إضاءات أدبية

بقلم
ناجي حجلاوي
إشكالية الالتزام وعلاقتها بالمسألة الأدبيّة
 مصطلح الالتزام مصطلح غامض يقتحم عوالم الأدب، وعند البعض هذا الاقتحام يفسد الأدب، فيصبح الالتزام تهمة. وأبرز ما يميّز الملتزم هو وفاء الكاتب بوعوده تجاه الأرض والشّعب، وهو فعل اختياريّ لتحقيق الوجود عبر تحقيق المواقف. وهو يتجاوز السّياسة ليشمل كلّ نواحي الحياة. أمّا الاقتصار على مجال السّياسة، فهو يجعل الأدب نضاليّا (1). وعليه، فإنّ النّصّ الأدبيّ يجد لنفسه مداخل سياسيّة لقراءته. والفرق بين الإلزام والالتزام واضح، إكراه في الأوّل، وحريّة في الثّاني «والإنسان لا يمكن أن يكون حينا حرّا، وحينا آخر عبدا، إنّه حرّ دائما، وإلاّ فإنّه ليس شيئا»(2) . 
ينخرط الأدب والفنّ في حركة الواقع المعيش، لأنّه المحكّ الأساس الذي يُختبر فيه مدى تماسك النّظر وصحّته. وإذا كان الفنّ جانبا مهمّا يعبّر عن مصالح الجماعات، فإنّه لا محالة يكرّس قيما وتقاليد ويخلقها.
الفنّ ساحة متحرّكة مثل ساحة السّياسة، ولكن الأداة مختلفة والأداء متميّز. ويمكن دراسة هذه العلاقة في حيّز من التّاريخ محدّد. إذ الفنّ يحتلّ جبهة كاملة لا تقلّ قيمة عن جبهة الاجتماع والسّياسة. والأدب والفنّ يتمتّعان بسلطة نافذة قادرة على مقاومة الإبادة القوميّة وحروب التّطهير العِرقي وحركات الاستعمار(3).
لقد شهدت الشّعوب المستعمرة معارك ضدّ التّخلّف والاضطهاد الخارجيّ والتّفكّك الدّاخليّ، ومن ثمّ تعمّقت الوجوه وشملت البقاء والوجود، ممّا جعلها تُجنّد كلّ قواها لإثبات الذّات القوميّة بكلّ الأدوات وما اُتيت من قوّة. ولعلّ أهمّ ما يجب تسليط الضّوء عليه هو ما يضطلع به من بناء الوعي وبناء الذّات. 
لقد مرّت الثّقافة العربيّة بأمرين خطيرين: التّخريب الاستعماريّ وتسلّط قوات عسكريّة حاكمة لا علاقة لها بالثّقافة، فخفت صوت الأدب والفنّ والثّقافة بصفة عامّة. وما من شكّ في أنّ حركات التّحرّر كان من الضّروريّ عليها أن تُعير جوانب الأدب والفنّ أهميّة قصوى، لأنّها ترفع الهمم، وتزيد من الرّفض للسّائد المهيمن. 
لقد ذهب الشّاعر توفيق زياد إلى فضح سياسة الاستعمار المتمّثلة في مرحلتين: الأولى التّطهير العرقي، والثّانية مسح الذّاكرة الثّقافيّة إذ يقول: « وبعد أن فشلوا في «تنظيف» البلاد من العرب، لجؤوا إلى «تنظيف» العرب من مشاعرهم القوميّة»(4).
وهكذا أصبحت المعركة معركة بقاء وفناء، وهو ما يزيد المعركة الثّقافيّة حدّة واحتدادا. فالاستعمار الجديد يستخدم الآليات الاتّصاليّة المتعدّدة لبسط سلطانها. وإذا كانت المعركة شاملة، فالفنّ يضطلع بمهمّة الشّحن المعنويّ، والكفيل بإزالة الاستسلام والخضوع أمام الاضطهاد، فالتّيار الفنّي المناضل يحاول صناعة ذوق عامّ لتوسيع دائرة الوعي المضادّ للإحباط. ومن ثمّ تتّسع دوائر الوعي البنّاء. الوعي بالذّات وأحقّيّتها في الحياة الرّاقية، ضدّ التّخريب والتّقاعس دون أداء المهمّات الحضاريّة.
إنّ الالتزام علامة حيّة دالّة على أنّ الأدباء والفنّانين يحيون داخل الواقع الجماعيّ المعيش، ومع ذلك يتميّزون بوعي نافذ وبصيرة حيّة، ولا يكتفون بالمراقبة والتّلذّذ بآلام الآخرين، وإنّما هم جزء من الجماهير المتألّمة. إنّ الانصهار في قضايا النّاس لا يتناقض إطلاقا مع رفعة الصّناعة الفنّيّة، لأنّ ذلك يشحن الفنّان بكثير من الرّؤى الدّافعة للإبداع والخلق. 
إنّ المجتمعات، التي يلتحم الفنّان بقضاياها، يفرض نوعا من الجماهير، إنّها الجماهير الضّعيفة المضطهدة المتعطّشة للتّحرّر، وهي مجالات خصبة أمام الفنّان في أن يستلهم منها مواضيع متوقّدة نحو إرساء هبة نضاليّة متحفّزة لتغيير الواقع نحو الأفضل. وهذا التّعامل مع هؤلاء النّاس يفرض لغة محدّدة يفهمها الجمهور، منهم تنبع وإليهم تعود، دون أن تفقد اللّغة الفنيّة جماليتها. وإذا أراد الفنّان أن يفهم النّاس فعله الأدبيّ فعليه أن يكون واضحا دون أن يتحوّل كلامه إلى خطاب ساذج محشوّ بالمباشرة القاتلة، حتّى لا يتحوّل إلى خطاب سياسيّ فجّ خاو من الأدبيّة والشّعريّة الفنّيّة. 
إنّ الجبهة الوطنيّة تتطلّب أبعادا عديدة: بعدا فنّيّا، وآخر سياسيّا، وآخر عسكريّا، وآخر إداريّا. والواجهة الثّقافيّة أكثر حساسيّة وقابليّة للتّعبير والسّقوط في شرك التّفاهة والتّقليد واللاّمعنى، وعندئذ، ينسلب المفكّر والأديب والفنّان من مركزيّة الذّات المناضلة إلى مركزيّة الآخر المهيمن. 
وهكذا، فإنّه تتّضح أهميّة الجوانب الثّقافيّة، إذ لا تقلّ قيمة عن الجوانب العسكريّة أو الماديّة. فالفنّ حاجة كبقيّة الحاجات اللاّزمة للوجود الإنسانيّ تحقيقا لرغباته الحيويّة. ولمّا كانت الحياة مشدودة إلى قضيّة ما، فإنّ ذلك يجعل الالتزام ضرورة لا مفرّ منها، ولاسيّما إذا تقهقر الواقع المعيش، حيث الموقع المشدود بأبعاد مادّيّة ومعنويّة. إنّ الفنّان، حينئذ، يكون فنّه أكثر عمقا، إنّما ذلك يكون بقدر وعيه بهذه القضيّة، لأنّ الفنّانين «هم الفئة التي كتب عليها أن تعود وتوجّه وتنجز وتُرشد وتكشف... وهم الفئة التي أصبحت قادرة على الدّفاع في حالة الهجوم، والتّضحية في مواقع الفداء، والاستبسال في حالة التّراجع» (5) . 
إنّ الإنسان ساعة امتلائه بالمعنى والفكرة، كان أقدر على الدّفاع عنها. والأرض والقوميّة والانتصار والحريّة، من أكثر المواضيع الضّامنة لهذا الامتلاء، وتأصيل الكيان، وبلورة الرّؤى تحقيقا للقدرة على الوجود الخالص، والبقاء النّقي، ووضوح الرّؤية، هي التي تفرض الأداة والأسلوب.  
ولو توسّعت درجة الوعي لدى الجماهير، لتغيّرت الوضعيّة بشكل كبير، رغم صعوبة إلحاق هذا الوعي الجمعيّ بالمصير المتحقّق، لما تعترضه من عوائق موضوعيّة تحول دون تحقيقه.
 إنّ الإبداع الفنّيّ، يسرّع الثّورة على الرّداءة، ويشجّع على تحقيق التّطوّر. وما زال الفنّ بأنواعه يذلّل الصّعوبات ويقرّب الطّموحات. وللفنّان منزلة في المجتمع والجماهير قدر طاقته الإبداعيّة، وقدر بلورة أفكاره في آثاره وخطاباته. فالرّؤية الفنّيّة منبع الأدلّة المقنعة والطّاقة الفاعلة بها ينتصر الفنّانون، ممّا حوّلهم إلى أبطال (6) . 
إنّ العمل الفنّيّ، إذ يُخاطب الذّوق والوجدان، فإنّه لا يخلو من الفكرة والمحتوى الثّقافي الدّافع للعمل، من خلال التّعقّل والتّفهّم. الالتزام منطلق نظريّ، وإنجاز فنّيّ، وخطاب مقنع، لذلك يبدو العمل الملتزم عملا متكاملا يفيد بالإقناع ويمتع بالجماليّة والفنّيّة. ومن خلال هذا الإنجاز يتّحد الماضي مع الحاضر والحاضر مع المستقبل. وللإبداع قدرة على السّريان في جسد الزّمن وأوصال الحياة بشكل يجعله لصيقا بالحياة المعيشة. 
إنّ الفنون تعبّر وتصوّر وتؤثّر وتُسجّل آثار الجماهير وأفعالهم معاناة وتجارب، فيصدح الفنّ بأصداء الحياة، فيخلِد ويُخلّد أصحابه. إنّ الفنّ الملتزم ليس رهين ملابسات مخصوصة، وإنّما صيحة الأحياء الرّاغبين في تحسين الجدل القائم بين الافتراض وتحقيق الافتراض بالبراهين الدّالّة. وعليه، فإنّ الالتزام يلازم المجتمعات المتحرّكة والثّقافات الحيّة. فالالتزام ظاهرة حيّة متجدّدة تجدّد الحياة والمصير. والمجتمعات المتقدّمة بدورها ملتزمة بتحسين مستوى الحياة الرّاقية. إنّ الالتزام ينهض على ما يثيره المعروف لغة وعرفا وذوقا من طاقات، ولعلّ الخروج على هذه المجالات يعود على الفنّان الملتزم بخسران يتمثّل في عدم دعم الجماهير، لأنّهم لم يفهموا روابط الاتّصال، بفنّه، حيث يتعطّل التّفكير وآلياته.
 إنّ الفنّان الملتزم، يحاول أن يتميّز عن الفنّان غير الملتزم، بقضايا الواقع بطاقات أوسع من اللّغة والفكر والرّمز والدّلالات، لأنّ سلطان فنّه يمتدّ إلى مناخات أوسع ومتعدّدة. 
ولا يذهبنّ الظنّ بالدّارس إلى أنّ الالتزام سياج أمام العمل الفنّيّ، وإنّما هو غناء للتّجربة، فالالتزام غناء بما فيه من مواقف متنوّعة وما يحتاجه الموقف من تعبير ومشاعر ووسائل التّجريب والإثراء بالخيال والمعارف، ومن ذلك تنوّع العواطف والسّلوك. إنّ أشكال التّعبير تُخفي وراءها أصداء فكر وعمق ووجدان. 
إنّ الالتزام، حينئذ، حوار الإنسان مع الحياة وقضاياها، يريد التّجاوز عبر الإرادة الجماعيّة. فالذّات مهمّة، لكن صراعها ضدّ القوى الخارجيّة عمل غير متكافئ، لذلك يحلم الملتزم من الفنّانين أن يتقوّى بالإرادة الأقوى. 
  إنّ الأبعاد السّياسيّة تمثّل أهدافا لدى الأديب، يحاول أن يتّخذ منها جذورا للفعل والتّغيير، يقول أرنولد هاوزر «ولقد كان الارتباط بالمسائل السّياسيّة والاجتماعيّة الجاريّة أوثق منذ البداية في أعمال الأدباء الرّوس أكثر منه في الأدب الفرنسي والانجليزي، إذ أنّ الاستبداد لا يترك للأعمال الذّهنيّة أيّة فرصة للنّشاط إلاّ الأدب»(7). علما بأنّ الفعل الأدبيّ يتمتّع بمساهمات كبيرة في تغيير الذّهنيات وبثّ الوعي. ففعل الأدب لا يقلّ قيمة عن دور السّياسة، وغير خاف أنّ كلّ انفعال وكلّ فاعليّة، إنّما هي ذات علاقة متينة بالسّياسة. وكلّ أمور الدّنيا في علاقة حيويّة بالسّياسة»(8) . 
إنّ الشّاعر أو الفنّان بصفة عامّة، لا يمكن عزله عن السّياقات الاجتماعيّة العامّة. ولذلك، فهو ينغرس في الأسس السّياسيّة المقتحمة لكلّ المجالات، ليعبّر عن المصالح الطّبقيّة المختلفة والسّياسيّة  التي طالما تمتدّ يديها لتشمل كلّ مناحي الحياة، فهي ليست حكرا على طائفة دون أخرى. فكلّ مبدع وكلّ مثقّف خاض تجارب سياسيّة من حيث ممارسته للفكر. ويتعيّن، حينئذ، على الملتزم أن يقترب من جمهور يأكل أقلّ ويقرأ أقلّ. ومن ثمّ، فإنّ أوّل ما يثور عليه، هو الشّكل وثورة الشّكل، هي أولى الثّورات. وقد عبّر تيّار الواقعيّة الاشتراكيّة عن معنى الالتزام في الأدب العربيّ، إذ تشكّلت أطر المعنى فيه، بحسب الرّؤى النّقديّة الجديدة المسندة إلى أرضيّة أيديولوجية ماركسيّة، ولا سيّما بعد الهزائم العربيّة (9). 
وتزداد القضيّة تعقيدا بالنّظر إلى التّنافر القائم بين أسلوب السّياسة والأداء وأسلوب الأديب في التّعبير، إلاّ أنّه عندما يلتزم يصبح البعد السّياسيّ جزءا من ذاته ومن وعيه، بحيث ينعكس هذا الاعتمال والتّمازج في الصّناعة الأدبيّة. 
وكي لا يظلّ الكلام نظريّا، فإنّ المنزع التّطبيقي، هو المحكّ الدّقيق والمختبر الأدقّ لاختبار مدى تجلّي هذه الأفكار والتّصوّرات، داخل التّجربة الشّعرية المنجزة، ومثال ذلك ما استقرّ في مجموعتي عبد اللّطيف العلوي الشّعريتين الموسومتين بـ«عادات سيف الدّولة، و«خيبات الطّفل العظيم». فما ملامح هذه التّجربة؟ 
الخطاب الشّعري ودلالته في شعر عبد اللّطيف علوي
الشّعر صناعة في اللّغة باللّغة، وتلاعب بقوانين الأبنية اللّغويّة، وإرباك لاستقرارها، وأمهر الشّعراء أكثرهم إتقانا لهذا التّلاعب، وأقدرهم في تكسير الأنظمة التّواصليّة المستقرّة .وعليه فإنّ النّصّ المدهش في شعر الحداثة هو النّصّ النّاجح، لأنّه لا يهب نفسه ولا يبوح بخباياه في نعومة وسهولة إذ يتجاوز النّزعة البيانيّة والتّعليميّة الصّادرة من عارف إلى غير عارف، وإنّما هو عمليّة تفاعليّة في إنتاج المعنى بين ذات شاعرة ومتلقّ قد يكون أشعر. وهكذا يُصبح الغموض في الشّعر الحديث حرّا كان أو قصيدة نثريّة، عمليّة مقصودة لغاية فنّيّة وجماليّة، وذات تأثير بالغ في عمليّة التّلقّي، فأين يتجلّى معنى الالتزام في شعر عبد اللّطيف العلوي؟وما هي معالم الكون الشّعري الّذي يرسمه؟
إنّ المطالع لنصّ الشّاعر يلفته التّفجّع البالغ والتّوجّع الموحي بالوقوف على خيبات نفسيّة واجتماعيّة وسياسيّة، بدت بوضوح في المعجم المعتمد والصّور المتوخّاة، ممّا يُحيل على أنّ الألم قد تحوّل لديه إلى مولّد أساسي للقول الشّعري، وهو معنى عمّقته المدرسة الرّومنسّية، في اعتبار أنّ الكآبة ظلّ الإله على الأرض.يقول جبران نحن أبناء الكآبة، والكآبة ظِلُّ إِله لا يسكن في جوار القلوب الشريرة. نحن ذوو النفوس الحزينة والحزن كبيرٌ لا تسعه النفوس الصغيرة (10)
 وعبقرية هذا التّصوّر أنّه يُخرج الجمال من القبح والفرح من الحزن والضّياء من جوف الظّلام، ولا غرابة في ذلك فجيل عبد اللّطيف علوي حسب عبارة الشّاعر: «يبيض حجارة الأحلام في الرّمال البعيدة وما عساها تُفقص وتفرّخ في رمال قاحلة لا ماء فيها ولا حياة سوى أحلام خاوية من كلّ دلالة للحلم لتظلّ الأحلام الحقيقيّة مجرّد حديث لذيذ عن شرفة في مهبّ الحنين حتّى إذا تفاقمت هذه الحالة وبلغت مداها صرّح بكراهته للتّمنّي لوقوفه على أنّ الحلم مجرّد أمنيّة خاوية حرّمها أهل اللّغة على أدوات التّمنّي وحرموا الشّاعر من كلّ دلالة للتّمنّي وعندئذ ينكشف الحجاب الحائل دون حقائق الأشياء ليصبح الحديث عن الخيبات القاتلة تصريحا بعد أن كان تلميحا حيث تستحيل الأمنيات إبرا ووخزات قاتلة. «كم أمنّيك والأمنيات إبر في القلب»(11) و«عندئذ لا يجد الأحباب بعد ثقب القلب متسّعا فتضيق بهم الدّنيا»(12). ولا غرو في ذلك فالدّنيا ذاتها قد لُوّثت وتعفّنت بمفعول اللّعنات الماثلة في الاستبداد الّذي أبدع الفرد الأوحد في إرسائه وتوريثه لمن يأتي بعده «ذات اللّعنة تخرج من ذات الرّحم» (13).
وإذ يحاول الشّاعر أن يتحسّس الفروق بين الأشياء لكي يؤسّس أرضيّة نظريّة يقف عليها ويفهم من خلالها العالم الّذي ينتمي إليه ويحيا فيه فلا يقف على شيء من ذلك، فيتسّع حجم الوعي الخائب بالخيبات «إذ لا فرق بين سجّان وسجّان» (14). رغم أنّ الذّاكرة تنهشه محاولة بذلك فكّ أسر الشّاعر من هذا السّجان الملبّس عليه دينه ودنياه وقد بدا صوت الدّين في أصداء الفطرة البادي في صوت المياه المحيلة على قصّة الخلق والبدء «كالماء أنزلني وإلى النّهر عُدت» (15). وأمّا نداء الدّنيا فقد تجلّى في جنوح الشّاعر إلى القول الشّعري الجميل رغم ما تسبّب فيه من عذاب «يعذبّني ما أقول وما لم أقُل» (16). وتتعمّق درجات الضّباب ليزداد انعدام الرّؤية عنفا باضمحلال الفوارق بين الأشياء، ليصبح مبدأ الهُويّة بصورة جليّة حتّى تبدو المسألة في جوهرها مسألة معرفيّة « لم أعرف الفرق بين رقص الدّيوك وذبح الملوك.» (17).
إنّ العالم الّذي رسمه الشّاعر عالم نسجت أطرافه من خيوط سوداء مظلمة حالكة لا دلالة للفرح فيه إذ انعدم الغناء وتلاشت الرّؤى وتبخّرت الأحلام «الصبية ناموا دون غناء، وأحلام بأعينهم كزجاج مكسور»(18).
وقد ساهم هذا العالم المدلهمّ معرفة وسلوكا في إنتاج جيل منكوب اُمتحن بحكومات ظالمة وقبائل مشتّتة» «يا آخر نسل النّكبات، يأتونك حيث تكون: حكومات وقبائل ودول بائدة»(19).
ومن النّتائج الطّبيعية المنتظرة لهذا الأفق المظلم أن تنحدر قيمة الاِنسان لتضاهي قيمة الحيوان ولا سيما القرد والكلب رمزي السّخافة والحقارة «وليُرفع هذا القرد على وتد» (20).
ومن هذا المستوى المنحدر بالقيمة الاِنسانية تنبع حيرة الشاعر الباعثة عن الأسئلة المتتالية إن كان الغطاء الحائل دون اكتناه حقيقة الأشياء ثقيلا إلى الحد الذي يقف دون الثورة أم أن الظلم المحقق لهذا الاِنقلاب في الموازين مازال لم يبلغ الحدّ كي ينقلب إلى الضد: «أ كان الغطاء ثقيلا وكان الظلام أقل اكتمالا»(21) .
ومازالت الحركة الشعرية سادرة في بحر الظلمات والخيبات إذ يبشر الشاعر بالشيب رويدا رويدا وحيث تُغلق الأبواب دون الزيارة المخففة من آلام السجون التي يشيب لها الولدان» سوف نشيب رويدا رويدا وتُغلق دونك إن زرتنا الأبواب» (22)
وعند هذا الحدّ من اللآأدرية الناجمة عن كثافة الظلام وكثرة المتناقضات وانتشار العبثية تُسجل الحركة الشعرية اِنقلابا هائلا إذ يتحول الشاعر من حالة ينعدم فيها الإدراك والمعرفة إلى حالة العلم والإمساك بحقيقة الأمور فيعرف أنّه حزين رغم انعدام الأسباب وأنّه غريب غربة غير مبرّرة وإذا بالأمر أكثر عبثيّة وأعمق مأسويّة «وأعرف أنّي حزين بلا سبب وأنّي غريب بلا سبب» (23) .
إن أزمة الشاعر تتضاعف وتتعمق عندما يعود به الوعي إلى ذاته فيكتشف أن العمر قد ناهز على الاِنتصاف أو تجاوزه» كم الساعة الآن منتصف العمر»(24).
ويحاول الشاعر أن يلملم من آلامه ويكفكف من جراحه ضد الأيام المتسارعة بأمرين الأول: الاِلتجاء إلى الذكرى والثاني الاحتماء بالمحبة والعاطفة يقول:» أذكرُ أنني تركت على خدّ مرآتها قبلة وبكيت.»(25).
ويقول في موضوع آخر:» أنا آسف لليدين اللّتين تخضبتا من رمادي وأشْعلتا»(26).كما يقول:» أنت الجدير بحبّها، كم وردة أهديتها».(27)
إلا أن هذا اللجوء القسري إلى التذكر والوجدان لم يوفر أكثر من نصف الحلّ حيث يظل الشاعر معلقا بين السماء والأرض «حملتٌ القصيدة نصف الطريق ونصفه لم تحتملني القصيدة»(28)
فبات بذلك الموت مطلبا عزيزا وحسبُ المنايا أن يكنّ أمانيا، حسب عبارة أبي الطيب المتنبي وهي حالة لا يُحسد عليها الشاعر « لا شيء ينقصني في الحياة سوى أن أموت بخير كبعض الرجال»(29).
ولا يستنكف الشاعر من تبرير هذه الحالة المتردية بقوله» لأن الأكف التي غدرت لا تُعاهد»(30). فكثرة الغدر والظلم والقهر والضنى هي التي دفعت بالشاعر دفعا إلى ارتقاب الموت حلا كفيلا بتجاوز مرارة الواقع الحالك ومن تبريراته وتفسيراته لهذا الواقع المتدهور أن النحو العربي بلا قلب عربي لذلك هو ليس بذي معنى (31).
واللغة العربية حينئذ إنما هي أشكال جوفاء وكلمات يابسة لا معنى لها ولا روح وكذلك دروس الجغرافية التي يُراد منها الحفظ فقط والحال إنها علم يعرف المرء من خلاله موقعه من الأرض والكون والعالم(32).
وما دامت اللغة حاملة الفكر ميتة والعلوم جوفاء فإن أيام العرب ستظل داحسة وغبراء (33).حياة تفتقر إلى الشرف والرجولة شعارها «كم طفلة صرخت أواه يا أبتي ولم يجب أحد في البيت عن أحد» (34) 
ومن الطبقات المظلمة المشكلة لسحائب العالم الذي يتحرك فيه الشاعر أن قتل القيم الاِنسانية والقضاء على الذوات الحية إنمّا يتم باسم الحداثة واللآئكية (35) مما حدّا بالشاعر إلى التساؤل: هل اكتمل المشهد الدموي العظيم؟ (36) .
وتنتهي التجربة الحيوية المريرة بالشاعر في ثنايا العالم السوداوي بأمرين الأول يتمثل في القطيعة مع رموز الاستبداد. وهذه القطيعة بادية في قوله: «لا لن أٌصالح أولئك من علقونا ثمانين عاما على حبل أفكارهم كالذبائح»(37) .والثاني يتجلى في بريق الأمل والاِطلالة على الآتي، ومصداق ذلك، قوله:«لعل الأجمل آت»(38) أو بقايا البصيص في شباك تعلق بالروح يقول:«في الروح شباك على آثار أحذية لضباط بلا شرف» (39) .
إن الجدير بالملاحظة في كتابة الشاعر عبد اللطيف علوي جنوحه في بعض الأحيان إلى النزعة السردية التي يُعدها البعض علامة تحديث في الكتابة الشعرية النثرية، وإن لم يكن شعره من هذا القبيل النّثري، ولعلها نزعة في تبسيط المعاني لتقريبها من المتلقي يقول: «ويُقال بأنه كان هنالك في الزمن الغابر مخلوق يُدعى الاِنسان»(40) أو قوله:«لم نتفق حول الكثير من التفاصيل الصغيرة»(41). وإن لم تكن هذه السمة التّفصيليّة والتّوضيحية طاغية على القول الشعري لديه لأنه يتتبع آثار الصورة الشعرية على اختلاف أنواعها كتجسيد المجرد وتجريد المجسد والجنوح إلى الصور العاطفية والنهل من معين الفكر والثقافة والايديولوجيا والطبيعة والتّجربة المعيشة ليخرج من كل ذلك بعصارة شعرية يسميها أحيانا بالخيبة الطفولية أو بعادات سيف الدولة.
من الكينونة إلى الصّيرورة
إنّ المتأمّل في العنوانين اللّذين وسم بهما الشّاعر عبد اللّطيف العلوي مجموعتيه، يقف على الحقيقة التّالية: إذا كان المركّب الإضافيّ يعني الإشارة إلى العلاقة والاتّجاه، نحو الآخر، فإنّ المركّب الإضافيّ، قد كان جزئيّا في عنوان المجموعة الأولى «خيبات طفل» لأنّه يُعتبر جزئيّة فرعيّة ضمن المركّب النّعتي. وإذا كان المضاف والمضاف إليه منعوتا، فإنّ لفظة عظيم نعت واصف للمضاف إليه الذي هو طفل. وبغضّ النّظر عمّن هو هذا الطّفل، فإنّ النّعت والمنعوت إحالة على الكينونة والهويّة ومعرفة الذّات. ومع المجموعة الثّانية الموسومة بـ «عادات سيف الدّولة» فإنّ المركّب النّعتيّ في المجموعة الأولى ينزاح لصالح المركّب الإضافيّ داخل المركّب الإضافيّ. عادات مضاف وسيف الدّولة مضاف إليه. وإذا بالمضاف إليه يتكوّن هو الآخر من مضاف هو سيف، ومضاف إليه وهو الدّولة. 
ودون شكّ، فإنّ المركّب الإضافيّ بما فيه من نشدان الحركة يحيل على التّحرّر من السّكون. وإذا بالكينونة الثّابتة في المجموعة الأولى تصبح حركة وصيرورة في المجموعة الثّانية. ولنا أن نتساءل عن مصير هذه الحركة في المجموعات الآتية؟ 
والذي لا ينبغي أن يفوت الدّارس هو البناء الثّلاثيّ في العنوانين، سواء كان مركّبا نعتيّا، أو مركّبا إضافيّا. وكأنّ ذلك يحيل على البنية الثّلاثيّة في الكون. وأنّ الدّورة لا تنتهي إلاّ بالثّلاثة، الأطروحة ونقيض الأطروحة والتّأليف، أو الأب والأمّ والأبنـــاء، أو التّثليث المسيحــي، أو التّصوّر القائم على الله والكون والإنسان. ومهما دار الأمر، فإنّ الحقيقة إن كانت واحدة فالطّرق الموصلة إليها مختلفة ومتنوّعة.