من القلب

بقلم
محمد كشكار
بين التلفاز والفايس بوك
  (1) التلفزة
في التلفزة يوجدُ باثٌّ واحدٌ فاعلٌ وملايين المتلقّين من المفعولِ بهم غصبًا عنهم. في تونس المحروسة، عادة ما يكون الفاعلُ منشّطًا مأجورًا جاهلاً تافهًا. أما المتلقين فقد يكونون من المواطنين العاديين أو أنصاف المثقفين أو حتى المثقفين المعجَبين وفي التفاهة راغبين وعليها مدمنين وللرداءة مستسيغين أو الذين على أمرهم مغلوبين - من أمثالي - ولأذواقِ زوجاتهم - عن خوفٍ أو طمعٍ أو احترامٍ أو حبٍّ أو مجاملةٍ رقيقةٍ - خاضعين ولهن منبطحين وللنكدِ العائلي متجنّبين. 
المنشطُ الفردُ هو شخصٌ مفروضٌ علينا كَرْهًا من قِبلِ دوائر الفساد المالي المتنفذة المقبوضِ عليها والسائبة، هو ضيفٌ متطفلٌ ثقيلٌ، ولكنك لا تستطيعُ مخاطبته فهو لا يرى ولا يسمع ولا يستحي، و«اللّي زادْ على ما بِيَّ» أنك تخسر عليه طاقةً كهربائيةً لِيتطاول على ذوقك ويتجاسر على فكرك وفي عُقرِ دارك ورغمًا عنكَ. أبَعدَ هذا الهوانِ هوانٌ؟..
(2) الفيسبوك
يختلف الوضع تماما في الفيسبوك،ملايين من الباثّين الفاعلين ومثلهم أو أكثر من المتلقّين الفاعلين أيضًا. خِطابٌ يناطِحُ خطابًا وليسَ كبشًا ينطَحُ آخرَ، وبكل حريةٍ يتفاعل الخطابان وللحقيقة النسبية قد يصلان. لا رئيسًا ولا مرؤوسًا. لا «دكتورْ» ولا «طرطورْ»، سلاحك منطقك وليست مرتبتك العلمية مهما عظُمَتْ وعلا شأنها، ولا فرق بين «فيسبوكي» و«فيسبوكي» إلا بقوة الحجّة والدّليل والبُرهانْ، وفي الشبكة العنكبوتية يُكرم العاقلُ أما «الخلواضُ» فيظهر وِيبانْ، ولن تستره شهادته إذا كان عريانْ في سوق المعرفة والبيانْ. 
مساحةٌ رحبةٌ فسيحةٌ كقلوبِ العُشّاقِ، وحدها لا غيرها تتوفرُ فيها حرية النشر والتعبير، حريةٌ واقعيةٌ وليست خياليةً، منفعتها حِينية ومجانية، تُلغِي المسافات وتقرّب القلوب وتنوّر العقول. تؤسّسُ، بِحولِ الله والعلم والتكنولوجيا، لديمقراطيةٍ مستقبليةٍ واعدةٍ مباشرةٍ أفقيةٍ تشاركيةٍ عالميةٍ، سنربحُ منها الخيرِ الكثيرَ الكثير، لو أجَدْنا وطوّرْنا استعمالَها ولو ذلَّلْنا عوائقَها وصبرنا على إيذاءاتها.
فضاءٌ تعانقُ فيه يوميًّا، صباحًا مساءْ ومتى تشاءْ، فلاسفة وعُقلاءْ، من أمثال «ميشال سارّ» و«طارق رمضان» و«ميشال أونفري» و«ألبير جاكار» و«هشام جعيط» و«عبد المجيد الشرفي» و«عزمي بشارة» و«يوسف الصديق» و«أبو يعرب المرزقي» و«محمد أركون» و«محمد الغزالي»، عقلاءْ يساعدون المتقاعد على صومِ رمضان بعِفةٍ وتقوى، شرفاءْ يُجنِّبونك رؤية وسماع الحمقي من رجال الإعلام والسياسة. 
والله أعجَبُ شديد العجبِ من مثقفٍ يُنصِتُ حرًّا لِمذيعٍ مُراء دسيسْ، أو يشاهد منشّطا بائسًا تعيسْ، أو يقرأ لِزعيمٍ أو رئيسْ، وله في «اليوتوب» الفكري أفضل جليسٍ وخير وَنِيسْ؟
الخاتمة
وعدٌ من الأرضِ وليس من السماءْ، من مؤمنٍ بالإنسان والأنبياءْ، سنمكثُ في الأرضِ وتذهبون كالزبدِ جُفاءْ.