتي تكرّس النزعة الفرديّة و غياب روح الإنتماء والتي هي في تضادّ تامّ مع مفهوم الدولة و بالتالي في تضادّ مع مفهوم المشاركة في الواجبات وفي الحقوق وفي الحكم. لا شكّ في أنّ هذه العقليّة الإنتهازية هي نتيجة حتمية للإستبداد الذي عاشه التونسيون لعقود، فبصفة آلية يؤدي الإستبداد إلى الخوف و الخوف يؤدي إلى النأي بالنفس وعدم الإنتماء إذ أن الإنتماء ممنوع ! وبالتالي تتعاظم الفردية وتؤدّي في النّهاية إلى عدم الإيمان بالدّولة فيختزل المواطن نفسه إلى متساكن إنتهازي واللّهجة التونسية تعبر عن هذا ببراعة بعبارة «خبزيست». 
أخيرا وليس آخرا،عندما نفكر في الإصلاح لا بدّ من أن نبدأ من التّعليم فهو الباب الرّئيسي لأيّ إصلاح في سلوكات المجتمعات على المدى المتوسّط والبعيد. لا شكّ أن موضوع إصلاح التّعليم موضوع حسّاس ومعقد و لكنّنا نلاحظ أنّ المقاربات التي ترد سواء من المختصّين أو من الوزارة تركّز كثيرا على المسائل الفنّية  وعلى توفير الإمكانيات. وفي تقديرنا فإنّ المسائل الفنّية ومسألة الإمكانيات مسألتان على أهميتهما ثانويتان، وأن الأمر الأساسي يتمثّل في رؤيتنا ورسالتنا للتعليم ككل. فمن المعلوم أنّ التّعليم في السّتينات والسبعينات كان يفتقر تماما للإمكانيّات وأن الإمكانيات المتاحة اليوم أكثر وأن مناهج اليوم أكثر تطوّرا ولكن مخرجات تعليم السّتينات كانت أفضل من مخرجات اليوم بكثير سواء على المستوى الفنّي أو على مستوى الوعي. وهذا ما يجعلنا نؤمن بأنّ مسألة رؤيتنا المستقبلية لمخرجات مراحلنا التّعليمية التي تتعلّق بمفهومنا للمواطن الصّالح أو المواطن السّوي هي الأهمّ. ولهذا فإنّ العدل من أهم المفاهيم التي يجب العمل على إرسائها في منظومتنا التعليمية.فالتلميذ منذ أيامه الأولى في المدرسة يتأثّر كثيرا بمسألة التّمييز بشتى أنواعه، سواء كان تميزا طبقيّا أو إجتماعيّا أو جهويّا أو جسديّا. هذا التمييز الناتج عن غياب العدل بين التلاميذ يترسّخ في ذهنيتهم العميقة التي تشكل اللبنة الأساسية في علاقتهم بالآخر ويولّد الاحتقان في النفوس فيكون عائقا أمام أي مشروع للعمل الجماعي. لهذا فإذا أردنا أن نزيل الاحتقان من نفوس مواطنينا في الحاضر وفي المستقبل ونكرس اللبنة الأولى للعمل الجماعي الذي هو أحد أهم ركائز مفهوم الدولة الحديثة فمن هنا يجب أن نبدأ!